خسة

ماذا لو كانت القوى الروحانية تعمل حقا؟

انقلاب في خريطة العالم الإقتصادية والسياسية
صورة: Marco Melgrati

التعاويذ والتلاوات والأذكار والرقى والأحجبة والأعمال والسحر والحسد والجن والأشباح وتحضير الأرواح والأبراج، والشفاء الروحاني والتنبؤ بالغيب والقوى العقلية وعلوم الطاقة: هذه بعض القوى الخارقة الخفية المتنوعة المحيطة بنا، نعرفها ونستعين بها ونخاف منها ونتناقل حكايات عنها.

لكن الملاحظ في تلك القوى أنها مراوغةٌ ولعوبة ومتناقضة، وتعمل بشكل غير متوقع، فتكون من ناحية واضحة جلية أمام أناس بعينهم، مثل جداتنا وسائر أهلنا البسطاء، وبشكل أعم الأشخاص الذين يكونون (ويالصدفة) مؤمنين بتلك القوى أصلا؛ ثم أنها من ناحية أخرى تميل للتعطل والإنزواء أمام آخرين، ولا سيما المشككين من أهل العلم الطبيعي.

ولكن ماذا لو كان الوضع مختلفا قليلا، فكان عمل تلك القوى واضحا للجميع على السواء، فكانت مؤثرة وفعالة بالشكل الذي يود المؤمنون بها أن يعتقدوها؟

بصيغة أخرى: كيف يمكن تخيل شكل العالم لو كانت القوى الروحانية الخارقة تعمل حقا؟ لو كان ذلك كذلك لكان لنا أن نتوقع الآتي:

1. أن تُكتب شهادة الوفاة لذلك الفرع المُرهق من العلوم، والمسمى الطب

مبدئيا سيكون هناك أقسام خاصة في كبرى المستشفيات العالمية متخصصة في علاج الناس روحانيا عن طريق الطاقة والتلاوات والأعشاب، بحيث أنك قد تصاب (لا قدر الله) بتسمم أو حرق أو حادث سيارة، فتأخذك سيارة الإسعاف إلى قسم الطوارئ حيث لن تجد طبيبا يفحصك أو يعالج جروحك، وإنما سيقوم كاهن أو شيخ بالصلاة عليك لإبعاد شياطين المرض عنك، أو يقوم خبير روحاني بإخبارك أن تركز ذهنك على أفكار متفاءلة، وربما يطالبك بالغناء المرح معه، وأنت راقد مضرج في دمائك، لأنه (وكما نعلم جميعا) فالطاقة الإيجابية بداخلك كفيلة بحل كل المشاكل، أليس كذلك؟

بالتوازي سيتم إنشاء كليات خاصة بكل جامعة عالمية تخرج متخصصين في العلاج الروحاني، بلا جراحة أو أدوية أو تكنولوجيا أو معدات وأجهزة غالية، مما سينتج عنه تفوق ذلك النوع من العلاج على الطب التقليدي المكلف والمرهق والمؤلم أحيانا، وسيتم إغلاق كليات الطب تباعا، حتى ينقرض هذا العلم السخيف بأكمله لصالح علاجات سحرية سهلة تقوم على الكلمات (التلاوات والتعاويذ والشحن النفسي) أو ببعض الحركات والأحجار التي تستجلب الطاقة الكونية الإيجابية، بالإضافة طبعا لبعض الأعشاب الرخيصة والمتوفرة.

وبالطبع فإن تلك التغييرات الجذرية ستنعكس (أكثر ما تنعكس) على قادة تلك العلوم الثورية الجديدة، وبالتالي…

2. يصبح الكهنة ورجال الدين وأهل الروحانيات هم أكثر الناس صحة وثراءا ونفوذا

رجل دين يلتقط سيلفي

صورة: Gunduz Agayev

فيما يخص الصحة فانس الأطباء وخبراء التغذية والأبطال الرياضيين، وفيما يخص المال انس رجال المال والصناعات والتكنولوجيا؛ لو كانت القوى الخارقة تعمل فعلا فسيكون الخير كله من نصيب الخبراء فيها، والذين سيصلون إلى أهدافهم بوسائل مضمونة وجهود أقل.

