in

لماذا تظهر الأوبئة والأمراض الجديدة، مثل كوفيد–19، في الصين؟

على الصين تغيير بعض العادات والأنظمة الصحية والغذائية لتجنب المزيد من الأوبئة

في ليلة رأس السنة من عام 2019، أعلن مسؤولو الصحة في الصين عن مشكلة خطيرة لاحظوا انتشارها. رفعت السلطات الصينية مراحل تأهبها إلى أقصة درجة عقب اندلاع نوعٍ جديد من الالتهابات الرئوية الفيروسية في وسط الصين. وبدأت العوارض بالظهور بسرعة على الصينيين، مثل السعال الجاف والحمى، قبل ظهور الالتهاب الرئوي. وبالنسبة لبعض الحالات المصابة، كان الفيروس قاتلاً.

كما نعلم جميعاً، تفشى فيروس كوفيد–19 في مدينة أوهان الصينية في أحد الأسواق الرطبة العام الماضي، وانتشر عالمياً في معظم الدول، بل أدى إلى تدهور كبير للوضع الصحي في دول مثل إيران وإيطاليا.

ينتمي الفيروس الجديد لعائلة فيروسات كورونا، وهي تسبب أمراضاً تختلف كثيراً في شدتها. في العام 2003، ظهر فيروس كورونا جديد عُرف باسم المتلازمة التنفسية الحادة والوخيمة (أو سارس)، وانتشر في البداية أيضاً من الصين.

وإن عدنا للتاريخ قليلاً، فالطاعون أو الموت الأسود، الذي أهلك أوروبا في القرن الرابع عشر، كان منشأه الصين أيضاً، ولا ننسى انفلونزا الطيور. بعيداً عن تعليقات الرئيس الأمريكي (ترمب) المثيرة للجدل بخصوص ”الفيروس الصيني“، من الطبيعي أن نتساءل ما الذي يجعل الصين موطن الأوبئة التي ظهرت وانتشرت في مناطق مختلفة ومتعددة من العالم؟

سوق الطعام في ووهان

شروط غير صحية حيث توجد هذه الأسواق، والتي تبيع شتى أشكال الحيوانات.

عندما اكتشف الأطباء فيروس كورونا الجديد وتوقعوا أنه على الأرجح مُسبب تلك الحالات التي وصلت إلى المشافي، وتعقبوا مصدر هذا الفيروس ليكتشفوا أن الفيروس تفشى في سوق للطعام والمأكولات البحرية في مدينة أوهان، ضمن مقاطعة خوبي. وصل إلى المشافي في البداية 41 مريضاً، وتبيّن أن 27 منهم كانوا في تلك السوق.

وعلى الرغم من أن ذلك ليس بالدليل الكافي، لكن السلطات الصينية أغلقت السوق على الفور، فهي معتادة على تلك الأمور في اماكن كتلك، حيث يذكرنا هذا الأمر بما حصل تماماً عند انتشار السارس. ففي عام 2002، ظهر فيروس كورونا جديد في سوق مشابهة في جنوب الصين، ووصل ذلك الفيروس إلى 29 دولة أخرى، وأدى إلى وفاة 800 شخص تقريباً.

والآن، بعد مرور 18 عاماً على انتشار السارس، وصل فيروس كورونا الجديد كوفيد–19 إلى أكثر من 71 دولة في العالم، وقتل آلاف الأشخاص حتى الآن، مع عدم قدرتنا على تحديد عدد الوفيات بشكل دقيق جراء تصاعد الأرقام بشكل يومي!

