تطور

6 عيوب تطورية تراكمت لدينا نحن البشر، وأصبحت تشكل تحدياً كبيرا أمام صحتنا واستمرارنا اليوم

عسر وصعوبة الولادة
صورة: Magdalena Fischer

من مبادئ نظرية التطور والانتخاب الطبيعي أن البقاء دائما يكون من نصيب الأصلح، أي الأكثر تكيفا مع محيطه والتغيرات التي تطرأ عليه، وبما أننا نحن البشر قد صمدنا في وجه التغيرات التي طرأت على بيئتنا ومحيطنا لملايين السنين، فهذا يجعل منا جنسا قويا يستحق صفة ”الأصلح“، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، بل إنه معقد جدا، لأن التطور ليس آلة مبرمجة لا تصطفي وتنتقي إلا الصفات الإيجابية في الأنواع، بل إنه غالبا ما يلتقط صفات سلبية وعيوبا قد تحمل بين طياتها بذور انقراض ذلك النوع.

تقول (كارن روزنبرغ)، عالمة الآثار بشرية في جامعة (ديلاوار): ”أنا دائما ما أنوّه إلى هذا الموضوع في غالب الأوقات في المحاضرات التي ألقيها، وأتحدث حوله في الصفوف التي أقوم بتدريسها“، وتضيف: ”نحن نفكر ونعتقد بأن ’الأصلح‘ هنا تعني الأصلح في معنى سياق اللياقة البدنية، أو الذي بإمكانه الركض بعيدا، إلا أنه فيما يتعلق بالبيولوجيا التطورية فتعني كلمة ’الأصلح‘ أي الأنجح في التناسل، الذي بإمكانه تمرير جيناته إلى الأجيال اللاحقة“.

بصيغة أخرى، أنت بحاجة للبقاء حيا لمدة كافية يمكنك خلالها تمرير جيناتك إلى الجيل التالي من سلالتك.

من أجل تحقيق النجاح التناسلي، يلجأ الانتخاب الطبيعي أحيانا إلى القيام ببعض التنازلات، وكنتيجة لذلك تطورت لدينا نحن البشر بعض الخصائص التي تمثل تحديات كبيرة بالنسبة لصحتنا اليوم واستمرارنا، منها على سبيل المثال إصابات الظهر والولادة العسيرة.

في مقالنا هذا على موقعنا ”دخلك بتعرف“ جمعنا لك عزيزي القارئ ستة عيوب تطورية تراكمت لدينا نحن البشر على مدى تاريخنا التطوري:

1. ألم الظهر:

ألم الظهر

كانت ولادة أول أسلافنا الذين تمكنوا من السير على قدمين إنجازا عظيما في التاريخ البشري التطوري، فقد مكننا الوقوف منتصبين من التنقل على مسافات أطول، وحرر رؤوسنا لاستعمال الأدوات ونقل الغذاء، إلا أن هذا لم يكن مجانيا، فلكل ميزة ثمنها بالتأكيد.

بالنسبة لقرود الشمبانزي وبعض أقربائنا رباعيات الأطراف، يعمل العمود الفقري على شكل جسر تعليق، حيث يقول (جيريمي ديسيلفا)، وهو عالم آثار مستحثات بشرية في جامعة (دارتموث): ”…إلا أنك عندما تمسك هذا الهيكل المتوازن والمستقر أفقيا وتقوم بوضعه عموديا، فإنه يفقد استقراره وتوازنه“.

تعتبر أنسب طريقة لجعل هيكل العمود الفقري يعمل بشكل أفضل لدى كائن واقف عموديا هي من خلال تكدس مستقيم للفقرات، إلا أن ذلك قد يغلق قناة الولادة، وبما أنه من الواضح أنك تحتاج لإنجاب الأطفال حتى تستمر جيناتك وتبقى سلالتك، لذا فقد تعين على العمود الفقري البشري أن يتطور إلى ”الفوضى المتموجة“ التي هو عليها اليوم، وذلك من أجل إفساح المجال أمام صغارنا ”كبار الأدمغة“ ليولدوا ويمروا عبر قناة الولادة، وكان الثمن الذي دفعناه، ولازلنا ندفعه، لقاء ذلك هو آلام الظهر، وبعض الإصابات الشائعة كالانزلاقات الغضروفية.