بالطبع مع قدراتهم الشفائية الهائلة المستلهمة من قوى السماء والأرواح والطاقة الكونية العظمى؛ لن تجد أحدهم يتعاطى الأدوية حين يصاب بالإسهال أو يخضع لجراحة الفتاق أو يلجأ إلى مشافي الطب المادي حين يصاب بمرض أو حادث أو يبتلع فرشاة أسنانه بالخطأ، وإنما سترى العكس بكثرة: الأطباء هم الذين سيهرعون إلى رجل الدين الفلاني أو خبير العلاج الروحاني العلاني ليزيل كل أوجاعهم بكلمتين أو بكوب من الأعشاب المغلية.

وعلى الصعيد المادي بالطبع لن تجد ذلك الشيخ أو الخبير الروحاني يجتهد لإقناعك بقدراته السحرية ليحصل على إعجابك، أو بقراءة طالعك التافه لقاء بضع دولارات، وإنما لو كانت قدراته حقيقية فحتما سيكون لديه ما هو أهم كثيرا ليقوم به ليحصل على المال والنفوذ، مما سيؤدي إلى…

3. انقلاب في خريطة العالم الإقتصادية والسياسية

نظرا لهذا العدد من المحظوظين القادرين على معرفة الغيب، سواء عن طريق التشاور مع الجن والعفاريت أو عن طريق تفسير الأحلام أو بفضل قدرات خارقة غامضة لعقولهم، فأول ما سيحدث هو إعلان افلاس جميع الجهات المالية التي تقوم على التوقع ومعرفة خبايا الأحداث، بداية من صالات القمار ورهانات الخيول وصولا إلى البورصات المحلية والعالمية، إذ أن أي خبير روحاني لديه موهبة كشف الغيب فسيمكنه أن يحصد أموال المشاركين فيها بكل سهولة.

ثم إن الجهات الإقتصادية والسياسية الكبرى، بداية من البنوك والشركات والحكومات بوزاراتها، وصولا إلى المؤسسات العالمية كالبنك الدولي والأمم المتحدة، جميعها لن تفوت فرصة الإستفادة من الطاقة الخارقة (المتوفرة وسهلة المنال) لأصحابنا، وحتما سوف تقوم بتعيين مستشارين من أهل الخبرة الروحانية وستمنحهم مرتبات سخية، وستعتمد على نبوءاتهم وأحلامهم في كل قراراتها؛ وبالتالي لا تستغرب أن تجد في كل مبنى لسفارة مرموقة أو هيئة اقتصادية ضخمة مكتبا فخما، يجلس عليه رجل أشيب ملتحي مرتديا عباءة ومسبحة وقبعة طويلة، وأمامه على المكتب تكمن بلَّورة سحرية ضخمة يحدق فيها لساعات، قبل أن ينبئ المسئولين بالقرار التالي الذي يجب أن يقوموا به، أو يمتنعوا عنه.

وعلى المستوى السياسي ستختفي الحاجة لأي جهاز مخابرات أو لألعاب الجاسوسية الحمقاء، إذ ما حاجتك (كدولة) إلى المخاطرة بأن ينكشف أمرك أو يُلقى القبض على رجالك في سبيل الحصول على معلومة، بينما يمكنك تنفيذ ما تريد بكل سهولة وأنت في منزلك؟!

بالتالي سيتم استبدال أجهزة المخابرات بغرفة صغيرة يجلس بها صاحبنا خبير البلَورة السحرية، أو ربما شيخ ماهر بتسخير الجن حيث سيمكنهم إرسالهم لاقتناص معلومة أو حتى تدمير منشأة تابعة للعدو.

