تطور

الولادة القيصرية؛ هل بإمكانها فعلاً تحريف مسار تطوّر البشر!؟

طفل حديث الولادة

الولادة القيصرية هي إجراء جراحي يقوم فيه الجرّاح بشق البطن والرحم لاستخراج الجنين، ويقوم بإجرائها جرّاحون مُتخصّصون وذلك عند تعذّر الولادة الطبيعية.

يرتفع بشكلٍ مُستمر مُعدّل الولادات القيصرية التي تُجرى يوماً بعد يوم، حيثُ يتزايد يومياً عدد النساء اللواتي يحتجن للخضوع لعملية جراحية ليُنجبن، ومن الواضح أن الفوائد الطبية للولادة القيصرية هائلة، لا سيّما بسبب حمايتها لكلٍّ من الطفل وأمّه من الحالات المُميتة القاتلة، غير أن ورقة بحثية جديدة أشارت إلى أنّهُ من المُحتمل أن تُغيّر هذه العملية من مسار تطوّر البشر، الأمر الذي أثار كثيراً من الجدل في الأوساط العلمية.

لآلاف السنين، كانت إناث البشر ذوات الأحواض الضيّقة تمُتن أثناء الولادة، ويُعدّ هذا الأمر من عيوب تطور البشر، فبينما كان البشر يتطورون للحصول على أدمغة بحجمٍ أكبر لحظة الولادة؛ كانت النساء تتطورن في الوقت نفسه للمشي على قدمين فقط مما استتبع حوضاً وفتحة ولادة أضيق، وهو ما يسمى بـ«معضلة الولادة» Obstetrical Dilemma حيث تعمل كلا القوتين في اتجاه مضاد أثناء التطور (يحاول الجنين الحصول على دماغ وجمجمة بحجم أكبر ليتمتع بذكاء أعلى وفرص أكبر في النجاة، بينما تعمل القوة الأخرى في اتجاهٍ مضاد لتقليل حجم الحوض وفتحة الولادة عند الأم للمشي على قدمين فقط وزيادة فرصها في النجاة هي الأخرى).

ويزعم الباحثون أنّ هذه الزيادة في عدد الولادات القيصرية ترافقت مع اختلال التوازن بين العاملَين التطوريين السابقين، ففي الماضي إذا كان حجم رأس الطفل كبيراً جدّاً أو كان حوض المرأة ضيقاً للغاية، فإنّ الطفل كان يعلق في الحوض ممّا يؤدي إلى وفاته ويمكن أيضا أن يكون احتمال لوفاة أمّه كذلك، مما كان يمنع توارث الجينات المسؤولة عن هذه الحالات.

فقد أشار الباحثون الذين قاموا بالدراسة إلى أنّ العدد المُقدّر للحالات التي لا يُمكن فيها إنجاب الأطفال عن طريق الولادة الطبيعية قد تزايد من 30 في كل 1000 ولادة تقريباً في ستينيات القرن الماضي 1960s، إلى 36 في كل 1000 ولادة في وقتنا الحالي، وهذا يُساوي تقريباً ارتفاعاً بمُعدّل 20٪ لحالات عسر الولادة الطبيعية، الأمر الذي يفترضون أنّه قادر على تغيير مسلك التطوّر البشري.

يقول الدكتور (فيليب ميترويكر) من جامعة فيينا الذي شارك في تأليف الدراسة المنشورة في المجلة العلمية الأميركية PNAS: ”من غير تدخل الطب الحديث فإنّ حالات كهذه كانت تُعتبر مُميتة في كثيرٍ من الأحيان، وإن نظرنا إلى هذا التدخّل الطبي من وجهة نظر تطورية فهو في حقيقة الأمر يُمثّل انتقاءً طبيعياً، فإنّ النساء اللواتي امتلكن أحواضاً ضيقة جداً قبل 100 عام ما كُنَّ لينجون من عملية الولادة، بينما يخرجن منها سالمات اليوم وبالتالي يمررن جيناتهن المسؤولة عن الحوض الضيّق إلى بناتهن“.

امراة حامل

قد يؤدّي هذا نظرياً إلى تغيّرات تطورية، لكن عملياً قد لا يكون هذا التغيّر حاصلاً بالفعل، فالعلماء الذين قاموا بالدراسة لم يُقدّموا في الحقيقة أية دلائل تدعم ادّعائاتهم، وبدلاً من ذلك فقد اعتمدوا في إجراء دراستهم على تحليلات إحصائية لبيانات مجموعة من قبل منظمة الصحة العالمية.

صحيح أنّ معدّلات الولادة القيصرية في ارتفاع مُستمر، وخاصةً في القسم الغربي من العالم، لكن يوجد عدّة أسباب مُحتملة لهذا التزايد ومن الصعب نسب هذا الارتفاع إلى سبب واحد دون غيره، فعلى سبيل المثال ينصح الأطباء بإجراء الولادة القيصرية للأمّهات المُتقدّمات بالسن (نتيحة الخطر المتزايد الناتج عن التمزّق المهبلي عند التقدّم بالسن) ومع ارتفاع متوسط أعمار النساء اللاتي يُنجبن في وقتنا الحالي فإنّ هذا الأمر قد يُفسّر هذا التزايد الكبير في الولادة القيصرية، كما هُنالك عوامل أخرى تدفع الأطباء إلى اعتماد الولادة القيصرية بدلاً من الطبيعية مثل البدانة والإصابة بمرض السكري.

وبالرغم من أن الارتباط بين زيادة حالات الولادة القيصرية والتطور ما زال يحتاج للمزيد من الأبحاث والبيانات، إلا أنه من المهم النظر للمستقبل وما سيحدث للمجتمع بسبب مثل هذا الارتباط، حيث يعتقد أن الولادة القيصرية مرتبطة بالسمنة وأنه توجد أدلة مبدأية على أن طريقة الولادة تؤثر على تطور المخ على الأقل عند الفئران، حيث ماتت العديد من خلايا المخ عند الفئران حديثة الولادة قيصرياً. هذه الدراسة لا تقلل من قيمة الولادة القيصيرية لكنها فقط تعطي بعض المساحة للنقاش في مستقبل هذه الطريقة، حيث يعتقد العلماء أن عدد المواليد بالجراحة القيصيرية لن يتخطى الولادة الطبيعية في المستقبل، كما تعطي الأمهات اللاتي ينتظرن مولوداً بعض المعلومات المفيدة، ومساعدتهم على التفكير ملياً قبل اختيار هذه الطريقة.

ساهم الكاتب سيمون العيد في إعداد هذا المقال.

عدد القراءات: 10٬217

تدقيق لغوي: كارمن بطرس.