يُضمّن الفنانون مختلف الرموز والإشارات في لوحاتهم، وهكذا فإننا حين ننظر إلى لوحةٍ ما ونرى كلباً في إحدى الزوايا سنتسائل: ما الذي يعنيه؟ وهل رسمه الفنان ليكون له معنى ما أصلا أم لا؟
سيكون الجواب بالنسبة إلى لوحات العصور الوسطى وعصر النهضة: بالطبع إن له دلالة ومعنى، وعلى الرغم من أن هذه التفسيرات تختلف وتتغير –إذ قد يرمز الكلب للحكمة أو للجشع…– فإن هذه الاختلافات إنما تدّل على التاريخ الطويل والغني لرمزية الحيوان في الفن الغربي.
قام الفنانون الأوروبيون بتخصيص معانٍ عديدة للكثير من الحيوانات، إن كانت حيوانات حقيقية أو متخيلة وأسطوريّة، وفي القرن الثاني عشر قام باحثو العصور الوسطى بإضفاء الطابع الصوري على بعض القراءات عن طريق نشر كتاب «الحيوانات الرامزة» Bestiary، وهو دليل مصور قدّم التاريخ الطبيعي والرموز الأخلاقية لمجموعة واسعة من الكائنات.
وفي عصر النهضة قام العديد من الفنانين –ومن بينهم (ليوناردو دافنشي)– بوضع نسختهم الخاصة من الكتاب، ومن بعدهم وتحديداً في القرن السادس عشر في البندقية قام فنانو المنطقة بتعزيز هذا التقليد بما فيهم (تيتيان)، ليخلقوا أعمالاً تحتوي رمزية خاصة بهم، وهنا نستعرض مجموعة من هذه الرموز مع بعض الأعمال التي احتوتها.
القاقم:

ينتمي هذا الحيوان إلى جنس ابن عرس وهو من فصيلة العرسيات، ويستوطن أوراسيا وأمريكا الشمالية، ويعتبر من أصغر الحيوانات اللاحمة. يشتهر بتبديل فرائه بين فصلي الصيف والشتاء فيكون ذا لون بنيّ في فصل الصيف ليصبح أبيضاً في فصل الشتاء. تقول الأساطير الغربيّة إن تَلوّثَ أو تلف فراء هذا الكائن فسيؤدي ذلك لهلاكه، وهذا ما جعله يستخدم كرمز للنقاء والطهارة، وفي بعض الأحيان العدالة.
أدرج (ليوناردو دافشني) حيوان القاقم في إحدى لوحاته في القرن الخامس عشر، وهي اللوحة التي تصوّر (سيسيليا غيلراني) عشيقة دوق (ميلانو)، ويفسر الباحثون الأمر بمنحيين: أحدهما استخدام (دافنشي) للحيوان كإشارة إلى وسام الدوق الذي كان قد حصل عليه مؤخراً حينها، والتفسير الآخر هو أن تكون تلك إشارة خبيثة من قبل (دافنشي) إلى اسم العشيقة (غيلراني)، إذ أن اسمها يتشابه مع الكلمة اليونانية Galya والتي تترجم إلى «قاقم».
الكلب:

لم تكن الكلاب دوماً تصوّر كأفضل صديق للإنسان، فقد تنوعت الصفات التي حملتها الكلاب عبر العصور بداية بالعصور الوسطى وحتى عصر النهضة، فكان الكلب مثالاً لليقظة والإخلاص والحكمة أحياناً، وللغضب والفسق والجشع في أحيانٍ أخرى. واستخدم كذلك كرمز للفتنة النسائيّة.
قام (تيتيان) بتفسير الكلب المرسوم في لوحة (دافنشي) بعنوان «العشاء الأخير» كدلالة على خيانة يهوذا ليسوع.
بدأت حدة التفسيرات بالتقلص على امتداد عصر النهضة، إلى أن أصبحت الكلاب ترمز إلى الإخلاص فحسب، ويظهر ذلك في لوحة (جان فان إيك) التي تصوّر زوجين يقفان معاً وهناك كلب إلى جوارهما.
الأرنب:

تشتهر الأرانب بخصوبتها العالية ما جعلها تشكل رمزاً للشهوة.
وقد رافقت الأرانب (فينوس) آلهة الجمال والحب في العديد من اللوحات التي صورتها.
تزخر زوايا لوحات (تيتيان) بأزواجٍ من الأرانب والغزلان، وقد ساد في ذلك الوقت اعتقادٌ بأن وجود الأرانب عند أقدام مريم العذراء في اللوحات التي صورتها يمثّل انتصاراً على الرغبة الجنسيّة.
وهناك أيضاً الخرافة التي تقول بأن الأرانب قادرة على الإنجاب دون شريك، والتي أدت إلى ظهور رمزيّة أخرى تشير إلى العذراء خاصةً، وإلى العفة بشكل أعم.
طائر الحسّون:

