تاريخ

لم يعتقد الكثيرون أن ”مخلوقات فضائية“ زارت بلاد سومر؟

 منحوتة تصوّر متصوفي الأنوناكي القدماء

يرجح العلماء فجر الحضارة السومرية إلى بداية الألف الرابع قبل الميلاد، عندما انتقل سكان تلك المنطقة من حياة التنقل والترحال إلى الاستقرار ومن الجمع والالتقاط إلى الزراعة، بدأت تلك التجمعات البشريّة بالازدهار والتطور، وتم بناء العديد من المدن منها (أور) و(لارسا) و(نيور).

قام السومريون بسّن القوانين والأنظمة، وعرفوا شتى أنواع الفنون، واخترعوا آلات موسيقيّة بدائيّة، بل ويعتقد أنهم أول من أسس علم الفلك ووضع التقويم الشمسي والقمري، وأول من قام بقياس فصول السنة.

الآلهة السومريّة:

آمن السومريون بتعدد الآلهة، وبعض من آلهتهم: (إينكي) وهو إله الماء والحكمة، و(إنليل) وهو إله الهواء، و(تموز) وهو إله الخصوبة والرعي…

في الوسط: الإله السومري (إنكي) Enki

في الوسط على اليمين: الإله السومري (إنكي) Enki.

إنّ آلهة السومريين أقدم من الآلهة اليونانية وآلهة الفراعنة، وقد أطلقوا عليها مسمّى (الأنوناكي) الذين ينحدرون من الإله الأعلى (أنو) – An/Anu والذي يُنسب له خلق الكون، وقد ولدوا حين قام الإله (إنكي) Enki وهو ابن (أنو) بممارسة الجنس مع الكثير من الآلهة وذلك كي يملأ شجرة عائلة والده، وتشير الأساطير البابلية لوجود 300 إله تولوا حراسة السماوات، و300 آخرون تولوا حراسة العالم السفلي، وذُكر الـ(أنوناكي) في «ملحمة جلجامش».

إن كل ما نعرفه عن السومريين والبابليين وآلهتهم هو نتيجة لترجمة ألواح طينية عُثر عليها في القرن التاسع عشر، وقدّر عددها بعشرات الآلاف، ولا تزال ترجمتها قائمة حتى الآن، وقد كثُر الحديث عن أنّ آلهة السومريين هم أكثر من مجرد خرافات، وبأنهم ”حقيقيون“، وأن حقيقتهم تلك تكمن في كونهم زواراً أتوا من الفضاء في قديم الزمان، وهي الطريقة التي ترجم بها أحدهم بعض الألواح، فما مدى صحة ترجمته يا ترى؟

ادعاءات (سيتشن):

ولد (زكريا سيتشن) في روسيا وعاش في فترة من حياته في فلسطين، وهو مُجاز في الاقتصاد والعلوم السياسيّة من جامعة لندن ولا يملك أي معرفة اكاديميّة في اللغة المسماريّة أو في التاريخ البابليّ، ولكن هذا لم يردعه، فقد كتب (سيتشن) العديد من ”الكتب“ التي تشرح نشأة البشريّة، وتتضمن تفسيراتُه الكثير من الفضائيين، حيث يعزو بداية الخلق للـ(أنوناكي).

اللوح الطيني الذي ترجمه (سيتشن)

اللوح الطيني الذي ترجمه (سيتشن).

أحد ادعاءات (سيتشن) هو أن اللوحة السابقة تصوّر الشمس والقمر والكواكب التسعة، بالإضافة لكوكب آخر يدعى (نيبيرو)، والسؤال المثير للعجب: كيف عرف السومريون بوجود تسعة كواكب؟ كان الجواب المنطقي بالنسبة لـ(سيتشن): ”أخبرهم الفضائيون بذلك“.

يقول (سيتشن) في كتابه المعنون «الكوكب 12» The 12th Planet، والذي تَرجمَ فيه 14 لوحاً طينياً، أنَّ السومريين يشرحون لنا في هذه الألواح كيف أتى (الأنوناكي) من كوكب يدعى (نيبيرو) وهو الكوكب الثاني عشر -طبقاً لـ(سيتشن) يحتاج هذا الكوكب إلى 3600 سنة أرضية ليكمل دورته، أي أن كل سنة أرضية تساوي 3600 سنة ”نيبيرويّة“- ثمّ يفسّر لنا (سيتشن) قصة الخلق التي تحملها الألواح، التي تجري ”وفقاً له“ كالتالي:

في أحد الأزمنة الغابرة وحينما اقترب (نيبيرو) من الأرض بالقدر الكافي، قرر سكانه (الأنوناكي) القيام بزيارتنا، بالطبع لم يكن هناك وجود للبشرية حينها، ولكنهم وجدوا ما هو أفضل… الذهب. احتاج (الأنوناكي) الذهب للحفاظ على بقائهم، فهو يدخل في تركيبة الغلاف الجوي لكوكبهم، لكنهم لم يكونوا قادرين على استخراجه -بالرغم من كونهم فضائيين متطورين وآلهة- وهكذا خلقوا البشر!

