in

ما الذي جعل ثلث تعداد الخنازير في الصين يختفي؟

الخنازير الصينية

خلال أسبوع واحد كل سنة، تزدحم محطات القطارات الصينية، والحافلات، والطرقات، والمطارات وتكتظ بالمسافرين فيما يعرف بأكبر هجرة بشرية على الأرض، وهي التي يسببها رأس السنة الصينية، حيث يعود ما يقارب 400 مليون شخص صيني إلى منازلهم وعائلاتهم.

على وجه المقارنة، يشهد عيد الشكر في الولايات المتحدة تنقّل 50 مليون مسافر عودة إلى منازلهم، ويشهد عيد (كومب ميلا) في الهند تنقل ما يقارب 30 مليون مسافر.

الاكتظاظ في محطات القطار الصينية.
الاكتظاظ في محطات القطار الصينية أيام الأعياد.

وبدلاً من أن تمنح عمالها منحة سنوية أو عطلة مدفوعة الأجر، تغلق المصانع والشركات الصينية تماما لمدة أسبوعين في السنة: أولا في أسبوع السنة الجديدة القمرية، والأسبوع الذي يتضمن اليوم الوطني الصيني، وفي هذين الأسبوعين تخضع شبكة النقل الصينية، التي بالمناسبة على مستوى عالمي، لاختبار صعب جداً.

يتم تعليق الكثير من الرسوم العالية جدا التي يشتهر بها البلد من أجل محاولة ثني الناس عن قيادة السيارات في هذا الوقت من السنة، مما يخلق ازدحامات مرورية يصل طولها لأربعين 40 كيلومتراً، كما تنفذ تذاكر القطارات والطائرات في غضون دقائق معدودة، فترتفع الأسعار بنفس السرعة، ثم تبدأ الاحتفالات.

أظرفة العيد الصينية الحمراء

يتلقى الأطفال في هذا العيد أظرفة حمراء مملوءة بالنقود، ويتم حرق البخور تخليدا لذكرى الأسلاف، وتضيء المفرقعات والألعاب النارية السماء.

في سنة 2019، احتُفل بسنة الخنزير بواسطة تماثيل هائلة الحجم في المراكز التجارية، والاستعراضات التي ملأت الطرقات والشوارع، والألواح الإعلانية، وفي هونغ كونغ، احتفل الناس بشماريخ وألعاب نارية رؤوسها تحاكي رؤوس الخنازير، وكان الشيء الوحيد الناقص في هذه الاحتفالات هو الخنازير نفسها.

أين ذهبت الخنازير الصينية؟

خلال السنتين الماضيتين، نفق ثلث أعداد الخنازير في الصين فيما يعرف بأكبر تفشي للأمراض بين الحيوانات يشهده العالم، مما تسبب في ارتفاع أسعار لحم الخنزير لأكثر من الضعف.

مزارع الخنازير الصينية

الآن، قد يعتبر فقدان مصدر غذاء بهذا الحجم كارثيا في أي مكان في العالم، لكن بالنسبة لأكبر دولة مستهلكة للحوم الخنزير في العالم، والتي تقبع تحت إدارة حكومة تتوقف قوتها على قدرتها في رفع معايير المعيشة خلال حرب تجارية مع دولة أخرى تغذي حاجياتها من لحوم الخنازير، فإنها كارثة يعتبرها البعض أكثر خطورة على حكومة بيكين من الانتخابات الرئاسية التايوانية، ومن حظر شركة (واوي)، وحتى من مظاهرات هونغ كونغ المستمرة.

تمثل الخنازير حيوانات المزرعة المثالية، فتربيتها لا تتطلب مساحة كبيرة، وهي تلد حوالي 12 خنّوصاً مرتين في السنة، وهي تأكل كل شيء تقريباً، ولهذا السبب، كانت لحومها مهمة منذ زمن بعيد في الحمية الغذائية الصينية، لكن هذا ليس للسبب الذي قد تعتقده.

كان (ماو تسيدونغ) يصف الخنازير على أنها: ”مصانع مخصّبة تمشي على أربعة قوائم“، وكان يأمر بأن يتم إطعامها ببقايا طعام العائلات من أجل أن تنتج فضلات تحتوي على قدر كبير من المغذيات، التي ستؤدي بدورها إلى إنتاج حبوب تتضمن أكبر قدر من المغذيات.

لكن بينما كانت تقريباً كل عائلة في الصين تملك الخنازير، فإن أكل لحومها كان يعتبر رفاهية يتم ادخارها للأعياد مثل عيد رأس السنة.

الخنازير في الحمية الغذائية الصينية

اليوم مازال لحم الخنزير يعتبر رفاهية، لكنها رفاهية أصبح كل واحد يتوقع الاستمتاع بها بين الحين والآخر.

