علوم

الطباعة الحيوية… طباعة البشر

الطباعة الحيوية

لصنع وحشه المرعب، احتاج د. فكتور فرانكنشتاين إلى أجزاء بشرية، وكما نعلم، فإن التبرع بالأعضاء لم يكن متاحاً حينها ولم يُصبح قانونيا إلا بعد مرور 135 سنة بعدها، لذلك قام طبيبنا بزيارات متكررة للمقابر وغرف التشريح والمذابح، حيث قام بجمع الأعضاء كقطع أحجية ليظهر لنا ما يشبه الغول.

وبالمقابل فإن فرانكنشتاين العصري لن يحتاج إلى سرقة القبور لصناعته وحشه، وفي الحقيقية، لن يحتاج أصلا إلى وجود جثة، ويمكننا الجزم أنه سيستعمل جديد التكنولوجيا المتطورة والتي أصبحت تكتسح العالم والمعروفة باسم ”الطباعة الحيوية“، كونها تسمح للعلماء والباحثين الطبيين بطباعة الأعضاء طباعة ثلاثية الأبعاد باستخدام أجهزة المسح والطباعة اعتمادا على نماذج لبناء هذه الأعضاء تحت الطلب.

قلب اصطناعي

”قد يكون القلب هو العضو الأسهل للطباعة الحيوية“—حسب تصريح رئيس معهد القلب والاوعية Stuart K. Williams – الصورة لـHealthyEve من فليكر

لصناعة عضو تحت الطلب، يقوم المُصنّع بملء الطابعة بنوع من المواد (في الغالب مواد بلاستيكية) ويستخدم نموذجا ثلاثي الأبعاد للعضو، ثم يضغط على زر الطباعة فيبدأ الجهاز بتسخين البلاستيك حد الإنصهار ثم يقوم بإسالته على شكل التصميم المطلوب وبعد أن يبرد ويتصلب، تقوم الطابعة بتكرار العملية مرة ثانية وثالثة إلى أن ينتهي التصميم، وتسمى هذه العملية بـ”التصنيع بالإضافة“.

هذه العملية ليست حكرا على مادة البلاستيك بل يُمكن استخدام مساحيق معينة يتم مزجها باستخدام الغراء أو بتعريضها للحرارة المرتفعة لتندمج الذرات. هناك بعض المصنعين الذين يُفضلون استخدام مواد غذائية مثل الجبن والشوكولا لصُنع منحوتات قابلة للأكل، بينما يُفضل البعض الآخر—النسخ الحديثة من طبيبنا فرانكنشتاين—استخدام أنسجة حية حيث يقومون بتصفيفها في طبقات ووضعها في بيئة ملائمة للحصول على أعضاء اصطناعية تُشبه في وظائفها الأعضاء الأصلية.

حلوى مطبوعة قابلة للاكل

تم طباعة هذه الحلوى القابلة للأكل في جامعة Dublin City – صورة لـcyrusmekon من فليكر

فالتقنية المستخدمة لصناعة اللعب هي نفسها المستخدمة في طباعة الأعضاء الحيوية مثل الكبد والأذن وصولا إلى العظام، لكن بطبيعة الحال فطباعة لعبة سيارة ليس كطباعة قلب بشري قادر على الإنقباض والنبض تماما كالعضو الحقيقي، لأن هذا الأخير يحتوي على شبكة معقدة من الخلايا والأنسجة مرتبة وفق نظام معين يسمح للعضو بالعمل. لقد قام العلماء بإنتاج نماذج أولية باستخدام هذه التقنية ويقومون بتحسينها مرة بعد مرة أملا في أن تُصبح جاهزة للنقل والزراعة للمرضى.

ظهرت المبادرات الأولى لصناعة هذا النوع من الطابعات سنة 1983 عندما قام تشارلز هول باختراع الستيريوليثوغرافي أو طباعة النماذج طبقة تلو أخرى، ثم تبلورت الفكرة على يد المهندسين الذين أدخلوا التصاميم إلى الآلات باستخدام برنامج CAD المعروف.

في البداية لم تكن المواد المستخدمة تتحمل الصمود لمدة طويلة، لذلك لم تكن تستخدم سوى في طباعة النماذج النهائية (قطعة من سيارة مثلا) والتي يتم تجميعها باستخدام الطرق التقليدية، في عملية يُطلق عليها ”النمذجة السريعة“.

