in

دخلك بتعرف برنامج فينيرا الفضائي: عندما وصل الروس إلى كوكب الزهرة

منذ 50 عاماً، دخلت المركبة الفضائية السوفيتية Venera 5 الغلاف الجوي لكوكب الزهرة.

مسبار فينيرا 9 والصور التي التقطها لسطح كوكب الزهرة.
مسبار فينيرا 9 والصور التي التقطها لسطح كوكب الزهرة.

في السادس عشر من شهر أيار/مايو عام 1969، وصل المسبار الفضائي Venera 5 إلى كوكب الزهرة بعد انطلاقه في هذه الرحلة قبل أربعة أشهر. وهو جزء من برنامج (فينيرا) Venera (والتي تعني ”الزهرة“ باللغة الروسية)، وتلك سلسلة طويلة من البعثات السوفيتية إلى ثاني كوكبٍ في المجموعة الشمسية.

رمت المركبة الفضائية الرئيسية الكبسولة المرفقة بالأدوات العلمية عند اقترابها من الغلاف الجوي لكوكب الزهرة، حيث فُتحت المظلة المرفقة بالكبسولة ووصلت إلى السطح، ثم نقلت بياناتٍ من الغلاف الجوي لنحو 53 دقيقة. وعلى مدار 23 عاماً، أي من عام 1961 إلى عام 1984، أُرسلت 18 مركبة فضائية من طراز (فينيرا)، استطاعت 13 منها نقل البيانات المتعلقة بالغلاف الجوي لكوكب الزهرة بنجاح، لكن لم تستطع سوى 10 مركبات الوصول إلى سطح الكوكب وإرسال البيانات إلى الأرض.

تُقدم اليوم بعثات برنامج (فينيرا) نافذة تتيح لنا التعرف على فترة منسية من استكشاف كواكب النظام الشمسي. ولكي نتعرف أكثر على هذه البعثات، سنتحدث في مقالتنا هذه عن مجموعة الرحلات التي قامت بها مسابر (فينيرا) على مر عقود من الزمن.

لمحة تاريخية عن المسابر الأولى:

مخطط فينيرا 1
المخطط الأولي لمسبار (فينيرا 1)، والذي نُشر في الثاني عشر من شهر شباط عام 1961. صورة: Sovfoto/Getty

طور الاتحاد السوفياتي سلسلة مسابر الفضاء Venera بين عامي 1961 و1984 لجمع بيانات من كوكب الزهرة، و(فينيرا) هو الاسم الروسي لكوكب الزهرة. أُطلق أول مسبار سوفياتي في الرابع من شباط/فبراير عام 1961 بهدف التحليق قرب الكوكب، لكنه فشل في مغادرة الأرض. وتماشياً مع السياسة السوفيتية في تلك الفترة، والتي تقتضي كتمان تفاصيل المهام الفاشلة، أُعلن عن هذا الإطلاق تحت مسمى Tyazhely Sputnik (أو الأقمار الصناعية الثقيلة)، كما عُرف أيضاً باسم Venera 1VA.

كان الهدف من المسبارين (فينيرا 1 وفينيرا 2) التحليق قرب كوكب الزهرة بدون الدخول إلى مداره. أُطلق (فينيرا 1) –والمعروف أيضاً باسم Venera-1VA No.2 وأحياناً باسم Sputnik 8 لدى الغرب –في الثاني عشر من شهر شباط/فبراير عام 1961.

نموذج محاكي لمسبار فينيرا 1
نموذج محاكي لمسبار فينيرا 1 في متحف موسكو التذكاري لعلوم الفضاء. صورة: Wikimedia Commons

فشل نظام القياس عن بعد في المسبار بعد سبعة أيام من إطلاقه، وابتعد المسبار عن كوكب الزهرة في 19 أيار. ولم يتمكن العلماء من استرجاع أي بيانات مسجلة نظراً لانقطاع الاتصال اللاسلكي قبل تحليقه حول الكوكب. يُعتقد أن المسبار مر على ارتفاع 100 ألف كيلومتر فوق كوكب الزهرة، ولا يزال في مدار الشمس. ثم التقطت بعض الإشارات الضعيفة من مسبار (فينيرا 1) في شهر حزيران بمساعدة مرصد Jordell Bank البريطاني. أرجع المهندسون السوفيات فشل المسبار إلى ارتفاع درجة حرارة حساس تحديد الشمس.