2. لدينا أقدام غريبة الشكل:

لو تلقي نظرة إلى أكثر الأقدام الاصطناعية تطورا اليوم، فسترى أن هيئتها تشبه إلى حد كبير قدم النعامة، وهي لا تمت للقدم البشرية الحالية بصلة، لأن القدم البشرية هي غريبة الشكل نوعا ما.

يقول (ديسيلفا) في ذلك: ”لم يخلق البشر من العدم“، ويضيف: ”لقد ورثنا الكثير من الصفات الجسدية عن أسلافنا القردة العليا، وتمثل القدم في ذلك مثالا قمة في الروعة“.

عندما بدأنا المشي على قدمين اثنين، لم نعد في حاجة إلى الأقدام المرنة التي كان أسلافنا يحتاجون إليها من أجل تسلق الأشجار والتشبث بالأغصان. يقول (ديسيلفا) أنه ”بسبب كوننا نمشي على أقدام معدلة عن أقدام القردة التي بإمكانها الإلتفاف والاستدارة بسهولة تامة، فإننا نقوم بلوي كواحلنا بسهولة تامة، كما نصاب بآلام قصبة الساق أو مقدمها جراء المشي لمسافات طويلة نسبيا، وهذا ليس مجرد ظاهرة حديثة، فقد لاحظ العلماء الكثير من هذه الإصابات الشائعة على مستوى الأقدام في السجلات الأحفورية للإنسان“.

يضيف (ديسيلفا): ”لقد عمل الأمر بشكل جيد بما فيه الكفاية، وهذا كل ما قد تحتاجه في التطور، وقد كان ما استخلصناه كعاقبة لقدم جيدة بما فيه الكفاية هو علم ’طب الأرجل‘ تضاهي قيمته المليار دولار“.

3. عسر وصعوبة الولادة:

عسر وصعوبة الولادة

صورة: Magdalena Fischer

بالمقارنة مع القرود الأخرى، يختبر البشر ولادة وإنجابا صعبا للغاية، ويعزى السبب وراء ذلك بشكل كبير إلى كون الحوض البشري ضيقا جدا بالنسبة للرؤوس الكبيرة والأكتاف العريضة لأطفالنا.

تقول (روزنبرغ) في ذات الصدد: ”يشغل الحوض وظيفتين متعاكستين بالنسبة للبشر: فهو يسمح لنا بالمشي على قدمين اثنين، كما يسمح لنا بإنجاب أطفال ذوو أدمغة كبيرة“، وتضيف: ”يعتبر شكل الحوض الحالي وسيطا مرنا بين هاذين الأمرين السابق ذكرهما“.

إلا أن البشر قد أتوا بجواب ثقافي مهم لهذه المشكلة التي تتعلق بالولادة الطويلة والمؤلمة، فبينما تكون الولادة عبارة عن حدث فردي بالنسبة لجميع الثديات، فإن (روزنبرغ) وضحت بأن أمهات البشر دائما في حاجة إلى مساعدة مولّدة من الأقرباء، أو الأطباء.

في ورقة بحثية لها على المجلة البريطانية للتوليد وأمراض النساء، توضح (روزنبرغ) وزميلة لها تدعى (ويندا تريفاثان) أن الانتخاب الطبيعي قد يكون فضّل عملية اللجوء إلى المساعدة الخارجية فيما يتعلق بعملية الإنجاب. لم يكن هذا في الغالب قرار واعيا من طرف النساء الحوامل، بل أن البحث عن المساعدة خلال الإنجاب قد يكون مقادا من طرف الخوف، والقلق، والألم، لكن مع مرور الوقت، أدى هذا إلى انخفاض نسبة الوفيات في هذه العملية بشكل كبير.

4. يعاني الكثير منا من الأمراض العقلية:

اضطراب الوسواس القهري

صورة لـLouisa Billeter من فليكر

لم يتمكن الانتخاب الطبيعي من إزاحة بعض الحالات المؤذية على غرار انفصام الشخصية، والاكتآب، على الرغم من أن الكثير من هذه الاضطرابات على علاقة بانخفاض معدلات الإنجاب.

