اجتماعيات

العرب والجنس، تناقض غير مبرر

العرب والجنس

أخي القارئ، اقرأ هذا المقال بشكل متفتح، لا أنصحك بأن تقرأ وتفكر مع كل سطر تقرأه كيف ترد، وقبل الدفاع عما تعتقده، فكر كيف يعتقد الآخرون؟

وعن تجربة شخصية فيما سبق؛ كنت عند قراءتي أو الاستماع لمحاضرات تتعلق بالفكر المنفتح العلماني، كنت مهتمًا دائماً كيف أثبت العكس وأدافع عن الموروث الذي تربيت عليه، ولم أكن مكترثا جداً لما يقولون، ولم أفتح عقلي لأدخل فيه فكراً يخالف فكري واعتقادي. وهذا قمة السلبية، فعندما نظرت لعدة مسائل، مثل الحرية بشكل موضوعي أكثر، ووضعت عقلي مكان الفكر المقابل، وجدت نفسي اليوم أكتب هذا المقال.

عزيزي القارئ، الفكر لدى البشر يختلف من عقلية إلى عقلية، فلكي تكون عادلاً أمام أي قضية مطروحة أمامك، لا تعتقد أن الثبات -على ما تظن وتعرف- هو ما سيعطيك النتيجة الأفضل، بل قبول الأفكار الأخرى، والسؤال بشكل عكسي هو ما سيعطيك نتائج لا تتوقعها، وستكتشف عالماً جديداً، تضع به قدمك على أول طريق المعرفة.

أما بالنسبة لما تطرحه الصفحة من مواضيع قد تعتبر حساسة اجتماعياً، فأقول بأنه لابد من كشف الغطاء لمعرفة ما بداخل الإناء.

الجنس هو سلوك طبيعي تمارسه معظم الكائنات الحية، تتعدد أشكاله وأنواعه، تبدأ بالمغايرة الجنسية (ذكر وأنثى) إلى الازدواجية الجنسية (ذكر لذكر وأنثى والعكس)، وقد نشر هذا الموقع عدة مرات مواضيع متعلقة بالجنس وأموره، أما موضوعنا اليوم سيتحدث حصراً عن مواطن الشارع العربي وعلاقته بالجنس، والتناقضات الفكرية والعقائدية والإجتماعية التي تجعل من الجنس عقدة عند الكثير من العرب.

قبل وبعد

الإنسان بطبيعته يحتاج إلى الجنس كعملية تكاثرية، تعود بالفائدة عليه صحياً إلا في بعض الحالات (كالأمراض المنتقلة جنسياً)، هذه الصفة المشتركة بيننا وبين باقي الكائنات الحية الأخرى، لكن الكائن البشري المتطور اليوم قد غلفها بالأخلاق، والمرجعيات الدينية، وقد جعلها راقية أكثر مما عليه في المجتمع الحيواني في نظر بعض الفلاسفة، ويفضل مجتمعنا ممارسة العملية الجنسية تحت غطاء يسترها وعقد يسبقها، وأهل أو أقرباء يقبلوها، ثم تباح ويُبنى من بدايتها عش الزوجية.

هذه المراحل التي قد تبدو طبيعية، وهي في الحقيقة عقد تزيد من رهبة الجنس، لا أكثر ولا أقل، فيكفي لانجاح علاقة بين أثنين أن يحبا بعضهما، ويقررا الإستمرار سويا تحت غطاء الحب، ولإرضاء المجتمع يمكن جعل الزواج مدنيا، لا داعي لمئة حاجز قبل العملية الجنسية، كالمهور والجمهور، وتكاليف الأعراس التي تكون بأضعاف المبالغ مقارنة بالمجتمعات الأخرى.

أما الحواجز التي يبدأ بها أفراد المجتمع تكوين عش الزوجية بداية من ”ليلة الدخلة“، الليلة الحاسمة الفاصلة التي تكون المرأة بطلتها حصراً، حيث تكشف هذه الليلة إذا ما كانت المرأة شريفة أم مومس (لا أذكر صفة مماثلة للرجل)، أما الرجل فينال بعدها شرف الإنتصار أو الخزي والعار.

طبعا لا مشكلة إذا مارس الجنس آلاف المرات من قبلها، بل ويعتبر أحياناً فعلا رجولياً، ويتقبله الوسط المحيط بحكم هذا المجتمع الذكوري، بدليل أصدقاء الشاب الذين انبهروا بأفعاله قبل الزواج هم نفسهم الذين صفقوا له ليلة الزواج دون لوم أو عتاب أوحتى تجريم من المجتمع لأفعال الرجل قبل الزواج، أما المرأة فيكون نصيبها وأهلها الخزي و العار وربما القتل في بعض المدن العربية وملفات جرائم الشرف كثيرة في أدراج السلطات الأمنية في معظم البلاد العربية.

