علوم

ماذا يحدث لدماغك عند موتك؟

ماذا يحدث لدماغك لدى موتك

لا تزال الكثير من حقائق الحياة تشكل حاجزاً مبهماً يصعب فهمه حتى على أعظم العلماء في يومنا هذا، وما يحدث عند لحظة الموت يعتبر سراً يكتنفه الغموض، فالبحث في تفاصيل هذا الموضوع على شخص حي محفوف بالصعوبات العلمية والأخلاقية على حد سواء، ولكن دراسة جديدة نشرت في سجلات علم الأعصاب تقدم لنا بعض الأفكار الرائعة في علم الأحياء العصبي المختص في ظاهرة الموت.

لا تتشابه الحيوانات مع الإنسان فقط بنمط موت الخلايا العصبية للدماغ، وإنما أيضاً بقابلية استعادتها لوظيفتها لبعض الوقت قبل موتها، وهذا يذكرنا بأن الهدف الأساسي المرجو من هذه التجربة ليس مجرد قراءة تفاصيل حادثة ما قبل الموت، ولكن لفهم كيفية إنقاذ هؤلاء الأشخاص من الموت في اللحظة الأخيرة.

عمدت هذه الدراسة الرائدة الأولى من نوعها -التي قام بها علماء في جامعة (شاريتيه – برلين) الطبية وجامعة (سينسيناتي)- إلى فحص المرضى الذين عانوا من إصابات بليغة على مستوى الدماغ نتيجة لأسباب مختلفة، بما في ذلك حوادث المرور المروعة والسكتات الدماغية والقلبية، هذه الإصابات التي تفضي غالبا بأمر عدم الإنعاش وكذا سحب وإيقاف أية آلات طبية تبقي على حياة المريض مما يسفر عنه وفاته في نهاية المطاف.

مصدر الكثير من المعلومات التي نعرفها اليوم عن موت الدماغ هو الدراسات السابقة التي أجريت على الحيوانات خلال القرن الـ20، فعندما تحدث مشاكل على مستوى الدورة الدموية، يعاني المريض من حالة نقص الأوكسجين في الدماغ أو انقطاعه وبالتالي توقفه عن العمل، وهذا ما يعرف باسم نقص التروية الدماغية، حيث أن فقدان المكونات الكيميائية اللازمة يؤدي إلى حالة من الخمول الكهربائي الكامل في الدماغ، ودخوله في حالة سبات.

ويعتقد أن هذه الحالة من السكوت الدماغي تحدث نتيجة تجوّع الخلايا العصبية بغية الحفاظ على مخزونها المتبقي من الطاقة دون فائدة تذكر، ففي هذه الحالة تبدأ الأيونات بالتسرب والخروج من الخلايا العصبية بالإضافة إلى نفاذها من إمدادات الأدينوزين ثلاثي الفوسفات (ATP) -الذي هو مسؤول عن تخزين الطاقة ونقلها حول الجسم-.

صورة بالأشعة لدماغ بشري

كانت هذه الدراسة هي الأولى التي حققت في الموت على مستوى الدماغ البشري.

وأخيراً، تصبح قابلية شفاء هذه الخلايا واستردادها لوظائفها أمرا مستحيلاً، ويوضح الفريق في مقاله قائلاً: ”تتطور الإصابة الجسيمة التي لا رجعة فيها لهذه الخلايا في غضون أقل من 10 دقائق عند توقف الدورة الدموية تماماً“.

أعرب الفريق عن رغبته في معرفة المزيد من تفاصيل هذه الحادثة عند البشر وخصوصاً المبهمة منها، فمع الترخيص القانوني من طرف عائلات المرضى (ليس بالضرورة من هم على فراش الموت)، تم رصد ومراقبة النشاط العصبي لأدمغتهم بعناية ودقة وذلك باستخدام مجموعة من المشابك والمجسات الكهربائية، ومن ثم مراقبة المريض كلما استمرت الحالة في التقدم.

في البداية، رصدت المعدات لدى ثمان مرضى من أصل تسعة محاولة خلاياها منع الموت من الحدوث، ولكن هذا التموت لم يكن متدرجاً بل كان بشكل آني ومطلق وفي جميع مناطق الدماغ معاً، وهذا ما يعرف باسم الانتكاس غير منتشر.

تبع ذلك ما عرف بالاستقطاب المنتشر (SD) أو في بعض الأحيان يشار إليه باسم ”تسونامي الدماغ“، وهذا يتضمن تحرير كميات ضخمة من الطاقة الحرارية داخل الدماغ بانهيار التوازن الكهروكيميائي الذي يبقي خلايا الدماغ على قيد الحياة وفي حالة جيدة، مؤدياً في نهاية المطاف إلى تسمم الخلايا وتدميرها، ومن ثم عندما تستمر مستويات الأوكسجين بالانخفاض بشكل حاد ستتولد حالة من السكون وانعدام النشاط الكهربائي في الدماغ.

بعد كل هذه الحوادث المعقدة، يأتي الموت بدوره ليضع خاتمة للمشهد الحاصل، ولكن قد يصبح من الممكن تفادي الوصول إلى هذه المرحلة أو حتى عكس تأثيرها في يوم ما في المستقبل.

يقول البروفيسور (جينس دراير) المؤلف الرئيسي للبحث في مركز (شاريتيه) لبحوث السكتات الدماغية: ”إن انتشار الاستقطاب يمثل بداية التغيرات الخلوية السامة التي تؤدي في النهاية إلى الموت، ولكنها ليست علامة للموت بحد ذاتها، لأن الاستقطاب يمكن عكسه (حتى عتبة معينة) مع استعادة إمدادات الطاقة“.

ترسم بيانات هذه الورقة النقطة التي تصبح فيها إعادة إحياء الخلايا أمرا ممكناً، فهناك الكثير من البحوث التي يتعين القيام بها قبل أن يصبح هذا حقيقة واقعة، وعلى الرغم من أنّ (دراير) يعتقد أن الاستقطاب المنتشر هو مجرد فهم أولي للموضوع، تماما مثل الموت نفسه، فهو جانب من ظاهرة معقدة للغاية لا توجد أجوبة سهلة عنها.

المصادر

عدد القراءات: 1٬625