مسبار فينيرا 2 والمصير المماثل لسابقه

أُطلق (فينيرا 2) في الثاني عشر من شهر تشرين الثاني عام 1965، ولكنه عانى أيضاً من فشلٍ في جهاز القياس عن بُعد عُقب مغادرته مدار الأرض. زُوّدت المركبة الفضائية (فينيرا 2) بالكاميرات ومقياس شدة المجالات المغناطيسية وكاشفات الأشعة السينية الشمسية والكونية، بالإضافة إلى كاشفات كهرضغطية (كهر إجهادية، أي توليد الكهرباء بالضغط) والمصائد الأيونية (لالتقاط الجسيمات المشحونة) وعداد جيجر ومستقبلات لقياس الانبعاثات الكونية الفضائية.

وصلت المركبة الفضائية إلى أقرب مسار لها من كوكب الزهرة في السابع والعشرين من شهر شباط عام 1966، وعلى بعد 23810 كم من الكوكب. تم تفعيل جميع معدات مسبار (فينيرا 2) عند اقترابه من مدار الزهرة، لكن ذلك يتطلب إيقاف الاتصال اللاسلكي مع المركبة الفضائية.

كانت مهمة المسبار تخزين البيانات باستخدام مسجلات محتواة ضمنه، ثم نقلها إلى الأرض بمجرد استعادة الاتصال. فشلت المركبة الفضائية في إعادة الاتصال مع الأرض، وأعلن الاتحاد السوفياتي فقدان المركبة في الرابع من شهر آذار. وكشفت التحقيقات عن ارتفاع درجة حرارة المركبة بسبب عطل في المبرد. أطلق الاتحاد السوفياتي في أوائل ستينيات القرن الماضي عدة مسابر لاحقة للتحليق قرب كوكب الزهرة، لكن الفشل كان حليف جميع هذه المحاولات، ولم يعلن الاتحاد السوفياتي عن كونها بعثات كوكبية في تلك الفترة، فلم تندرج رسمياً ضمن برنامج (فينيرا) الفضائي.

برنامج الفضاء الأميركي المنافس

مراكب إنزال مسبار فينيرا 9
نموذج من مراكب الإنزال المستخدمة في مسباري فينيرا 9 وفينيرا 10. صورة: Sovfoto/Getty

خلال عام 1965، طلبت اللجنة المركزية السوفيتية من مكتب (لافوتشكين) إعادة تصميم برنامج المسبار الفضائي، تحديداً بعد السجل السيء لتصميم مكتب (سيرجي كوروليف) OKB-1. ومنذ عام 1958، وخلال أكثر من 20 محاولة، لم يستطع سوى المسباران (لونا 1 ولونا 2) إكمال مهامهم بنجاح. بينما استطاعت الولايات المتحدة إنزال مسبار (مارينر 2) على كوكب الزهرة، ومسبار (مارينر 4)على كوكب المريخ. وبعد سلسلة طويلة من الإخفاقات، استطاعت الولايات المتحدة إنزال مسبار (رينجر 6) بنجاح على القمر. كما أرسل المسبار (رينجر 7) بنجاح مجموعة من الصور التلفزيونية.

بدأ مكتب (لافوتشكين) برنامج اختبار شامل لمسباري (فينيرا) و(لونا)، بينما عارض (كوروليف) دائماً هذه الاختبارات، موضحاً ضرورة إجرائها فقط على المركبات المأهولة. اكتشفت الاختبارات عدة عيوب في التصميم، ففشلت مثلاً مراكب الإنزال –بعد إخضاعها لاختبار الطرد المركزي–عند تعريضها لنصف قوة التسارع G، والتي من المفترض أن يتعرض لها المسبار.