مع نهاية القرن العشرين تم استخدام المواد النانوية مخلوطة بالمواد البلاستيكية ومساحيق معدنية، لأنها تتحمل الظروف بشكل أفضل من سابقاتها، ما يعني إمكانية استخدامها في صناعة أغراض قوية في المنتج النهائي وليس فقط في النماذج.

الطباعة ثلاثية الابعاد

استخدامات اخرى للطباعة ثلاثية الابعاد

لم يدم الأمر طويلا قبل أن يبدأ الوسط الطبي باستخدام هذه التقنيات بعد أن لاحظ الأطباء أن الأعضاء البشرية أيضا لها طول وعرض وارتفاع، فكان السؤال: هل يُمكن طباعة عضو يحاكي العضو البشري؟ لم يكن الأمر مستحيلا لكن العائق الأساسي كان في إيجاد مادة حية يُمكن استعمالها كحبر للطابعة بدل البلاستيك.

بدأ العلماء بالبحث عن هذه المادة وبعد عدة محاولات توصلوا في نهاية التسعينات إلى جعل حلم الطابعة حقيقة، حيث قام علماء معهد غابة واك سنة 1999 بطباعة مثانة بشرية باستخدام خلايا من جسم المريض المراد إجراء النقل له، وفي سنة 2002 قام العلماء بطباعة كلية قادرة على تصفية الدم و إنتاج البول وتمت زراعتها في جسم أحد حيوانات التجارب، لكن القفزة النوعية كانت خلال سنة 2010 حيث تمت طباعة أول وعاء دموي مصنع بالكامل في معمل تابع لشركة في منطقة سان دييغو بالولايات المتحدة الأمريكية.

الطباعة الحيوية ليست بالأمر السهل فكل عضو يحتوي على أكثر من نوع من الخلايا، والصعوبة تكمن في إبقاء هذه الخلايا حية وذلك بتزويدها بالأكسيجين والغذاء المتمثل في جرعات من الجلوكوز، لذلك فنحن نحتاج إلى نوع خاص من الطابعات تستعمل آلية مختلفة عن تلك الموجودة في الطابعات الثلاثية الأبعاد الأخرى.

هذا النوع من الطابعات لن تجده على موقع أمازون مثلا، لكنها متوفرة في معاهد الجامعات الطبية الكبرى مثل تلك التابعة لجامعة هارفرد أو المعاهد المتخصصة مثل معهد سانفورد للطب الإحيائي.

تتشابه الطابعة الحيوية والطابعة ثلاثية الأبعاد في العديد من الأجزاء:

طابعة حيوية

طابعة حيوية موجودة في مركز Shiley لجراحة العظام في مدينة La Jolla في كاليوفورنيا – صورة لـSandy Huffaker

1. رأس الطابعة المتحرك: حيث يتحرك الرأس على المحور السيني (س) أو ما يعرف بالمحور الأفقي للعمل، حيث يتحرك يمينا ويسارا على هذا المحور.

2. المصعد: حيث يقوم هذا الجزء برفع رأس الطابعة على المحور الرأسي أو ما يعرف بالمحور العيني (ع) فيحرك الرأس للأعلى و للأسفل مما يؤدي إلى ترسيب الطبقات بعضها فوق بعض في العضو المراد طباعته.

3. المنصة: وتشبه الرف حيث تتم طباعة العضو عليه،حيث يتكون من سطح أفقي إحيائي في الطابعات الحيوية، بمحرك صغير يحركها في الإتجاه الصادي (ص) العمودي.

4. المخزن: يحتوي على الخلايا الحية والأنسجة التي يتم استخدامها في الطباعة.

5. المضخة: تقوم بضخ المادة الحيوية إلى رأس الطابعة المتحرك.

6. الحساس الثلاثي: ويتتبع الحركة على المحاور الثلاثة باستخدام تطبيق للتحقق من دقة النتائج.

7. الجل الحيوي ”المايكروجيل“: وهو ما يميز الطابعة الحيوية، حيث أنها تستخدم نسيجا حيا يحتاج إلى غذاء وأكسيجين لإبقائه على الحياة، ويمكن إضافته للخلايا الحية في المخزن أو خلال الطباعة باستخدام مضخة أخرى.

