تاريخ

دخلك بتعرف المرأة التي أنقذت 2500 طفلاً يهودياً عن طريق تهريبهم في حقائب سفر

المرأة التي أنقذت 2500 طفلاً يهودياً

من منا لم يسمع بما فعلته النازية وزعيمها (هتلر)؟ من منا لم يسمع بالهولوكوست؟

لكن، وفي ظل تلك المآسي، لا بد من أن تنبت زهرة توحي بالأمل لأولئك الضعفاء الذين لم يكن لهم لا حول ولا قوة في مواجهة هذا الظلم الذي حصل، أو على الأقل مساعدة من هو محتاج من دون النظر لعرقه أو لدينه، من منا يملك الشجاعة لنسيان كل هذه الأمور التي وُضعت لتفرق الناس والمبادرة بمساعدة الأبرياء؟ الذين لم يفعلوا أي شيء مؤذٍ سوى أنهم ولدوا في مكان خاطئ، أو على ديانة مخالفة لديانة الآخرين.

هنا تبدأ قصتنا مع السيدة (سندلر)، سيدة الحب في ظلال الحرب:

مع بداية الحرب العالمية الثانية، كان من الممنوع مساعدة اليهود، وفي (بولندا) كانت عقوبة هذا الأمر هي الإعدام، التي لا تطال الشخص وحده بل كانت تطال عائلته بأكملها أيضاً، كان هذا الأمر يعتبر خيانة عُظمى في تلك الفترة.

وعلى الرغم من كل هذا الخطر الذي كان يطوف حول من يفكر فقط بإنقاذ يهودي، خاطرت هذه المرأة بكل ما تملك ووهبت نفسها لمساعدة البشر، وانتهى بها الأمر بإنقاذ حياة 2,000 طفل يهودي تقريباً.

(إيرينا سندلر)

(إيرينا سندلر) التي أنقذت عشرات الاطفال اليهود من موت محقق.

بدأت هذه المرأة التي كانت تلقب بلقب ( أوسكار شندلر الأنثى) -أوسكار هو رجل صناعة ألماني وعضو من أعضاء الحزب النازي، أنقذ هذا الشخص حياة 1200 يهودي خلال المحرقة من خلال توظيفهم في معامله ومصانعه الخاصة- واسمها الحقيقي (إيرينا سندلر)، بدأت بأفعالها الخيرية منذ أن كانت تعمل في مكتب رعاية اجتماعية في بولندا بالمشاركة مع بضعة موظفين آخرين كانت تديرهم، حيث كانت تقوم بتزوير دفاتر ومستندات وأوراق خاصة بالعائلات اليهودية، وعلى مدى 4 سنوات قامت بفبركة 3000 وثيقة، حتى بعد أن تم إقرار عقوبة الإعدام على كل من يُكتشف أنه كان يحاول مساعدة اليهود في عام 1941.

إنضمت (سندلر) لمنظمة (زيجوتا) في عام 1943، وهي منظمة تعمل في الخفاء وتُعنى بمساعدة اليهود على الهروب من المحرقة (الهولوكوست)، انتُخبت (يولانتا) -اسمها المزيف في تلك المنظمة- لتصبح رئيسة القسم المُعنى بالأطفال اليهود، وبسبب عملها في مكتب الرعاية الاجتماعية كان يُسمح لها بالدخول إلى حي اليهود في (وارسو)، وكان الألمان قد سمحوا للأطباء بالدخول لهذا الحي أيضاً، وذلك بغرض علاج مرض التيفوئيد الذي كان منتشراً بين سكان الحي في تلك الفترة، وليس حباً باليهود وحرصاً على سلامتهم، بل خوفاً من انتقال المرض للجنود الألمان مما قد يعيقهم عن تأدية واجباتهم.

وتحت ستار تنفيذ عمليات التحقق من الأعراض ومعالجتها، كانت (سندلر) تدخل إلى هذا الحي وتقوم بتهريب الرضّع والأطفال الصغار، حيث كانت تتم همليات التهريب في أغلب الأوقات في سيارات إسعاف أو قطارات (الترام) Trams، ولكن في بعض الحالات والأوقات التي لا تتوفر فيها هذه الوسائل، كان يتم تهريب الأطفال في حقائب سفر، أو حقائب عادية.

تم تهريب 2,500 طفل بالمجمل من هذه الأحياء اليهودية، 400 طفلاً منهم على الأقل هربتهم سندلر بنفسها.

عائلات وأطفال يتم إجبارهم على الدخول إلى حي اليهود في (وارسو).

عائلات وأطفال يتم إجبارهم على الدخول إلى حي اليهود في (وارسو).

بعدها كان يتم توزيع الأطفال المهرّبين على أصدقاء منظمة (زيجوتا)، وحتى أن بعضهم كان يُوضع تحت رعاية أسر بولندية مسيحية وكانوا يُمنحون أسماءً مسيحية ويُعلّمون أيضاً الصلوات والقيم والعقائد المسيحية، وذلك في حال تم اختبار أصولهم للتأكد من أنهم ليسوا يهوداً من مبدأ الحذر خير من الندم.