الوجهان

يكون حديث كبار السن أو ذوي الأربعينات من العمر فيما بينهم عن أدق تفاصيل الجنس، نرى هؤلاء الأصحاب في المقاهي، وفي الأحياء الشعبية، وحتى في زوايا المساجد؛ كلامهم عما مارسوه في الليلة البارحة مع زوجاتهم، أو تجاربهم الجنسية، بشكل عام وبطريقة تنافسية في حين وفكاهية في حين آخر، يخوضون في مواضيع هذه اللذة ويرون في ذلك مثالاً للخبرة وبعض صفات القوة، لكن حين يأتي الفتى الصغير ليسترق السمع، يبدأ هذا العربي بنهره ويأمره بالابتعاد لإكمال حديث الكبار، وقد يضطر إلى ضربه لإخافته، فيتكون لديه فضولا حول ماهية ”مواضيع الكبار“ تلك التي دائما ما يخفونها، ومن هنا تبدأ حكاية العقدة بين المواطن العربي والجنس.

”وهناك عبارات يرددها الأباء دائما حينما يتجرأ طفل على سؤال في الجنس مثل، ”لما تكبر بتعرف“ أو ”اخرس… عيب السؤال هذا“، ”شوفي إبنك يا أم أحمد“، ”سامعة الولد ايش بقول؟“، ”دخلك بتعرف تخرس“. كلنا مرت علينا هذه العبارات، عندما نسأل من أين يأتون الأطفال على سبيل المثال، أو عند فتح أي موضوع يتعلق بالجنس من بعيد أو قريب.

فالأب العربي يمنع ابنائه من حتى مجرد التلميح عن الجنس، ويخفي قدر المستطاع أي شئ يوحي له، حتى القبلات في التلفاز يأمر بعدم النظر إليها، في حين يتلذذ هو بتلك المنظر. ومن يملكون النصيب الأكبر من حرية الفكر، ويعتبرون أنفسهم ”مثقفون“، فإنهم يغيرون المحطة، وهذا الأب نفسه الذي تكون جميع شتائمه ذات إيحاءات أو كلمات جنسية عند الغضب أمام أبنائه، وهو نفسه الذي يتحدث بأدق التفاصيل الجنسية مع أصدقائه، وهو نفسه الذي يمنع طفله الصغير أو المراهق من سماعها.

ومن هنا ندرك أن لدى مجتمعنا ازدواجية حول الأمور الجنسية، يتحدثون عنها، ويمنعون أطفالهم من تعلمها الصحيح، ويتوقون شوقا لممارستها، ويخفونها ويرهبون أطفالهم من الاقتراب منها شكلاً وموضوعاً. ولا يجيبون على أسئلة أطفالهم البريئة التي لا تفرق بين الجنس وأي موضوع آخر، ولكن الأباء من يبنون هذا الوهم والخيال في نفوس أطفالهم حول الجنس، ورسم هالة من الرعب حوله مما يثير فضولهم ويجعلهم يلجأون إلى أقرب صديق أو موقع أو مجلة للبحث عما كان مخفي عنهم.

لماذا؟

لدى مجتمعنا اعتقاد راسخ بأن الجنس عيب وخزي، وللتحدث فيه أو ممارسته هناك قواعد وقوانين بجب اتباعها، والسؤال المطروح هنا هو لماذا نعتبر في مجتمعنا أن الجنس عيب؟ أليس من طبيعي ممارسته؟ أليس من الضروري تعليمه؟ لماذا تلك القيود حوله؟ حاول عزيزي القارئ أن تسأل نفسك هذه الأسئلة، هل ستجد إجابات مقنعة؟

لو نظرنا إلى الموضوع من زاوية أخرى سنجد بأن التحدث عن الجنس في الكتب والمجلات وتعليمه للأطفال بشكل علمي متحضر يعكس وعياً إيجابياً على مجتمعنا، فلو كانت الصحف العربية تنشر مثلا شرحاً واضحا عن الجنس الآمن، وكيفية تجنب الأمراض المنقولة بالجنس بطريقة علمية صحيحة، وإذا تخيلنا أباً يتحدث مع ابنه بأريحية وبشكل طبيعي عن هذا الأمر شارحاً له كيفيته، ومضاره، ومنافعه، أو نصيحة تقدم للطفل مثلاً لتجنب أمور التحرش الجنسي، وتوعيته بأضرار هذا الامر جسدياً ونفسياً، سندرء عن أنفسنا مضاراً كثيرة قد تواجه أبناء هذا المجتمع.