في الحقيقة إن ترجمة (سيتشن) للّوح خاطئة، فرمز الشمس عند السومريين يختلف عن ذاك الذي في اللّوح، بالإضافة لعدم وجود ما يدّل على أنّ السومريين قد عرفوا بوجود أكثر من خمسة كواكب في أيّ من الألواح المترجمة من قبل الخبراء، ويجدر التنويه أن المجتمع الأكاديمي يرفض نظرياته قطعاً، ويؤكد أن القصص البابليّة هي بالفعل مجرد قصص، وأن جُلّ ما كان يفعله البابليون والسومريون حين أوجدوا قصص آلهتهم تلك هو إيجاد تفسيرات للأمور التي لم يكونوا قادرين على فهمها حينها.

بالرغم من ذلك فقد بيعت ملايين النسخ من كتب (سيتشن)، وقام هو والكاتب Erich Von Danniken من سويسرا، والروسي Immanuel Velikovsky بتشكيل ”ثلاثيّة من المؤرخين الزائفين“، حيث آمن هذا الثلاثي بأن النصوص القديمة هي أكثر من مجرد خرافات، وبأن النصوص البابلية هي في الحقيقة مذكرات علميّة، وبدل أن يكتفوا باعتبار (الأنوناكي) آلهة خرافية فقد اعتبروها مخلوقات فضائية، وبالتالي فإن البشر اختراع فضائي بحت وجد للعمل في المناجم من أجل استخراج الذهب للحفاظ على كوكب (نيبيرو).

قد يجعلك هذا تتساءل: إن كانت معتقدات هؤلاء الرجال سليمة فأين (الأنوناكي) اليوم؟ هل وجدوا بديلاً عن ذهبنا؟ هل وجدوا عمالاً أفضل منا وأقل تكلفة وتذمراً؟

لكن ما سبب هوس الحضارات القديمة بالذهب؟

منحوتة ذهبية مصرية قديمة

زيّن المصريون الأهرامات بالذهب، وقاموا بدفن العديد من القطع الذهبية مع ملوكهم، واعتقدوا أن جلد آلهتهم مصنوع من الذهب.

إن أهمية الذهب تكمن في ندرته وصعوبة الحصول عليه مقارنةً بمعادن أخرى مثل النحاس والفضة والحديد، ويُفسّرُ ذلك سبب استخدام الذهب للدلالة على المكانة الاجتماعية عند القدماء.

تماثيل قديمة تصور الـ(أنوناكي) وهم يرتدون أغطية الرأس التقليدية.

تماثيل قديمة تصور الـ(أنوناكي) وهم يرتدون أغطية الرأس التقليدية – صورة: Wikimedia Commons

مما لا شك فيه هو أنّ الحضارات البابليّة كانت على قدر كبير من التطور، ففي عام 2015 تمت ترجمة أحد الألواح الذي بيّن قيام علماء فلك في ذلك الوقت بحسابات دقيقة جداً لمدار المشتري، فسبقوا بذلك الأوروبيين بـ1400 عام، وهناك نظريات تشير إلى أن البابليين هم من أوجدوا علم المثلثات، وذلك قبل اليونانيين بـ1000 عام، لكن هل بإمكاننا أن نعزو حساباتهم وتطورهم هذا للفضائيين؟ هل من المعقول أنهم امتلكوا حواسيب متطورة مكنتهم من القيام بحسابات معقدة؟

الإجابة هي لا، فالحقيقة هي أنهم امتلكوا الوقت والمعارف الكافية التي مكنتهم من القيام بهذه الحسابات، بالإضافة إلى أن علماء الرياضيات في ذلك الوقت عاشوا في مجتمع زراعي يعتمد على مواسم هطول الأمطار والمواعيد المناسبة للزراعة، فكان من الضروري جداً معرفة هذه الأمور.

قد يكون سبب الغموض وكثرة التساؤلات حول (الأنوناكي) هو نقص ما نعرفه عن الحضارات القديمة، إذ أن كل ما نعرفه يأتي من ألواح طينية كتبت بلغةٍ منسية لا يزال الباحثون يفكون أسرارها ويحاولون ترجمتها إلى يومنا هذا.

عدد القراءات: 17٬297