في هذا الإطار لا ننسى أن العرب، الذين يملكون وفرة هائلة من الممارسين للروحانيات بأنواعها، سوف يتمكنون بسهولة من تدمير أعدائهم عن طريق تركيز عليهم طوفانا ساحقا من الأدعية والعين والحسد والسحر والجن، بشكل لا يمكن لأي نظام صاروخي أن يوقفه.

هذه الإنقلابات المتوقعة لن تقف عن مجالات معينة، بل ستمتد إلى جميع المعارف والمجالات الأخرى، وذلك حين…

4. تدخل الأرواح إلى اللعبة

يبدو أن البشر اليوم يعتمدون على أنفسهم فيما يخص البحث العلمي والمعرفي، ولكن لو كانت القوى الخارقة تعمل فلنا أن نتوقع مشاركة الأموات فيها، بأرواحهم، والفضل في ذلك سيكون لخبراء استحضار الأرواح؛ ذلك العلم الرائع الذي قد يمدنا بخبرات نادرة (ومجانية) من البشر في كل المجالات، ليس الأحياء هذه المرة؛ وإنما الموتى.

هنا لن يكون مستغربا أن ترى في القرن 21 محاضرة علمية يقوم بإلقائها المرحوم ألبرت أينشتاين بنفسه، متحدثا فيها (من خلال وسيط روحاني) عن رأيه في آخر النظريات الفيزيائية، والتي كان يتابعها بشغف من دار الآخرة؛ كما لن يكون مستغربا أن ترى حوارا صحافيا مع حمورابي أو راسبوتين أو جنكيز خان – وبالطبع سيكون لنا أن نتوقع دفقات سخية من المعلومات الجديدة التي ستكشف لنا الكثير من ألغاز المستغلق من التاريخ.

5. ولا ننسى الرياضة

لو كانت القوى الخارقة تعمل، فلن يقف التغيير عند حدود، فحتى الرياضة سيطالها تغيرات جسيمة؛ والمتوقع أن دور البطولة هنا لن يكون للمشايخ أو المتنبئين خبراء البلّورات أو محضري الأرواح، بقدر ما سيكون لأصحاب قدرات التحريك عن بعد، بالقوى العقلية وحدها، فلماذا تقف أنشطتهم عند ثني المعالق فقط، وكأن طاقة العقل الخارق لا تعمل خارج المطاعم؟!

لو كانت قدراتهم حقيقية فالمتوقع أن يكون تأثيرها أكبر من الملاعق؛ وفي مجال الرياضة مثلا فلماذا لا تقوم الأندية باستقطاب محركين عن بعد (في كرة القدم أو السلة أو التنس أو الغولف مثلا) ليقوموا بالتركيز بغرض تحريك الكرة فتطير وحدها حيث يريدون، إلى مرمى خصم هنا أو حفرة هناك، مع توفير المال والعرق في التدريب؟!

أما بعد:

وبكل جدية، فالمشكلة الأكبر لا تكمن في معتقدات الناس أو ادعاءاتهم بشأن القوى التي تحكم الوجود والطبيعة، فنحن نعلم أن العلم (وإن كان يمتلك منهجا صارما يعمل مثل ”فلتر“ لا يمرر إلا ما يحقق شروط الدليل العلمي) فإننا نعلم أيضا أن كبار العلماء عقولهم مفتوحة لاستقبال أي ظواهر جديدة أو غير مفهومة بالنسبة لهم ومناقشتها.

لكن لعل المشكلة الحقيقية تكمن في بعض الكهنة والمرتزقة والجهلاء، والذين لا يكتفون بادعاء (دون دليل) أنهم يحتكرون فهم وتفسير مفاتيح الغيب، بل يتجرأون بالقول بأنهم قادرون بكل سهولة على السيطرة على قوى كونية غامضة عجز عن فهمها كبار العلماء والفلاسفة، بل وقادرون على التحكم بها وتسخيرها لمن يدفع لهم مالا عجزوا عن الحصول عليه عن طريق امتهان عمل شريف.

هذا المقال اجتماعي ساخر.

عدد القراءات: 3٬110