وبذلك نرى أن التحدث عن الجنس بشكلٍ علميٍّ حضاريّ يزيل أولا الرهبة والشوائب المعششة في عقلية المجتمع ويبني مجتمعاً واعياً تجاه جانباً مهما في حياته.

بين الأديان والمجمتع

هنا تظهر عدة قضايا يجب التحدث عنها، أولها هي نظرة الأديان إلى الجنس بشكل عام، فالدين الاسلامي يفرض ممارسة الجنس تحت ظل منظومة الزواج، ويحث عليه أولاً لزيادة النسل، وثانياً لصب الشهوة الجنسية في إناء شرعي مباح، وتتجلى ذكورية الإسلام في أكثر من موضع بخصوص الجنس، فمثلا المرأة شرعا لا يجوز لها رفض طلب زوجها عند السرير، وقوامة الرجل على المرأة، ومن هنا يتضح مدى الذكورية، بل وللتأكيد أكثر نسأل السؤال بشكل عكسي، ما جزاء الرجل شرعًا إذا طلبته زوجته فرفض؟ لا إجابة لهذا السؤال في الموروث الإسلامي (قرآناً وسنة) مما يدل أنه يتحدث دائماً على حقوق الرجل وتلبية مطالبه، متجاهلاً احتياجات المرأة ومطالبها، مع أن الآثنين لهما نفس الاحتياجات الطبيعية.

السلطة الذكورية العربية

السلطة الذكورية العربية – صورة: Eleanor Doughty/Vice

أما في المسيحية، فالجنس يعتبر خطيئة قبل الزواج أو إن لم يكن بغرض التكاثر، وأهم الأمور في العلاقة الجنسية بين الزوجين في المسيحية هي رضا الطرفين، أما باقي الأديان كالبوذية والهندوسية أو اليهودية فلن أتطرق إلى تفاصيلها لعدم تواجدها في الشارع العربي، مع عدم توفر مصادر موثوقة للحديث عنها.

القضية الثانية هي ازدواجية المعايير في الحقل الجنسي والصراع الديني الخفي في دماغ المجتمع العربي، في الوضع الراهن تظل المبادئ والقوانين الجنسية ثابتة، وتظل حاملة بين طياتها إما السلوكيات الجنسية فهي تشذ أحياناً عن منظومة هذه المبادئ والقوانين، فنرى المواطن العربي يمارس الجنس قبل الزواج بشتى الطرق والأشكال مع ثبوت اعتقاده بأنها إثم وحرام، فتتجلى هناك علمنة صامتة عملية عند ممارسة الجنس في هذا المجتمع.

ثالث قضية هي ما أسميه تناقض المواطن العربي مع نفسه، فالمواطن العربي يريد الجنس وخوض تجاربه، ليس الجنس حصرًا، بل كل ما هو متعلق بالحرية في المواضيع التي أغلق عليها بباب عادات وتقاليد المجتمع وأسوار الدين.

يمارس العربي الكثير من خطاياه في الخفاء بحكم الدافع الداخلي، على رأسها الجنس أو شرب الكحول أو الشتم بنفس لغة الشارع التي يحرم عليه استخدامها في مجتمعه الراقي (وأقصد هنا أبناء الطبقات الاستقراطية)، ومع ذلك نجد أن أغلب أفراد المجتمع خانعون لما يطلبه المجتمع في الظاهر، ولا يظهرون تمردهم على تلك المنظومة المجتمعية، وذلك بحكم التربية والعادات والتقاليد، ولكن أغلبهم يرضون شهواتهم من تحت الطاولة، ويأكدون قبولهم لما يعتقدون من فوق الطاولة، فتظهر هنا ازدواجية المعايير في عقلية المواطن العربي.

قبولهم لما ينص عليه هذا المجتمع يكوّن غيرة خفية من باقي المجتمعات المتحررة، فعندما يرون انفتاح المجتمع الأوروبي أو الأمريكي مثلاً يبدأون بإهانة ما يرون، والتأكيد على جمال وأفضلية ما يعتقدون هم به، فعندما يتم نشر صورة لشاطئ في الولايات المتحدة تُظهر الملابس العارية التي يلبسونها، وأصناف البيرة والخمور حولهم، يبدأ العربي بالهجوم بقوله ”انظر كيف لا يغارون على نسائهم“ مثلاً، ثم يدافعون فوراً عما يعتقدون بقولهم ”الحمد لله على نعمة الإسلام“ وكل هذا الكلام يقال على صورة فقط لا تمسهم بسوء من قريب أو بعيد، فيثبتون بذلك تلك الغيرة الخفية على ما وصل إليه المجتمع الغربي من تصالح مع نفسه.

هذا المقال عبارة عن مقال رأي.

عدد القراءات: 28٬128