ما المميز في أسواق الطعام تلك حتى وفرت بيئة مناسبة لانتشار تلك الفيروسات؟ ولماذا انتشرت أغلب تلك الأوبئة في الصين؟

أقفاص الحيوانات التي توضع في ظروف غير صحية على الإطلاق، حيث غالباً ما يتم وضع الأقفاص فوق بعضها، وبالتالي تتسرب جميع مفرزات الحيوانات في الأعلى إلى تلك التي في الأسفل. صورة: Tuchong

قد تنشأ الكثير من الفيروسات المضرة بالبشر من أصول حيوانية، فمثلاً، تأتي بعض الفيروسات المسببة للانفلونزا من الطيور أو الخنازير، بينما نشأ فيروس عوز المناعة المكتسب –الأيدز– من الشمبانزي، والإيبولا المميت من الخفافيش. وحالياً، في حالة فيروس كوفيد–19، فهناك أدلة على أن الفيروس انتقل من خفاش إلى حيوان آكل النمل الحرشفي (أو كما يُسمى: أم قرفة)، ثم وصل أخيراً إلى البشر.

قد تتمكن الفيروسات من الانتقال بين أنواع الكائنات بسهولة، لكن من النادر أن تنتقل الفيروسات القاتلة إلى البشر، والسبب هو أن تلك الفيروسات تنتقل من مضيف إلى آخر، ومن نوع إلى آخر، لذا يجب أن تلتقي تلك المضيفات مع بعضها حتى ينتقل الفيروس. وهنا يأتي دور سوق أوهان، تلك السوق الرطبة التي تُذبح فيها الحيوانات الحية ثم تُباع للمستهلكين.

قال البروفيسور المساعدة في جامعة هيوستن (بيتر لي): ”لم يكن الأمر مفاجئاً، ولم يكن مفاجئاً حتى بالنسبة للكثير من العلماء“. البروفيسور (بيتر لي) خبير بتجارة الحيوانات في الصين، حيث أوضح: ”تُكدس أقفاص الحيوانات فوق بعضها البعض، بالتالي تتعرض الحيوانات في الأقفاص السفلى إلى كافة أنواع السوائل والمفرزات الحيوانية والدماء، أي كافة أنواع المفرزات السائلة التي تخرج من الحيوانات في الأعلى“.

آكل النمل الحرشفي.

يُعد الوصف السابق البيئة المثالية لانتقال الفيروس من حيوانٍ إلى آخر، وإذا كان ذلك الحيوان المصاب بالفيروس على اتصال مع الإنسان، أو قام الإنسان باستهلاكه، فمن المرجح أن ينتقل الفيروس إلى الإنسان ويصيبه بالعدوى، وإذا انتقل الفيروس إلى إنسان آخر، فيبدأ عندها بالتفشي.

لا تنتشر تلك الأسواق الرطبة في الصين فحسب، فهي موجودة في أماكن مختلفة من بقاع العالم، كأفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها… لكن الأسواق الرطبة في الصين مشهورة بشكل أكبر لأنها توفر للصينيين مجموعة واسعة من الحيوانات، حتى الحيوانات البرية!

في صورة انتشرت على الإنترنت تُظهر قائمة بالحيوانات التي تُباع في تلك السوق ضمن أوهان، نلاحظ الثعالب والجمال والأرانب والطيور والأفاعي الحيوانات المائية التي جُبلت من مناطق مختلفة من العالم، إذاً من المحتمل أن يحمل أي كائنٍ من تلك الحيوانات فيروساً ما إلى تلك السوق.

لماذا توجد كل تلك الحيوانات في أسواق الصين الرطبة؟

على الرغم من انتشار فيروس كورونا الجديد، لكن هذه الصورة التُقطت في شهر فبراير من هذا العام لإحدى الأسواق الرطبة في شنغهاي. صورة: Getty Images

يعود السبب إلى قرار اتخذته الحكومة الصينية منذ عقود مضت، ففي سبعينيات القرن الماضي، كانت الصين تنهار حرفياً جراء المجاعة التي قتلت أكثر من 36 مليون شخص، ولأن النظام الشيوعي سيطر على كلّ وسائل إنتاج الطعام، ولم يكن قادراً على تغذية شعبه البالغ عدده 900 مليون شخص.

