تاريخ

قصة المرأة التي قامت بسرقة وبيع 5000 طفل في السوق السوداء

(جورجيا تان) Georgia Tann

عندما يقرر معظم الناس اتخاذ من حياة الإجرام والسرقة نمطا يعيشون عليه، فهم نادرا ما يفكرون في سرقة الأطفال وبيعهم، فالأطفال يبكون كثيرا كما يتطلبون عناية كبيرة، وعلى العموم يسببون الكثير من المتاعب دون شك، أضف إلى ذلك أنه من غير المحتمل أن تعرض طفلا للبيع، أليس كذلك؟

في مدينة (تينيسي) في الولايات المتحدة، كان بعض الأشخاص يفعلون ذلك بالتحديد: ابتداء من سنة 1924 إلى غاية سنة 1950، قامت (جيورجيا تان) ودار أيتام (جمعية بيت أطفال تينيسي) Tennessee Children’s Home Society بسرقة وبيع ما يقدر عدده بـ5000 طفل.

كانت دار الأيتام ووكالة التبني هذه تعمل تحت غطاء إيجاد منازل جديدة تأوي الأطفال اليتامى، سواء أحبوا ذلك أم كرهوه، وكانت تقود دار الأيتام هذه امرأة تدعى (جورجيا تان) Georgia Tann، التي كانت تبيع الأطفال، خاصة بيض البشرة منهم الذي يمتازون بشعور شقراء وأعين زرقاء.

دار الأيتام ووكالة التبني (جمعية بيت أطفال تينيسي)

دار الأيتام ووكالة التبني (جمعية بيت أطفال تينيسي).

كم قد تتوقع أن يستمر في أحدهم في بيع الأطفال المختطفين قبل أن يقبض عليه؟ سنة ربما؟ قد يستمر في فعل ذلك دون اعتقاله لثلاثة سنوات؟ تخيل أن تستطيع القيام بهذا الفعل الشنيع غير الأخلاقي لمدة 26 سنة كاملة.

استمرت (تان) و(جمعية بيت أطفال تينيسي) في بيع الأطفال البيض في السوق السوداء لمدة تكاد تكون ثلاثة عقود كاملة دون أن يقبض عليها أو يكشف أمرها، وفي هذه المدة نجحت في بيع ما يقارب الـ5000 طفل كانت قد انتشلتهم وباعتهم لعائلات جديدة.

أين كانت (تان) تعثر على هؤلاء الأطفال بالتحديد من أجل سرقتهم؟

الإجابة بسيطة للغاية: من الفقراء.

لربما شعرت (تان) أنه كان لهذه العائلات قليلة الحظ وضعيفة الدخل الكثير من الأطفال لدرجة لم يكونوا ليلاحظوا اختفاء أحد أو اثنين منهم، كما لم تكن متاحة لهؤلاء المساكين والفقراء الوسائل اللازمة من أجل تعقب والبحث عن طفل أو رضيع مفقود، وعندما كانت الشكاوي تقدم على مستوى مراكز الشرطة حول الأطفال المفقودين، كانت علاقة الصداقة القوية التي ربطت (تان) بعمدة البلدية (إدوارد كرمب) Edward Crump تضمن أن يتم تجاهل تلك الشكاوي وعدم أخذها بعين الاعتبار، بل أن الشرطة ذاتها كانت تساعدها أحيانا في انتشال الأطفال.

صورة عمدة تينيسي (كرمب)

عمدة تينيسي (إد كرمب) – صورة: Allen Snipes/AP

لم تتوقف (تان) عند السرقة من العائلات الفقيرة فقط، بل كانت تعمد إلى انتشال المواليد الجدد من السجون والمصحات العقلية كذلك، حتى الأطفال الذين ولدوا في المستشفيات لم يكونوا بمأمن منها، فقد كانت تقدم رشاوي للممرضات والأطباء على حد سواء في مصحات التوليد من أجل مساعدتها على اختطاف بعض الرضع، وأحيانا كثيرة كانوا يقومون بذلك من أجلها، ثم كان هؤلاء المتواطؤون معها يخبرون أهالي الرضع أن أبناءهم ولدوا موتى، أو ماتوا خلال الولادة.

وبمجرد أن تحصّل كل الأطفال، كانت تجني أموالا طائلة عبر بيعهم للعائلات التي لم يسعفها الحظ في الإنجاب، بل وصل بها الأمر لحد وضع إعلانات على الجرائد المحلية. بعد كل شيء… من كان ليمنعها؟

كان السواد الأعظم من الأموال الطائلة التي حققتها مصدرها عمليات التبني ما بين الولايات، فقد كان الأهالي المتبنون من أماكن على غرار (نيويورك) و(لوس أنجلوس) يدفعون أموالا طائلة تصل حتى خمسة آلاف دولار -ما يعادل اليوم 75 ألف دولار- مقابل الحصول على طفل.

بينما كانت (تان) تسبح في ثروة طائلة، إلا أنها لم تكن تحقق كل ما كان متاحا لها تحقيقه من هذه التجارة، فقد كان الأطفال تماما مثل جميع البشر معرضين للموت في أية لحظة، وفي فترة الستة والعشرين سنة التي اشتغلت فيها (تان) و(جمعية بيت أطفال تينيسي) بمهنة الاتجار في الأطفال، يقدر أن حوالي 500 طفل لاقوا مصرعهم على أيديها وراحوا ضحيتها وضحية سوء المعاملة، أو المعاملة القاسية وغير الإنسانية، حيث يرجح أنها كانت تعاملهم على أنهم سلع لا أكثر، ومع ذلك فقد كانت تحقق مداخيل خيالية.

صورة (غوردون براونينغ)

صورة العمدة (غوردون براونينغ)

دخلت تجارة (تان) مرحلة أفولها عندما تقلد (غوردون براونينغ) -وهو العدو السياسي للعمدة السابق (كرمب) الذي كانت تعتمد عليه (تان) كثيرا في التستر على نشاطاتها- منصب عمدة (تينيسي)، ولم يستغرقه الأمر طويلا حتى استشعر استفحال قضية اختفاء الأطفال هذه وأمر على إثرها بإجراء تحقيق واسع.

علمت (تان) أنه بدون (كرمب) في أعلى هرم السلطة، سيصبح لديها تأثير ونفوذ أقل مما كانت تحظى به من قبل، فقد كان هذا التحقيق الذي أمر به العمدة الجديد ليرى النور في نهاية المطاف، ويطيح بها هي و(جمعية بيت أطفال تينيسي).

إلا أن الأمر لم يحصل أبدا، حيث أن (تان) كانت قد لاقت حتفها متأثرة بمرض السرطان بعد أيام قليلة من إطلاق التحقيق في واحدة من أسوأ المصادفات في التاريخ، وبعد شهرين من ذلك، أغلقت (جمعية بيت أطفال تينيسي) إلى الأبد.

أما إذا كان هناك أي أمر إيجابي أفضت به هذه الأحداث، هو أن (جورجيا تان) ساهمت في اشتهار فكرة التبني في العالم، وأصبح الناس الآن أكثر حذرا ويعيرون اهتماما دقيقا للعملية برمتها.

عدد القراءات: 8٬548