لكن بعض العلماء لديهم نظريات بأن أشقاء هؤلاء المضطربين عقليا من الأصحاء هم السبب في ذلك، ذلك أنهم قد يمررون تلك الطفرات إلى الأجيال اللاحقة منهم، مما يبقي على تلك الاضطرابات في حوض الجينات الخاص بنسلهم وسلالاتهم.

نظر بعض العلماء الآخرين إلى أصول الاضطرابات العقلية، مظهرين أن بعضها قد يكون على علاقة بالامتياز التطوري. على سبيل المثال، بينما قد تكون بعض أعراض الاكتآب منهكة بالنسبة لصاحبها، يقترح بعض الباحثين على أن تلك الحالة قد تزدهر فيها بعض الأساليب التحليلية للأفكار، التي قد تكون مبدعة ومنتجة بشكل كبير في حل المشاكل.

أظهر بحث آخر على أن جينات انفصام الشخصية قد ساعدت البشر على الوصول إلى الإدراك المعقّد.

5. نحن نعشق الوجبات السريعة:

هناك سبب جيد ووجيه لعدم قدرتنا على التخلي عن الوجبات والأطعمة السريعة والحلويات، فالسكر هو شكل أساسي من أشكال الطاقة، كما أن السكر الزائد يتم تخزينه على شكل دهون من أجل إعانتنا خلال الأوقات العصيبة (المجاعة على سبيل المثال).

قبل ظهور الزراعة والصناعة، وعندما كانت مصادر الغذاء ضئيلة أو لا تحتوي على قدر كبير من الطاقة، كان القليل من السكر أكثر من ضروري من أجل النجاة والبقاء.

أما الآن فإن ذلك السكر المعالج هو موجود بوفرة في المحلات التجارية، كما أصبح البشر يستهلكونه بشكل كبير جدا، وكنتيجة على ذلك أصبحنا نواجه مشاكل جمة تتعلق بالأمراض المرتبطة بالسمنة، وانتشار بعض الأمراض على غرار السكري، وارتفاع ضغط الدم.

يخبرنا عالم البيولوجيا التطورية (دانيال ليبرمان) في جامعة (هارفرد) في مقال ”رأي“ له على صحيفة الـ(نيويورك تايمز)، الذي كان قد نشر قبل بضع سنوات: ”لقد جنت صناعة الأغذية ثروات طائلة باستغلالها لكوننا نحمل أجسام العصور الحجرية التي تعشق السكر، ولكننا نعيش في عصر ’غزو الفضاء‘ الذي أصبح السكر فيه متاحا بوفرة ورخيص الثمن كذلك“ –وقد كان هذا الباحث يتحجج آنذاك بأن حظر عبوات الصودا كبيرة الحجم في مدينة (نيويورك) مفيد وقد يساعد على استعادة صحة المواطنين، لتصبح مثلما كانت عليه لدى أسلافنا الجامعين/الصيادين–.

6. أضراس العقل لدينا هي عبارة عن ألم بحت:

ألم أضراس العقل

ألم أضراس العقل

بعدما بدأ البشر في المشي بشكل معتدل على قدمين حدث لدينا تحول وتغير كبير آخر، حيث أصبحت أدمغتنا كبيرة جدا، ومن أجل استيعاب دماغ أكبر، كان على شكل وجوهنا أن يتغير كذلك، وكان يتعين على أفكاكنا أن تصبح أضيق.

إلا أنه بالنسبة للكثير من الناس، يعني هذا أن أضراس العقل لديهم، التي كانت ضرورية جدا في يوم من الأيام من أجل عملية المضغ، لم يصبح لها متسع من المكان لتظهر وتبرز من اللثة، لذا فقد أصبحت مغروزة ومضغوطة، والتي إذا لم يتم اقتلاعها ستصبح مصدر ألم شديد، كما قد تتسبب في التهابات كبيرة.

إلا أن الانتخاب الطبيعي مازال يشتغل: فقد اتشرت مؤخرا طفرة جينية بين بعض البشر توقف نمو أضراس العقل، وأصبح الكثير منهم اليوم يولدون من دون أضراس عقل تماما.

المصادر

عدد القراءات: 3٬437