في عام 1978، وبينما كانت الصين على حافة الانهيار، ألغى النظام سيطرته الشاملة على إنتاج الطعام وسمح للناس بالزراعة الخاصة. فبدأت الشركات الكبرى فرض هيمنتها المتزايدة على إنتاج أنواع شائعة من الأطعمة، كلحم الخنزير ولحوم الدواجن، حوّل المزارعون الصينيون اهتمامهم نحو اصطياد وتربية الحيوانات البرية، باعتبارها الوسيلة الوحيدة للنجاة وعدم الموت جوعاً.

يكمل البروفيسور (لي): ”في البداية، اقتصر الأمر على منازل القرويين وعامة الناس، كتربية السلاحف والأفاعي مثلاً وبيعها، هكذا بدأت تربية الحيوانات“. وبما أن هذه الممارسة عادت على الشعب الصيني بالفائدة واستطاعت توفير الغذاء له، دعمت الحكومة الصينية هذا النوع من تربية الحيوانات والتجارة بها.

أكمل (لي): ”كان الأمر شبه إلزامي بالنسبة للحكومة الصينية، فكان عليها تشجيع الناس على العمل والإنتاج والبقاء أحياء مهما كانت تلك النشاطات والأشغال، إذا استطاع المواطن الصيني رفع نفسه فوق خط الفقر، وكيفما كانت الطريقة، فذلك مقبول“.

لكن في عام 1988، أصدرت الحكومة قراراً غير تجارة الحيوانات البرية في الصين. حيث أقرت الحكومة قانون حماية الحياة البرية، وصنفت فيه الحيوانات على أنها «موارد تملكها الدولة» واستطاعت أيضاً توفير الحماية القانونية للناس الراغبين بـ «استغلال مصادر الحياة البرية أو تطويرها». علّق (لي) على ذلك قائلاً: ”تلك إحدى أكثر المشاكل كارثية في القانون الصيني، فإذا اعتبرت الحيوانات البرية «مورداً طبيعياً»، بالتالي يمكن استخدامها قانونياً لصالح الإنسان“.

نص القانون أيضاً على «تشجيع تدجين وتزاوج الحيوانات البرية»، وهذا ما أدى إلى ولادة صناعة قائمة على استهلاك الحيوانات البرية. فتحولت المزارع المحلية الصغيرة إلى مزارع ذات أحجام كبيرة أشبه بالمصانع. فعلى سبيل المثال، هناك مزرع دببة بدأت فقط بثلاث حيوانات من الدببة، ثم تطورت لاحقاً لتحوي أكثر 1000 دباً.

أقفاص حيوانات مختلفة ومتوضعة فوق بعضها في إحدى الأسواق الرطبة في شينجن. صورة: Wikimedia Commons

مع تزايد تعداد السكان في الصين بشكل مروع، ازداد احتمال انتقال الفيروسات من الحيوانات المريضة إلى البشر. وفوق ذلك، عمل المزارعون الصينيون على تربية أنواع مختلفة من الحيوانات مع بعضها، ما يزيد بلا شك كمية الفيروسات الموجودة في المزرعة الواحدة.

تُباع تلك الحيوانات، التي رُبيت في مزارع مختلطة، ضمن أسواق الصين الرطبة. ومع ازدهار تلك التجارة، استطاعت توفير غطاء قانوني لعمليات اصطياد وتربية الحيوانات البرية غير القانونية. فكانت الحيوانات المهددة بالانقراض، مثل النمور ووحيد القرن وآكل النمل الحرشفي (أم قرفة)، تُهرب إلى الصين بشكل غير قانوني.

بحلول بدايات القرن الحادي والعشرين، كانت تلك الأسواق الرطبة تعج بالحيوانات البرية عندما تفشى فيروس «سارس». عجت الصحف العالمية بالأخبار القادمة من الصين، حيث جاء في الأخبار إصابة آلاف الأشخاص، حيث تفشى المرض في سوق رطبة أخرى في جنوب الصين، وانتشر في عدد من قارات العالم. أرجع العلماء الفيروس إلى قط الزباد، وهو حيوان ليلي ثديي موطنه الأصلي في غابات آسيا الاستوائية وأفريقيا، لكن الحيوان السابق نقل الفيروس من الخفافيش إلى البشر، ما تسبب بانتشار وباء السارس.

