تاريخ

عندما كان يُعتقد أن ركوب النساء في القطارات سيتسبب لهن في طيران أرحامهن خارج أجسامهن

رسم يبين ردة الفعل تجاه أول القطارات

أكبر مخاوفنا اليوم حيال السفر الحديث يدور حول التكنولوجيات المتطورة وفشلها أو تضارب بياناتها، حيث قد يخشى الكثير من مستخدمي وسائل النقل المتطورة أن تختلط الأمور عليها ذلك أنها تعمل بأنظمة تحديد المواقع وبعض التقنيات المتقدمة الذكية الأخرى، أو أن تتعرض للقرصنة مما قد يتسبب في وقوع حوادث أو تحريف مساراتها إلى وجهات مجهولة.

قبل قرن ونصف من الآن؛ كان لدى أسلافنا مخاوفهم الخاصة حول السفر ووسائل النقل الحديثة آنذاك، لكنها لم تكن تتضمن الذكاء الاصطناعي، بل كانت تدور حول الكثير من الأخطار المتعلقة بالحوادث المريعة على غرار انحراف القطارات أو تصادمها، والتي أثبت التاريخ والواقع أنها تتسبب في سقوط ضحايا بأعداد مهوّلة، وبغض النظر عن هذه الحوادث التي شهدها الإنسان، فإنه كان يخشى في نفس الوقت بعض الأمور التي اتضح لاحقاً مدى سخافتها، على غرار الخوف الذي انتشر مع ظهور أول القطارات في العالم من أن يتسبب ركوبها من طرف النساء في خروج الرحم من الجسم!

شرحت عالمة الأنثروبولوجيا الثقافية (جينيفيف بيل) للموقع المتخصص في الأمور التقنية لدى صحيفة (وول ستريت) أن ردود الفعل المتطرفة والنابعة عن خوف شديد تجاه هذه التكنولوجيات الحديثة كانت موجودة منذ القدم، كما كانت تتطور بتطور وسائل النقل وحداثتها.

كانت على سبيل المثال بعض الانتقادات التي طافت حول القطارات الأولى في التاريخ تفيد بأن ”جسم المرأة لم يصمم للسير على مسافة ثمانين كيلومتر في الساعة“، وكان الناس قلقين من ”أن أرحام النساء المسافرات على متن القطارات قد تطير خارج أجسامهن بينما تتسارع بهن القطارات للوصول إلى تلك السرعة [أي 80 كلم/سا]“، كما اشتبه آخرون في أن أي جسم بشري كان ”سيذوب“ ببساطة لدى تنقّله بسرعة عالية.

رسم يبين ردة الفعل تجاه أول القطارات

لوحة تبين ردة الفعل تجاه أول القطارات – صورة: ويكيميديا

*من الجدير لنا التنويه إلى أن كلا من الرجال والنساء قد يعرضون أنفسهم لخطر شد أو تمزيق بعض الأنسجة الهشة التي تؤدي وظيفة الربط بين بعض الأعضاء في الجسم، على غرار تلك التي تُحكم شدّ شبكية العين أو عضلة الصدر في مكانها، عندما يعرّضون أجسامهم لتسارع كبير حقا، مثل القفز بالحبال من على الجسور.

تعزو (بيل) هذا النوع من ردود الأفعال إلى ما يسمّى بـ«الذعر الأخلاقي» الذي يعيشه المجتمع عندما تظهر فيه أنواع من التقدم التكنولوجي المعين التي تساهم في إحداث ثورات اجتماعية، بشكل أخص، ذلك النوع من التقدم التكنولوجي الذي يؤثر أو يتداخل مع علاقاتنا بالزمان والمكان، ومع بعضنا البعض.

لم يكن في البادئ يسمح للنساء في ركوب القطارات خشية على سلامتهن.

لم يكن في البادئ يسمح للنساء في ركوب القطارات خشية على سلامتهن.

تقول (بيل): ”السيارات؟ طبعا نفس الشيء. التلفاز؟ بالتأكيد. الإنترنيت؟ أجل. الهواتف النقالة؟ أجل. قد تكون كل هذه الأشياء قد غيرت علاقاتنا مع الآخرين، لكنها لم تغير حقا علاقاتنا مع الزمان والمكان“.

يتغذى هذا الذعر المجتمعي الأخلاقي الناجم عن التطور التكنولوجي بشكل أساسي على التهديد الذي تمثله الحداثة والابتكار على النساء والأطفال بشكل خاص، ولم ينتهِ هذا الذعر عندما تجاوزنا خوفنا من القطارات، ذلك أنه عندما بدأت السيارات تنال نوعا من الشعبية في أوائل تسعينات القرن الماضي؛ كان الكثيرون يرون فيها أشياء مزعجة ومصدر ضجيج لا يحتمل ووصفها البعض على أنها: ”عربات الشيطان“، التي اعتقد كذلك أن النساء، اللواتي كنّ معرضات للإغماء والضعف الجسدي والهيستيريا، لم يكنّ قادرات على التحكم فيها بأنفسهن ومنه لم يكن واجبا السماح لهن بالقيادة.

(ماري أندرسون) مخترعة ماسح زجاج السيارة الأمامي.

(ماري أندرسون) مخترعة ماسح زجاج السيارة الأمامي – صورة: George Grantham Bain Collection

بغض النظر عن ذلك، تشبثت النساء بحقوقهن في القيادة والتنقل بحرية، وفي سنة 1909 تمكنت الشابة (أليس رامسي) ذات الإثنين والعشرين ربيعا من قيادة السيارة عبر الولايات المتحدة الأمريكية في رحلة دامت 59 يوماً، وفي ذلك تمكنت من المحافظة على سلامتها وسلامة سيارتها وسلامة مرافقاتها الإناث الثلاثة، وهو الأمر الذي ساعد على إثبات أنه بإمكان النساء قيادة السيارة، وبالإمكان الثقة في قدرتهن على التحكم في العربة من خلف عجلة المقود.

كان الوقت كذلك كفيلاً بتعليمنا بأن المخاوف والسلبيات المحتملة من الهواتف لم يكن لها معنى، حيث أن الدردشة على الهاتف لن تتسبب لدى النساء في تفشّي عدم الاحتشام، أو التعرض للمسّ الشيطاني، أو الصعق الكهربائي، كما اتضح جليا مؤخرا أن الشباب حديثي السن من عشاق تصفح الهواتف الذكية لوقت طويل سيكونون قادرين على التحدث بجمل مفيدة وكاملة غداً بنفس مهارتهم اليوم.

المصادر

عدد القراءات: 788