كان بعض الأطفال يرسلون لدار الأيتام في (وارسو) التي تديرها مجموعة من الراهبات تحت مسمى (أخوات عائلة ماري) -ماري هي مريم باللغة العربية أي دلالة على السيدة العذراء- أو ما شابه ذلك من الدور والمدارس الكاثوليكية، كان يُعاد تسميتهم من جديد ليحصلوا أيضاً على أسماء مسيحية، وليتم تلقينهم الصلوات وتدريسهم التراث المسيحي لإخفاء أصولهم اليهودية.

كان هدف (سندلر) الرئيسي هو إبقاء الأطفال على قيد الحياة بعيداً عن أهاليهم إلى أن تنتهي الحرب ثم تعيدهم لأسرهم سالمين، لذلك احتفظت بسجلات دقيقة عن حالة كل طفل واسمه الجديد؟ ومقر سكناه؟ وقامت بإخفاء هذه السجلات في جرار مدفونة تحت الأرض.

اعتُقلت بعدها (سندلر) في نهاية عام 1943 وعُذبت بقسوة كبيرة من قبل الغيستابو Gestapo -الشرطة السريّة الألمانية النازية- ولكنها تمكنت من الحفاظ على هوية الأطفال المنقولين، ولم تبح عن أي منهم ولا عن رفاقها الذين ساعدوها على إتمام عمليات التهريب، حتى أنها تمكنت من النجاة من حكم بالإعدام، حيث قام أصدقاؤها في منظمة (زيغوتا) بدفع رشوةً مالية للضباط أثناء اقتيادها لساحة إعدامها، وعلى الرغم من أن هذا العمل الذي كانت تمتهنه كاد أن يودي بحياتها، فإنها لم تهتم ولم يثن ذلك من عزيمتها، وعادت بعد هروبها للعمل في (زيغوتا) ولكن تحت اسم مختلف.

امتهنت (إيرينا سندلر) مهنة التمريض بعد انتهاء فترة الحرب.

امتهنت (إيرينا سندلر) مهنة التمريض بعد انتهاء فترة الحرب.

استمرت (سندلر) بمساعدة الناس بعد انتهاء الحرب بامتهانها لمهنة التمريض، وعلى الرغم من انشغالها بهذا العمل فإنها بقيت تحاول الوفاء بوعدها بإعادة الأطفال إلى أُسرهم، ولكنها علمت بأن جميع الأسر تقريباً قد تعرضت للتصفية في معسكر (تريبلينكا) أو فُقدت تحت ظروف غامضة.

تم الاعتراف بـ(سندلر) بكونها واحدة من أكثر المواطنين البولنديين صلاحاً بين الأمم، وهي جائزة ظهرت في عام 1963 تُمنح للمواطنين المتميزين والخلوقين الذين اشتهروا بأعمالهم الإنسانية، ولكنها لم تتمكن من السفر لإسرائيل لتلقيها بسبب القيود التي فرضتها حكومة دولة بولندا الشيوعية على المواطنين التي تمنعهم من السفر لبعض المناطق ومنها إسرائيل، ولكنها تمكنت من الحصول عليها لاحقاً في عام 1983.

في عام 2003 كتب لها بابا الفاتيكان (يوحنا بولس الثاني) رسالة منه شخصياً ليثني على جهودها، وليقدم لها خالص شكره على ما فعلته في تلك الفترة السوداء من تاريخ أوروبا، وفي وقت لاحق من ذلك العام حصلت أيضاً على وسام أعلى مراتب الشرف المدنية في بولندا المسمى بـ(وسام النسر الأبيض)، كما حصلت على جائزة (جان كارسكي) Jan Karski للشجاعة وقوة القلب من قبل المركز الأميركي للثقافة البولندية.

صورة في عام 2009، اجتمعت (إيرينا سندلر) -الموجودة على يسار الصورة- مرةً ثانية مع بعض الأطفال الذين قامت بإنقاذهم، كلهم قالوا أنهم يدينون لها بحياتهم.

صورة في عام 2009، اجتمعت (إيرينا سندلر) -الموجودة على يسار الصورة- مرةً ثانية مع بعض الأطفال الذين قامت بإنقاذهم، كلهم قالوا أنهم يدينون لها بحياتهم.

على الرغم من حصولها على عدد لا يحصى من تلك الجوائز الإنسانية، بقيت السيدة (سندلر) متواضعةً أمام كل إنجازاتها التي حققتها للمجتمع اليهودي، وبقيت روحها تنبض بالحب والرأفة إلى أن وافتها المنية.

وفي مقابلة لها عام 2007 قالت: ”لقد تربيت على الإيمان بوجوب إنفاذ الشخص عند تعرضه للغرق بغض النظر عن جنسيته أو عرقه أو دينه“، كما قالت أيضاً: ”يزعجني بشدة مصطلح ’البطلة‘ الذي لطالما ذكر قبل اسمي، لأنني أشعر بأنني لم أقم بواجبي على أكمل وجه، لقد أنقذت القليل مقارنة بالعدد الهائل الذي كان في الحي اليهودي، كان يجب أن أنقذ عدداً أكبر ولكن للأسف لم أستطع“.

قالت هذا قبل سنة من وفاتها، توفيت السيدة (سندلر) في عام 2008 عن عمر ناهز الـ98 سنة.

عدد القراءات: 6٬937