مسبار Venera 3 والهبوط على سطح الزهرة

كبسولة الإنزال الخاصة بمسبار فينيرا 5
مشهد من فيلم The Storming of Venus يوضح اختبار كبسولة الإنزال الخاصة بمسبار فينيرا 5 في جهاز اختبار الطرد المركزي. صورة: Sovfoto/Getty

كانت مهمة المركبة (فينيرا 3) هي الهبوط على سطح كوكب الزهرة. حيث احتوى الهيكل على نظام الاتصالات الراديوية والأدوات العلمية ومصادر الطاقة الكهربائية والميداليات التي تحمل شعار النبالة في الاتحاد السوفياتي.

تحطم مسبار الفضاء هذا على كوكب الزهرة في الأول من شهر آذار عام 1966، مما يجعل من (فينيرا 3) أول مسبار فضائي يصل إلى سطح كوكب آخر. ومع ذلك، فشلت أنظمة الاتصالات الخاصة به قبل وصوله إلى كوكب الزهرة.

مسبار Venera 7 والنجاح أخيراً

تجميع مسبار فينيرا 7
مسبار فينيرا 7 في منطقة التجميع والاختبار عام 1970. صورة: Sovfoto/Getty

كان مسبار (فينيرا 7) هو أول مسبار يُصمم من أجل البقاء سالماً في ظروف سطح الزهرة والهبوط الخالي من الحوادث. حيث بُني بطريقة محصنة بشكل مفرط لضمان بقائه سليماً، ولم يُجر عليه عددٌ كبير من التجارب، بل على العكس تماماً. ومع ذلك، كانت النتائج العلمية المستخلصة من المهمة محدودة، وأقل مما حصلوا عليه في المهام السابقة، وذلك جرّاء فشل لوحة التبديل الداخلية التي علقت عند وضع ”درجة حرارة الإرسال“. وبالرغم من السلبيات السابقة، نجح علماء التحكم في استقراء الضغط 90 atm من بيانات درجة الحرارة التي بلغت 465 درجة مئوية، والتي نتجت عن قياسات السطح المباشر لأول مرة.

مسبار Venera 13

في. آي. يوغوروف و إن. آي. أنتوشين إلى جانب مسبار فينيرا 13
خبراء صناعة المركبات الفضائية (في. آي. يوغوروف) و(إن. آي. أنتوشين) أثناء تجميعهم أجزاءً من مسبار فينيرا 13 في عام 1981. صورة: Sovfoto/Getty

أُطلق (فينيرا 13) في 30 تشرين الأول من عام 1981 على متن صاروخ (بروتون) من مركز بيكاونور الفضائي (الموجود حالياً في كازاخستان). حملت المركبة الفضائية على متنها العديد من المعدات، بما في ذلك مقاييس الطيف وأداة استخراج العينات من الحفر والسطح، بالإضافة وكاميرا بانورامية.

استغرقت الرحلة إلى كوكب الزهرة 4 أشهر، وهبطت عبر الغلاف الجوي للكوكب، وسقطت عبر السحب نحو السطح. ثم فُتحت المظلة، ونزل مسبار (فينيرا 13) على السطح.

هبط (فينيرا 13) بأمان في الأول من مارس عام 1982، في نصف الكرة الجنوبي من كوكب الزهرة، في منطقة يصفها معهد Lunar and Planetary Institute بأنها ”امتداد نموذجي للسهول على كوكب الزهرة“. تتميز المنطقة الواسعة المحيطة بموقع الهبوط بتدفق الحمم البركانية والبراكين ذات القبة الصغيرة، مما يشير إلى احتمال وجود سطح نشط.

