معلومات عامة

لماذا لا يتقاضى العمال كامل سعر منتجاتهم؟

إن كنت تمتلك صديقاً يسارياً متطرفاً يميل للشيوعية، فعلى الأغلب أنك سمعت منه عشرات المحاضرات عن الرأسمالية القذرة وجشع الأغنياء وكيف أن العمال يتم ظلمهم حيث لا تدفع لهم أجورهم المستحقة والتي يجب أن توازي قيمة المنتجات التي ينتجونها.

بطبيعة الحال فظلم العمال وجشع الأغنياء ليس شيئاً جديداً وليس بالشيء الممكن إنكاره، لكن قبل أن نتعجل بالقول أن العمال حقاً يستحقون كامل قيمة ما ينتجونه يجب البحث بشكل أكثر جدية بالموضوع، فالعمال على الرغم من كونهم غالباً يتقاضون أقل مما يستحقونه فالفهم الخاطئ لطريقة عمل الاقتصاد والتجارة هو الذي ينتج أفكار ملكية العمال الكاملة لوسائل الإنتاج واستحقاقهم لكامل الأرباح.

هنا سأناقش بعض الأفكار والمفاهيم الأساسية التي ربما تساعد في توضيح الأمر بشكل أكبر، علماً أنني بطبيعة الحال لا أدافع عن الرأسمالية مع كوني أصنف ضمن النصف السفلي من الطبقات الاقتصادية حتى في مجتمعي.

مبدأ العرض والطلب:

يعد مبدأ العرض والطلب واحداً من أهم أسس التجارة وهو موجود منذ بداية التاريخ ومنذ بدأ البشر بأول المهن على الإطلاق، فالتجارة دائماً ما تعتمد على كمية البضاعة المتاحة ومستوى الطلب عليها، ففي حال كان العرض أكبر من الطلب ستنخفض مبيعات التاجر بشكل يهدده بالخسارة، مما يجبره على تخفيض الأسعار لزيادة الطلب على البضاعة المعروضة (سواء كانت منتجاً أو خدمة أو ملكية).

عندما يكون العرض صغيراً والطلب كبيراً بالمقابل ترتفع الأسعار بشكل كبير، فالذهب مثلاً والذي لا يمتلك أي قيمة عملية للأشخاص العاديين (باستثناء تطبيقاته الصناعية) مرتفع الثمن بشدة لكونه مرغوباً لصناعة الحلي عموماً، والعرض عليه محدود بشكل كبير نظراً لكونه معدناً نادراً.

أين يتوزع ثمن السلع:

عند بيع أي سلعة فالمال المدفوع لقائها يتوزع على العديد من الأشخاص بسبب تعقيد طريقة البيع الحديثة، فبينما تعود الأرباح بالكامل للحرفي الذي يعمل في ورشته الخاصة مثلا فهي تتوزع على العديدين عندما يصبح الأمر على مستوى شركات كبرى وخطوط إنتاج وتوزيع، هذه الأرباح تتوزع عموماً على فئات أساسية أهمها:

– المواد الأولية

أي سلعة سواء كانت خدمة أو منتجاً يتم تقديمه على نطاق واسع تحتاج إلى مكونات أساسية أو مواد أولية لإنتاجها وتقديمها أصلاً، هذه المواد عادة ما تكون أرخص بكثير من السلعة المنتجة لكنها تبقاً جزئاً مهماً من السعر.

– الحملات الإعلانية

لا تحتاج الورشات الصغيرة للإعلانات عادة كونها تعتمد على الزبائن المحليين عادة ولا تعاني من وجود منافسين كثر لها، لكن عندما يصبح الأمر على مستوى الشركات فالإعلانات جزء أساسي من خطة العمل حيث تنفق الشركات الكبرى مثل Apple وGoogle وSamsung بلايين الدولارات سنوياً لتسويق منتجاتها للزبائن، مع كون مجالات العمل تنافسية بشكل كبير وعدم وجود زبائن دائمين يمكن الاعتماد عليهم دون الإعلان، فأي منتج تقريباً يتضمن سعره نسبة للإعلانات قد تصل حتى 20% أو أكثر من السعر الكلي.