تستهلك الصين حوالي نصف لحوم الخنازير التي ينتجها العالم، وهذا ليس راجعاً للتعداد السكاني الكبير للشعب الصيني مثلما قد تتوقعه عزيزي القارئ. على الصعيد الفردي، تستهلك كل من الصين وهونغ كونغ و(ماكاو) حوالي نصف إنتاج لحم الخنزير في العالم، وهذا على الرغم من إجمالي الناتج الفردي للمواطن الصيني الذي يقدر بـ16.807 دولار، مقارنة بالناتج الفردي للمواطن الأوروبي الذي يبلغ 41.091 دولارًا.

يمثل لحم الخنزير ثلثي اللحم المستهلك في الصين، حيث تحتل لحوم الدواجن 21 في المائة من اجمالي استهلاك اللحوم، بينما تمثل لحوم الأبقار 8 في المائة من الحمية، ولحوم الخراف 5 في المائة، لكن حتى هذه الأرقام غير كفيلة لوحدها بتفسير هوس الشعب الصيني بالخنازير.

نسبة استهلاك مختلف أنواع اللحوم في الصين. يمكنك ملاحظة التفوق الكبير للحوم الخنازير على بقية الأنواع.
نسبة استهلاك مختلف أنواع اللحوم في الصين. يمكنك ملاحظة التفوق الكبير للحوم الخنازير على بقية الأنواع.

عبر معظم الأراضي الصينية، يعتبر لحم الخنزير مكوناً أساسياً في جميع الأطباق تقريباً، نذكر على سبيل المثال طبق (ديم سم)، والعجينة الكروية المسلوقة، والأرز، والمعكرونة، والحساء، وحتى التحلية أحياناً تحتوي على لحم الخنزير، سواء كان هذا المكون مذكورا في قائمة الطعام أم لا، فقد تجده في طبقك في جميع الأحوال.

أطباق صينية

في اللغة الصينية، تعني كلمة Ròu اللحم، وهي حرفياً تعني ”لحم الخنزير“، ومن أجل ذكر أنواع اللحوم الأخرى عليك بتحديدها على الوجه الخصوص، مثل الأبقار التي تسمى بالصينية (نيا) Niú ومنه يسمى لحم الأبقار Niú Ròu، كما تحتوي الكلمة التي تعبر في اللغة الصينية عن العائلة أو المنزل على محرف يعني السقف وتحته كلمة خنزير. كل هذا لقول بأن لحم الخنزير يتعدى مجرد كونه وجبة في نظر الشعب الصيني، فهو متأصل في ثقافته.

كلمة منزل في اللغة الصينية

لهذا مثّل تفشي داء حمى الخنازير الإفريقية في الصين مشكلة كبيرة جدًا، والنبأ السعيد هو أن هذا الفيروس لا يشكل تهديدا على البشر، أما النبأ السيئ هو أنه بشكل أساسي بمثابة إيبولا الخنازير، والفرق بينه وبين الإيبولا الفعلية هو أن هذه الأخيرة لا تنتقل عبر الهواء، ولا يبقى فيروسها نشيطا إلا لبضعة أيام في درجة حرارة تعادل درجة حرارة الغرفة، ولا تتعدى نسبة الإماتة لديه 50 في المائة، بينما تنتشر حمى الخنازير الإفريقية مثل النار في الهشيم، حيث تتواجد في سوائل الجسم وأنسجته، وتختبر ضحاياه أعراضا مثل القيء، وارتفاع درجات الحرارة، وصعوبة التنفس، ولدى بعض الأنواع من هذه الحمى معدل إماتة يقدر بمائة في المائة.

لكن الموت لا يوقف انتشار الفيروس، حيث يعيش هذا الأخير في فضلات ضحاياه وبولها لمدة أيام، كما قد ينتشر عبر الذباب، والحشرات الأخرى، ومعدات العربات، أو حتى الملابس، ولأنه لا يتوفر أي لقاح مضاد له، فإنه يتعين في هذه الحالة قتل ودفن كل حيوان يتأثر به.

بحلول سنة 2019، كان هذا الفيروس قد وصل لفيتنام، وكمبوديا، ومنغوليا، وكوريا الشمالية، وهونغ كونغ، وكل مقاطعة من مقاطعات الصين. تقدر الموارد الرسمية في الصين بأن الدولة تكبدت خسائر تقدر بـ140 مليار دولار جراء نفوق ثلث الخنازير في البلد، وربع الخنازير في العالم، هذا على الرغم من أن هذه الأرقام قد لا تكون دقيقة، لأن دعم الحكومات للمزارع المتضررة كان دون أسعار السوق الفعلية، كما أن كلا من الحكومات المحلية والمزارعين مجبرون على إخفاء حجم تفشي الفيروس الفعلي وكذا التخفيف منه في تقاريرهم. بغض النظر عن هذا، لا تملك الحكومة المركزية بكل بساطة أي خيارات أخرى.