وورد في مقالة نُشرت في مجلة ”أخبار العلوم“ في العشرين من شهر آذار عام 1982: ”يبدو أن موقع هبوط مسبار (فينيرا 13) أملس ولكنه محطم، ويرتفع فوق الحطام حطام آخر كثيف بأحجام مختلفة. اقترح باحثون أمريكيون عند رؤيتهم الصور أن المناطق الملساء هي إما ألواح صلبة من الصخور، أو قشرة من الجسيمات الدقيقة ملتصقة مع بعضها البعض بواسطة النشاط الكيميائي للغلاف الجوي، ويمكن أن تنقل هذه الجسيمات الدقيقة بواسطة الريح، أو ربما تعرضت للتجوية عن الصخور السفلية بسبب التآكل الكيميائي“.

زيارة قصيرة، لكنها مؤثرة جداً

سطح كوكب الزهرة
صورة لسطح كوكب الزهرة كما التقطها مسبار فينيرا 14 في عام 1982. صورة: Sovfoto/Getty

قدّم لنا مسبار (فينيرا 13) الكثيرمن المعلومات بالرغم من بقائه لمدة ساعتين فقط. حيث التقط العديد من الصور، وأرسل 14 صورة ملونة و8 صور أخرى بالأبيض والأسود.

تُستخدم الصور الملونة على نطاق واسع في الكتب والمقالات والمواقع الإلكترونية المتعلقة بكوكب الزهرة. حيث تظهر الصور القليل فقط من السماء في الزوايا، بينما تركز على السطح في الأمام. وتظهر المركبة أيضاً في أسفل الصور بالإضافة إلى أغطية العدسات المهملة.

يبدو السطح أصفراً في بعض الصور، لكن العلماء يقولون إنه من الصعب معرفة اللون الحقيقي لسطح الزهرة لأن الغيوم تُصفّي اللون الأزرق. استطاع المسبار أيضاً إعطاءنا معلومات عن فيزيائية سطح الكوكب بواسطة ذراع الحفر، وأوضحت وكالة (ناسا) التالي: ”أظهرت النتائج تشابه مزايا سطح الزهرة مع الرماد المضغوط، كالصخر الفتاتي المُتجمع من مقذوفات البراكين“. وبعد مرور 127 دقيقة على السطح، استسلم مسبار (فينيرا 13) إلى البيئة القاسية لكوكب الزهرة.

أرسل الاتحاد السوفياتي ثلاث مركبات فضائية أخرى من سلسلة (فينيرا) إلى كوكب الزهرة. حيث أطلقوا مسبار (فينيرا 14) بعد خمسة أيام، ووصل أيضاً إلى سطح الزهرة، واستمر هناك نحو 57 دقيقة. بينما دار المسباران (فينيرا 15) و(فينيرا 16) حول كوكب الزهرة معاً، وأرسلا معلومات عن الكوكب بين عامي 1983 و1984.

الهبوط على كوكب الزهرة مرة أخرى

زارت كوكب الزهرة مركبات أخرى لا تنتمي لسلسلة (فينيرا)، لكن جميع البعثات كانت بهدف الدوران حول الكوكب أو التحليق فوقه. حيث حلق مسبارا (فيغا 1) و(فيغا 2) التابعان للاتحاد السوفياتي فوق الكوكب في ثمانينيات القرن الماضي. كما أرسلت وكالة (ناسا) المركبة الفضائية (ماجلان) في عام 1989، والتي قدّمت أول خريطة عالمية عالية الدقة لسطح الكوكب. كما دار (فينوس إكسبريس) التابع لوكالة الفضاء الأوروبية حول الكوكب بين عامي 2006 و2014، حتى نفد وقوده وألقى عمداً في الغلاف الجوي للكوكب.

ومنذ بداية العام الحالي، كانت بعثة Akatsuki اليابانية تدرس مناخ وجوّ كوكب الزهرة. كما تتناقش وكالة الفضاء الروسية (روسكوسموس) ونظيرتها الأميركية (ناسا) إرسال بعثة Venera-D، والتي قد تستمر لأشهر على سطح الكوكب.

جاري التحميل…

0