– أجور النقل

تعتمد الشركات الكبرى على مصانع متعددة غالباً ما تكون بعيدة عن الأسواق المستهدفة كما أن الأسواق بحد ذاتها غالباً ما تكون منتشرة على رقع جغرافية واسعة قد تصل إلى جميع أنحاء العالم، كما الحال بالنسبة للشركات الكبرى. هذا الانتشار الواسع يتطلب أساطيل من الشاحنات والطائرات والسفن لنقل البضائع مع تكاليف كبيرة لهذه العملية، سواء كانت تتم من قبل أقسام تابعة للشركة نفسها أو من شركات نقل مستقلة حتى.

– تكاليف البيع بالتجزئة

مع تسويق الشركات لمنتجاتها بمناطق كبيرة حول العالم أو حتى ضمن البلد نفسه، فهي بحاجة لموزعين مستقلين ووكلاء يقومون بتحصيل جزء من الأرباح مقابل خدماتهم أو أن تقيم سلاسل كبيرة من المتاجر التابعة لها كما تفعل كل من Apple وSamsung التي تمتلك كل منهما آلاف المتاجر حول العالم لإيصال المنتج للمستهلك، وذلك يشكل عبئاً إضافياً على الشركة ومصاريف لا يستهان بها.

– الصيانة المجانية والضمان

غالباً ما تتضمن منتجات الشركات الكبيرة (وحتى الصغيرة) كفالة لمنتجاتها تتضمن الإصلاح المجاني والصيانة بأسعار رمزية للمنتجات المباعة للزبائن، هذا الأمر يجعل وجود أقسام الصيانة أو التعاقد مع شركات مستقلة للصيانة أمراً حتمياً ويضيف المزيد إلى سعر السلعة.

– سعر الفكرة

مع كون الملكية الفكرية جزءاً أساسياً من الحقوق المدنية، فتصنيع الابتكارات المميزة للمبدعين يتطلب موافقتهم على ذلك أو شراء حقوق ملكية الفكرة أو الاختراع، ومع حاجة الشركات للعديد من الابتكارات والاختراعات المسجلة في منتجاتها فغالباً ما يتطلب ذلك دفع نسب من الأرباح لأصحاب حقوق ملكية الأفكار سواء كانوا أفراداً أو شركاتً أخرى.

بالإضافة لذلك، فالمنتجات تتضمن مرحلة التصميم وهي المرحلة الأهم للإنتاج حيث أن المصممين للمنتج ومحتوياته يتطلبون تمويلاً يكون جزئاً من سعر المنتج المصمم أصلاً.

– الضرائب التصاعدية والتعرفة الجمركية

عادة ما تكون الضرائب منظمة بشكل تصاعدي، فكلما ازدادت أرباح الشركة ازدادت نسبة الضريبة المفروضة عليها والتي تصل أحياناً حتى 50% من الأرباح، وهو ما يجعل الأسعار ترتفع بفعل ذلك فأي منتج يباع للمستهلك يتضمن سعره الضريبة المفروضة عليه كما يتضمن التعاريف الجمركية في حال كان مستورداً من بلد آخر.

– التكاليف الإدارية والتنظيمية

عندما ينتقل التصنيع إلى النطاق الواسع فالبنية التنظيمية أمر لا بد منه، حيث يجب وجود مشرفين ومدراء ومستشارين ومدققين ومحاسبين ومحامين وغيرهم من الموظفين الإداريين الذين يتمتعون بمهارات خاصة تجعل توظيفهم يتطلب مالاً أكثر من العمال العاديين، كون مهامهم تتطلب مؤهلات أعلى.

التكاليف الإدارية والتنظيمية

– تكاليف الاستثمار

لتستطيع الشركة انتاج منتجاتها والقيام بمهامها المتعددة فهي بحاجة لرأس مال لسداد كامل المدفوعات المالية بداية من المواد الأولية والمنشآت الصناعية والتجارية وحتى الضرائب ومقابلات حقوق الملكية وأجور العمال والضرائب.

يأتي رأس المال من المستثمرين الذين يقومون بدفع المال مقابل أرباح مستقبلية، فالمال كما الأملاك الأخرى كالعقارات والسيارات يتطلب مقابلاً دورياً لقاء استخدامه، والشركة التي لا تحقق أرباحاً مرضية للمستثمرين لا يمكن لها أن تستمر.

في النهاية، يبقى جزء صغير من المال للعمال الذين يقومون بالعمل والإنتاج حيث غالباً ما لا تتجاوز المبالغ المدفوعة لهم نسباً صغيرة للغاية من سعر المنتج النهائي، كون مساهمتهم على الرغم من أهميتها صغيرة للغاية مقابل المساهمات الأخرى التي لا مفر منها.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن

عدد القراءات: 3٬119