علوم

لماذا يبدو كل وجه ترسمه مثل ”نياندرتال“ صغير؟

رسومات لوجوه بشرية

يميل معظم الناس إلى رسم أوجه البشر مع العيون مرتفعة نسبيا في الرأس، وهو تأثير جعل الباحثين يعتقدون أن مصدره وهم يسببه شكل الرأس. لنقم بتجربة صغيرة وبسيطة عزيزي القارئ، قبل أن تباشر في إكمال قراءة هذا المقال؛ نرجو أن تحمل ورقة وقلما وترسم وجه إنسان، لا حاجة للتعقيد، فقط شكل دائري مع عيون وأنف وفم وبعض الشعر.

الآن، لربما بدا ما رسمته أقرب ما يكون إلى نياندرتال كرتونيٍّ صغير، لا تقلق عزيزي القارئ فأنت لست وحدك في ذلك، حيث أن جميع الناس تقريبا يرسمون وجه الإنسان مع العيون مرتفعة كثيرا مما يجعل الجبين يبدو صغيرا جدا ومنه ينتج عن ذلك مظهر مضحك.

إن الأمر هنا لا يتعلق فقط الأمر بالمهارة الفنية، فقد لاحظ علماء النفس –ناهيك عن أجيال كاملة من أساتذة الفن– أن الجميع يفعل ذلك، وهو الأمر الذي دفع بـ(كلاوس كريستيان كاربون)، الذي يدرس الإدراك البصري، يتساءل: لماذا يجهل جميعنا تقريبا أين تتموضع العيون من الرأس عند الإنسان؟ فبعد كل شيء ما البشر إلى كائنات اجتماعية تعتمد كثيرا على قراءة أوجه بعضها البعض، والعيون بشكل أخص تحظى بالكثير من انتابهنا.

في الواقع، تكون العيون البشرية في وسط الرأس تقريبا على المحور العمودي، لكن معظم الناس يرسمونها فوق المركز دائما، ما الذي يدفعهم لفعل ذلك يا ترى؟ يقول (كاربون): ”حتى خلال دروس الرسم، يبدأ الناس دائما باقتراف هذا الخطأ الشائع“، وأضاف: ”إن الباحثين على دراية بهذا الأمر، لكن لا يوجد أي بحث علمي حوله“.

صور شخصية لوجهي رجل وامرأة مكررة مرتين

توضح هذه الصورة تجربة قام المشاركون فيها برسم العيون مرتفعة بشكل غير طبيعي (مثلما هو مبين باللون الأحمر) عندما كانوا يحاولون رسم الوجوه بناء على الذاكرة -الصف العلوي-، ولم يتحسن أداؤهم كثيرا عندما قاموا بالرسم بناء على صورة واضحة موضوعة أمامهم -الصف السفلي-.

لذا قام (كاربون) وزميله (بينيديكت إيمانويل ويرث) في جامعة (بامبرغ) بتجربة طلبا فيها من الناس برسم وجه إنسان في إطار أبيض، وكانت النتائج مثلما كان متوقعا: عيون مرتفعة كثيرا في الرأس، ثم عمل الباحثان على تجربة ما سيكون عليه أداء الناس عند تقديم بعض المساعدة لهم، فسُمح لـ106 من المشاركين بالنظر إلى صورة وجه إنسان لمدة ثلاثين ثانية قبل أن يرسموا الوجه من الذاكرة طبعا، وسمح أيضا لـ21 من المشاركين بالنظر إلى صورة وجه موضوعة أمامهم طول الوقت بينما يرسمون ما طلب منهم من وجه إنسان، وكان الأمر المؤسف أن أداءهم لم يتحسن تقريبا حتى مع المساعدة التي قدمت لهم.

أخيرا، أمعن (كاربون) و(ويرث) النظر في رسومات وجوه تضمنتها أبحاث أجريت من طرف ثلاثة باحثين بارزين في مجال التعرف على الوجوه، وبالطبع اكتشفا أن حتى ”المحترفين“ فشلوا في وضع العيون في موضعها الدقيق.

بناء على ما سبق خلص الباحثان إلى ثلاثة فرضيات لتفسير السبب الذي يجعل الأشخاص العاديين، وحتى الأشخاص الذين يدرسون ويعملون في مجال الوجوه والتعرف على الوجوه، يعجزون عن وضع العيون في أماكنها الصحيحة. إليك هذه الفرضيات الثلاثة عزيزي القارئ:

1. فرضية الشعر بمثابة القبعة: لا يفكر الناس في الشعر على أنه جزء من الرأس، بل على أنه جزء منفصل يقبع فوق الرأس مثل القبعة (على الأقل عندما يكونون بصدد رسم وجه)، لذا فهم يرجعون وضعية العيون لما يعتقدون أنه الوجه -الذي لا يتضمن الشعر- بدلا من اعتبار موقع العيون من الرأس ككل.

2. فرضية الرأس كإطار: لا يأخذ الناس تحدب (كروية) الجبين بعين الاعتبار، لذا يتم اعتبار قمة الرأس أكثر انخفاضا مما هي عليه في الواقع.

3. فرضية النظر إلى الوجه من الأسفل: يرى الأطفال والرضع في بدايات حياتهم وجوه الآخرين من نقطة منخفضة دائما تقريبا، وترسم نقطة النظر هذه خريطة ذهنية في الإنسان لا تمحى بسهولة في أوقات لاحقة من الحياة.

عند التدقيق والمقارنة بين نتائج الدراسة وهذه الفرضيات، تبين للباحثين أن النتائج كانت في صالح الفرضية الثانية وهي فرضية الرأس كإطار، حيث أظهرت الدراسات التي تناولت الطول النسبي للوجوه التي رسمها الناس بأن الرؤوس كانت قصيرة جدا مقارنة بالنماذج التي بُنيت عليها، أما خط الشعر في الجهة المقابلة فقد تم رسمه في وضعيته الصحيحة مما جعل الجبين صغيرا جدا.

يقول (كاربون): ”نحن كبشر نواجه مشكلة في إدراك الأشكال الدائرية“، ومن أجل إثبات ما إن كانت فرضية الرأس كإطار ظاهرة عامة، يخطط الباحثون الآن لإعداد تجارب يتمكنون من خلالها من معرفة ما إذا كان الناس يسيئون إدراك الأشكال الدائرية لأغراض أخرى غير الوجوه، يقول (كاربون): ”سنبدأ ذلك مع وجوه الحيوانات ثم سنمضي قدما وصولا إلى الأغراض ذات الاستعمال اليومي مثل غلاية الشاي، والكؤوس، والزجاجات.“

بينما قد يبدو أن عدم إدراك الوضعية الدقيقة للعيون في الوجه والعديد من الأوهام البصرية الأخرى دليل على أن أدمغتنا تقترف أخطاءً إدراكية، فإن (كاربون) يقول: ”إن هذا الذي نعتقده فشلا إدراكياً ما هو في الواقع إلا أداء متميز وناجح“، حيث تحتوي تلك المنطقة بين العيون والفم على أهم المعلومات التي تنبئ بالحالة العاطفية للشخص، لذا تكون تلك المنطقة عادة هي ما تركز عليه أدمغتنا بشكل كبير.

أما فيما يتعلق بالسبب الذي يجعلنا نستمر في رسم الوجوه البشرية مثلما النياندرتال، فإن (كاربون) يقول بأن الأمر عبارة عن مصادفة لا أكثر، لكن لطالما مازلنا نفعلها فإن ”النياندرتال ما زال موجودا، على الأقل في رسوماتنا“.

المصادر

عدد القراءات: 2٬085