علوم

هل يمكننا حقاً اعتبار أنفسنا ”شخصاً واحداً“ طوال حياتنا

شيخوخة

هل نظرت من قبل لصورك في فترة الطفولة أو المراهقة وشعرت بمدى تغير ملامح شخصيتك من تلك الفترة حتى الآن؟

بالطبع يتغير الأفراد كثيراً عند الانتقال من مرحلة عمرية لأخرى ومن خلال تعرضهم لمواقف وتجارب مختلفة، فعلى سبيل المثال قد يتغير ذوقك في الملابس فتكره الآن ما كنت ترتديه عندما كنت مراهقاً، أو قد تحب الآن مأكولات كنت ترفض تناولها عندما كنت طفلاً. وفي الجهة الأخرى، قد تتمسك بخصال في شخصيتك قاومت تنقلك بين المراحل العمرية ولم تتغير، كالخوف من أشياء معينة أو حبك لرياضة أو هواية معينة.

قد نظن أن هذه التغيرات ليست سوى مصادفات سطحية تحدث في حياتنا ودلالات على النضوج والتأثر بتجارب الحياة، ولكن يظن بعض العلماء والأخصائيون النفسيون أن هذه التغيرات هي سلسلة من التحولات التي لابد من حدوثها في حياة كل فرد، والتي تؤدي بعد فترة معينة من الزمن لتكوّن شخصية منفصلة تماما عن تلك التي تواجدت من قبل. فكما تتبدل خلايا الإنسان تماما وتنتج خلايا جديدة، تتبدل شخصية الإنسان في كل مرحلة عمرية بشخصية أخرى لا علاقة لها بتلك التي سبقتها، وبالتالي ”أنت“ الآن هو شخص غريب تماما عن ”أنت“ من عشر سنوات.

قامت الجمعية البريطانية للبحوث ببحث استمر لمدة خمسة وستون عاما، وهي أطول مدة استغرقها بحث في التاريخ، لفحص التغيرات التي تطرأ على الشخصية أثناء التقدم في العمر. بدأ البحث عام 1950 وجمعت البيانات من 1208 مراهق بلغوا في ذلك الوقت الرابعة عشر من عمرهم. اعتمد البحث على فحص سمات الشخصية الستة الأساسية، وهي الثقة بالنفس والمثابرة والثبات الانفعالي والضمير والإبداع والرغبة في التعلم.

تمكنت الجمعية من الوصول إلى 174 من أولئك المراهقين بعد أكثر من ستة عقود، وقد بلغوا السبعة والسبعين من عمرهم. عند إعادة فحص تلك الخصائص مرة أخرى، تبين أن إجابات كل فرد اختلفت تماما عن تلك التي أعطاها عندما كان مراهقاً. عدم وجود أي توافق بين الإجابات لم يكن متوقع، حيث أكد العلماء أن البحوث التي أجريت على فترة أقصر أوضحت وجود ثبات وتوافق نسبي بين النتائج. فالبحوث التي تركزت على المقارنة بين الشخصية بين مرحلة الطفولة ومرحلة المراهقة، أو مرحلة منتصف العمر والشيخوخة، أوضحت توافق نسبي بين النتائج ولم يتواجد اختلاف كبير في الشخصيات. وبناء على ذلك تبين أن كلما طالت ابتعد الفرد عن مرحلة عمرية معينة، كلما قل الترابط بين سمات شخصيته الحالية وتلك المرحلة إلى أن ينفصلا تماما.

من المؤكد أن أحد سباب عدم التوافق في نتائج البحث هو تعرض البعض لتجارب في حياتهم أثرت عليهم سواء بالسلب أو الإيجاب، أو أنهم كانوا يمرون بما يعرف بـ”عنفوان المراهقة“ عندما قاموا بأول فحص، أو أن صحتهم الذهنية في سنهم المتقدم لم تمكنهم من تقييم أنفسهم بشكل صحيح والإجابة بدقة. ولكن على أي حال، لم يستطع العلماء ربط الإجابات ببعضها، مما يرجح نظرية تحول الشخصية التام على مدار مدة زمنية طويلة. من المثير للاهتمام هو تضارب هذه النتائج مع التعريف الأساسي للشخصية، وهو ”الأنماط الفكرية والعاطفية والسلوكية المميزة للفرد“. فإذا ما أثبتنا عدم وجود نمط من الأساس في الشخصية، على ماذا سيعتمد التعريف الجديد لها؟

وهنا يطرح العلماء السؤال الأساسي، هل يمكننا حقاً اعتبار أنفسنا ”شخصاً واحداً“ طوال حياتنا، حتى وإن كان الزمن جدير بجعل كل من خلايانا الجسدية وشخصياتنا لا علاقة لها ببعض؟

المصادر

عدد القراءات: 2٬747