أغلقت الحكومة الصينية عندها الأسواق على الفور، وحظرت أيضاً تربية الحيوانات البرية. لكن بعد تفشي الفيروس بأشهر، رفعت الحكومة الصينية الحظر عن قط الزباد، بالإضافة إلى 54 حيوان بري آخر، وأصبحت تربيتها قانونية مجدداً على الرغم من خطر السارس الذي لم يزل موجوداً حينها.

بحلول عام 2004، أصبحت تربية الحيوانات البرية صناعة تبلغ قيمتها 100 مليار يوان صيني! وأصبح لهذه الممارسة تأثير حتى على الحكومة الصينية نفسها. قال البروفيسور (لي): ”لم يكن لتربية الحيوانات البرية أثر كبير على الناتج المحلي الإجمالي الضخم جداً للصين، لكن تلك الصناعة استطاعت فرض تأثيرها على الحكومة“. وفعلاً، رفعت الحكومة الحظر عن تربية الحيوانات البرية جراء هذا التأثير أو الضغط، بل أنها سمحت للمزارعين بالاستمرار على هذه العادة لسنوات. ففي عام 2016 على سبيل المثال، حظرت الحكومة تربية بعض الأنواع الحيوانية المهددة بخطر الانقراض مثل النمور وآكل النمل الحرشفي.

قسم الأسماك في إحدى الأسواق الرطبة في لانغفانغ، جنوب العاصمة بكين. صورة: Giulia Marchi / The New York Times

لكن بحلول عام 2018، نمت تجارة تربية الحيوانات البرية ليتجاوز إنتاجها حاجز الـ 140 مليار يوان، بل تطورت أساليب واستراتيجيات التسويق كي تبقى تلك الأسواق الرطبة فعالة وموجودة. والمشكلة أن التسويق لاستهلاك هذه الحيوانات ارتكز على أمور مثل «تحسين صحة الجسم» أو «تحسين الصحة الجنسية»، بل حتى «مقاومة الأمراض»، على الرغم من أن تلك مجرد ادعاءات ولا أساس لها من الصحة، وفقاً لأقوال البروفيسور (لي).

لكن تلك المنتجات أصبحت شائعة بشدة لدى قطاع كبير من الشعب الصيني، لكن أغلب الناس في الصين لا يأكلون الحيوانات البرية، أما من يأكل تلك الحيوانات فهم الأغنياء وأصحاب السلطة، وهم لا يشكلون سوى جزء صغير.

فضلت الحكومة الصينية تلك الأقلية الثرية وذات المال بدلاً من أمان الشعب، الذي يبلغ تعداده 1.4 مليار. فهؤلاء القلة القليلة من الأثرياء يسرقون مصالح الصين الوطنية فقط من أجل عاداتهم.

عقب انتشار فيروس كوفيد–19، أغلقت الحكومة الصينية آلاف المتاجر الرطبة ومنعت تربية وتجارة الحيوانات البرية مؤقتاً. لكن المنظمات العالمية حثت الصين على حظر هذه التجارة بشكل دائم وإلى الأبد، إذا ما أرادت الصين تجنب كوارث وبائية كل بضعة أعوام. والأمر لا يتوقف على الخارج فحسب، بل عجت وسائل التواصل الاجتماعي الصينية بطلبات لحظر هذه التجارة.

من المتوقع أن تلغي الصين القانون السابق الذي يتيح تجارة واستهلاك الحيوانات البرية، لكن ما لم تتخذ إجراءات دائمة لحظر تلك الحيوانات البرية، فمن المرجح أن تنتشر أمراضٌ أخرى في السنوات اللاحقة.