وفقاً للأسطورة، فإن طائراً صغيراً (يختلف حسب الرواية من حسون إلى أبو الحناء) مرّ من فوق المسيح في طريقه للصلب، وقام بنزع شوكة من تاجه، فسقطت قطرة من دم المسيح على ريش الطائر، فصبغت بقعة باللون الأحمر وبقي هذا الطائر يحمل تلك العلامة المميزة، وإن هذه القصة بالإضافة إلى اشتهار الحسون بأكله للشوك، أدت إلى ربط الطائر بآلام المسيح.
على سبيل المثال هناك لوحة (رافييل) بعنوان «عذراء طائر الحسون» التي رسمها حوالي 1505-1506، حيث يظهر في اللوحة يوحنا المعمدان وهو يعرض الحسون أمام المسيح كدلالة مستقبلية على صلبه.
بشكل أعم، ظهرت الطيور كتمثيل للروح وذلك في الفن المسيحي، وقد جمع (فرانسيسكو دي غويا) في تصويره للطفل (مانويل أورسوريد مانريك دي زونيفا) مفهومين: فربط بين كون الطيور تمثل الروح وبين تفسير مجتمع (الباروك) للطيور المحتجزة في أقفاص بأنها تعبر عن البراءة –Baroque: أسلوب فني يعتمد على الزخرفة بشكل كبير ومبالغ فيه، وغالباً ما يكون متكلفاً، بدأ منذ اوائل القرن السابع عشر وامتد إلى منتصف القرن الثامن عشر–
القرد:

نظر المسيحيون في أوائل القرون الوسطى إلى القردة على أنها تجسيد للشيطان، إلا أن هذه الدلالة السلبية تلاشت في نهاية المطاف، إذ منذ أواسط القرون الوسطى وحتى عصر النهضة بدأ ينظر لهذه الحيوانات على أنها تجسيد للبشر، وعلى سبيل المثال فإن وجود قرد يحمل تفاحة يمثل سقوط الإنسان، والقرد المقيد يشير إلى البشر الذين يزخرون بالرغبات والأهواء الأرضيّة.
الببغاء:

ارتبط الببغاء بصفة الفصاحة وذلك بسبب قدرته العالية على تقليد أصوات البشر. أراد (هندريك مارتنز) أن ينقل هذا المعنى حين وضع ببغاءاً في لوحته التي تعود للقرن السابع عشر، تصوّر اللوحة رجلاً على الأرجح أنه داعية بروتستانتي وعالم لاهوت، على يمينه ببغاء وإلى يساره كلب، كرمزٍ على فصاحة وحكمة الداعيّة.
كان للبغاء كذلك دلالات دينيّة، وتحديداً كإشارة إلى الحبل بلا دنس، واعتبر استخدامه في بعض الأحيان إشارة إلى مريم العذراء. يصوّر عمل (لوكاس كراناخ الأكبر) الببغاء وهو يرفع قدمه أثناء تناوله الطعام ويشير ذلك إلى الحمل ”بمشيئة الله“ بدل الحمل ”بالطريقة الماديّة“، ويظهر الطائر أيضاً مواجهاً للوحة تصوّر العذراء وطفلها، ما يعزز ربطه بالأمومة المقدسة.
الطاووس:

عدّ هذا الطائر ذو الألوان الزاهية رمزاً للخلود، وكان ذلك تحديداً في الفن المسيحي. ينبع هذا الربط من معتقد قديم يدور حول كون لحم الطاووس لا يفسد ولا يتحلل أبداً.
يظهر الطاووس في العديد من اللوحات التي رسمت في عصر النهضة، خصوصاً تلك التي تصوّر ميلاد المسيح، كتذكير بقيامة المسيح وبالتالي الحياة الأبدية، يشتهر كذلك بمشيته التي توصف ”بالتبختر“ خصوصاً حينما يستعرض ذيله الملّون، ولهذا يرتبط الطاووس عادةً بالفخر والغرور، لكن هذه الدلالات كانت أقل انتشاراً في الفن الأوروبي في تلك الفترة.
الذئب:

يرمز الذئب إلى التعاطف والرحمة، وقد تم استخدام الذئاب كرموز للعديد من القديسين، منهم القديس (فرنسيس الأسيزي) الذي غالباً ما كان يظهر برفقة ذئب في اللوحات التي صورته.
الحصان الأبيض:

يرمز إلى النصر والفتح، وكذلك للخير والمناعة.
القط:

ترمز القطط للدهاء والغدر والخداع، وترتبط غالباً بالشياطين والسحر والسحرة.
الأسد:

يرمز إلى السلطة والقوة، بالإضافة للحكمة والقيادة والعنفوان. كما أن له معنى سلبي في بعض الأحيان فيشير إلى الاستبداد، ويمثل في الفن المسيحي ثنائيات مثل: يسوع المسيح والشيطان، وكذلك الملك الحكيم والطاغية.
أحادي القرن:

يرمز أحادي القرن إلى النقاء والانسجام، ويشير كذلك لقدوم الربيع، واعتبر في العصور الوسطى إشارةً إلى العفة والبراءة وساد الاعتقاد بأنه لا يمكن ترويض أحادي القرن إلا من قبل عذراء.
البجعة:

ترمز البجعة كذلك للنقاء، وكانت رمزاً للقديس (هيو من لينكون)، فقد كان هذا القديس عاشقاً للحيوانات، فرافقته بجعة وألفت صحبته أثناء رعايته للأشخاص المصابين بالجذام، وقد كانت تعمل على حمايته ومراقبته أثناء نومه.