تدّخر الكثير من الدول مؤنا معينة في حالة الضرورة القصوى أو حالة الكوارث، وغالبا ما تكون هذه المؤن من المواد التي تستهلكها شعوبها بكثرة، حيث تدخر كندا على سبيل المثال شراب القيقب، بينما تحتفظ الولايات المتحدة الأمريكية باحتياطي وطني للبترول، أما الصين، فمنذ سنة 2008 أصبحت تحتفظ باحتياطي لحوم الخنزير الاستراتيجي، الذي يتشكل من خنازير حية في مزارع خاصة وعشرات المخازن المشددة الحراسة حيث يتم تجميد لحوم الخنازير وحفظها.

ادخار الصين لاحتياطي وطني من الخنازير ولحومها

عندما ترتفع أسعار لحوم الخنازير، وينخفض العرض، أو في حالة الأيام التي تسبق أيام الأعياد، تطرح الحكومة بعضاً من مخزونها من هذه اللحوم في الأسواق للتخفيف من وطأة الأزمة.

يبقى سرا حجم لحوم الخنزير التي تحتفظ بها الحكومة الصينية كاحتياطي وطني، لكن التقديرات تشير إلى أنه عند حدود 200 ألف طن، وهو ما يعتبر ضئيلا جدا مقارنة بالاستهلاك السنوي الوطني من هذه المادة الذي يصل إلى 50 مليون طن، وهو ما قد لا يشكل أدنى فارق عند حدوث أزمة بهذا الحجم.

في سبيل مواجهة هذا التحدي، رفعت الحكومة الصينية حظر الاستيراد، وحاولت تهجين خنازير ضخمة الحجم، بينما لجأت بعض المطاعم إلى الطهو باستخدام لحوم الكلاب أو الأرانب.

لا يمثل التهاب أسعار لحوم الخنازير مشكلة اقتصادية فقط بالنسبة للعاصمة بكين، بل مشكلة سياسية أيضا، حيث يمثل تناول لحم الخنزير لفئة المسنين من الشعب الصيني مذكّراً جميلاً عن مدى التقدم والتطور الذي أحرزه البلد، أما عندما يكون لحم الخنزير غير متوفر أو باهظ الثمن، فإن هذا يوقظ فيهم ذكريات سوداوية عن أيام المجاعة التي ضربت البلد.

وبما أن وسائل الإعلام العالمية تركز على قصص مثل مظاهرات واحتجاجات هونغ كونغ، فإنه من السهل نسيان أن القتال من أجل الديمقراطية هو امتياز لا يملكه إلا من يعيش في ظروف جيدة نسبياً، أما بالنسبة للملايين من الصينيين، فإن الأولية الأولى هي توفير الغذاء لهم ولذويهم، ويمثل فقدانهم لمصدر البروتين المفضل لديهم أكثر من مجرد مشكلة.

وقد يستغرق الأمر من الصين سنوات حتى تتعافى أعداد الخنازير فيها وتعود إلى سابق عهدها. في المستقبل، يتوقع من الصين تحويل الكثير من مزارع تربية الخنازير إلى مصانع ضخمة بمعايير صناعية حديثة، مما يعطيها تحكما وسيطرة مباشرة أكثر على العمليات الإنتاجية والإدارية.

ومن هذه الأزمة، تمخض بصيص أمل إيجابي في أفق الصين، حيث منحتها فرصة لتقبل اللحوم الاصطناعية الأكثر استدامة.

اليوم، لا يمثل النباتيون في الشعب الصيني نسبة أكبر من 2 في المائة، ونسبة جيدة باعتبار أن تناول اللحم يمثل جزءا كبيراً من الحياة والثقافة الصينية، مثله مثل الشاي، الذي بدأ يتراجع تفضيله هو الآخر بفضل انتشار سلاسل المقاهي الغربية التي تقدم القهوة مثل (ستاربكس).

كما خلص استبيان شمل 30 دولة إلى أن 73 في المائة من الصينيين عبروا عن استعدادهم لتناول بدائل نباتية عن اللحوم، وهو ما يعتبر نسبة أعلى من أية دولة أخرى، بما في ذلك الهند، كما أصدرت وزارة الصحة الصينية دليلاً في سنة 2016 ينصح الناس بخفض استهلاكهم من اللحوم إلى النصف بحلول سنة 2020.

لا أحد يتوقع من الصين أن تصبح رائدة في مجال اللحوم الاصطناعية النباتية، لكنها لها تاريخ في إحداث المفاجآت، فقبل عشرين سنة من الآن، لم يكن أحد يتوقع كذلك منها أن تكون عاصمة السيارات الكهربائية في العالم، أو أن تبني أكبر شبكة للقطارات السريعة في العالم —في الواقع أكبر من جميع شبكات القطارات السريعة في العالم مجتمعة—، وها هي ذا، بنموذجها المستبد خاضت تقدماً تكنولوجيا إعجازيا في ظروف قياسية.