8. الحبر الحيوي: وهو النسيج الحي الذي يتم استخدامه في عملية الطباعة، ويكون مختلفا حسب نوع العضو مثل الخلايا الكبدية لطباعة الكبد، دون أن ننسى أهمية إضافة الخلايا المساعدة لخلايا الكبد.

يمكن للعلماء استخدام حبر حيوي مصنوع من خلايا جذعية لتعويض خلايا العضو المرغوب خلال الطباعة، لكن هذه الطريقة لازالت قيد التجربة وعند نجاحها ستحقق ثورة علمية في هذا المجال.

هناك مشكلة أخرى تعترض الطباعة الحيوية وهي إيجاد كيفية لطباعة أعضاء محددة لأشخاص معينين، ولإيجاد حل لهذه المشكلة يحتاج العلماء إلى إجراء بحث حول العضو المراد طباعته من حيث شكله وحجمه وموقعه في جسم المريض، ثم التأكد من أن العضو المطبوع يُوافق جينيا جسم المريض لتقليل احتمالية رفضه بعد الزرع.

لا تحتاج الأعضاء كلها إلى هذه الإجراءات المعقدة، ففي حالة المثانة يتم استخدام البوليمر القابل للإنصهار أو الكولاجين لطباعة نموذج مشابه للعضو الأصلي بعد تحديد أبعاده الأصلية في جسم المريض باستخدام الرنين المغناطيسي أو التصوير الطبقي المحوري. بعد ذلك يتم اخذ عينة من النسيج الحي ليتم زراعتها وتنميتها حتى تصبح كافية لتغطية العضو المصنوع من البوليمر حيث يتم استخدام القطارة النانوية لوضع كل خلية في مكانها الطبيعي، بعد ذلك تأتي مرحلة زرع العضو المصنوع في جسم المريض وبعد فترة يبدأ البوليمر أو الكولاجين في التحلل.

أخصائي تقويم العظام الدكتور Darryl D'Lima

أخصائي تقويم العظام الدكتور Darryl D’Lima وهو يعمل على تطوير ابحاثه حول طباعة الاجزاء الغضروفية – صورة لـSandy Huffaker

تعتبر طباعة المثانة مسألة بسيطة لأنها تتكون من نوعين فقط من الخلايا، أما بالنسبة للأعضاء المعقدة مثل الكبد والكلية فمن الصعوبة تحديد مكان كل خلية بسبب كثرتها وتنوعها في هذه الأعضاء.

بالرغم من أن مثل هذه العمليات تعتبر حديثة العهد إلا أنها سجلت حالات ناجحة في طباعة أجزاء الهيكل العظمي وفي ميدان طب الأسنان حيث يستخدمها الأطباء في صناعة أسنان اصطناعية خاصة بكل مريض، كما أن صناعة الأطراف الصناعة استفادت أيضا من هذا التقدم العلمي حيث أن الطابعة الحيوية مكّنت من صناعة أطراف محاكية للأطراف الأصلية ما جعلها أكثر ملائمة وأكثر راحة للمستخدمين، دون أن ننسى طباعة بعض الأعضاء الهلامية مثل الأذن وجسر الأنف والتي يتم استخدامها لأغراض تجميلية اعتمادا على برنامج CAD. لكن تبقى طباعة الجلد على رأس قائمة الأولويات في مجال الطباعة الحيوية ولهذا قام علماء في معهد غابة واك بإرساء نظام يعمل على طباعة الجلد البشري لأغراض تجميلية يستفيد منه ضحايا الحروق والجروح البليغة.

ربما سيتمكن أحد العلماء يوما من صناعة طابعة حيوية تكون متوفرة للعموم ليقوم فكتور فرانكنشتاين جديد بطباعة جميع الأعضاء الضرورية لصناعة إنسان سايبورغ، لكن وحتى ذلك الوقت تبقى المشكلة الأساسية أمام الطابعة الحيوية متعلقة بصناعة جهاز عصبي حيث أن أفضل الفحوصات والماسحات والخلايا لم تتمكن لحد الآن من إعادة تشكيل الأحلام والأفكار الموجودة بالدماغ، لتبقى جهود العلماء مقتصرة على طباعة أعضاء متفرقة دون الوصول إلى التحكم فيها جميعا.

المصادر

عدد القراءات: 496