معلومات عامة

دخلك بتعرف رسمك لدائرة بسيطة يخبر الكثير عن ثقافتك

طريقة رسم دائرة
mm
إعداد: سام ناي

قمنا بتحليل 100 ألف رسم لنستعرض تأثير الثقافة على غرائزنا.

لنقم بتمرين سريع، هل أنت مستعد؟

أرسم دائرة في الصُّندوق الموجود في الأسفل، ولا تفكِّر كثيراً بطريقة رسمها، فقط ارسمها ببساطة.

أبدأت من الأعلى أم من الأسفل؟ مع اتجاه عقارب الساعة أم بعكس اتجاه عقارب الساعة؟ تبين بيانات جديدة أن طريقة رسمك لدائرة تدل على بلد نشأتك.

في نوفمبر (تشرين الثاني) قامت شركة غوغل بإطلاق لعبة ”ارسم بسرعة“ على الإنترنت، حيث يتوجب على اللاعبين في هذه اللعبة القيام برسم أشكال عديدة ”كالجمل أو آلة الغسيل“ مثلاً. إنَّها لعبة ممتعة بشكل عام، ولكن هدفها الحقيقي هو توظيف تلك الرسوم لتعليم الخوارزميات الطريقة التي يرسم بها البشر، وبحلول مايو (أيّار) من نفس العام جمعت اللعبة أكثر من 50 مليون رسم مختلف.

قمنا باستعمال قاعدة البيانات العامة الخاصة بتلك اللعبة لكي نقارن كيفية رسم البشر للأشكال الأساسية من حول العالم، وقد توصل تحليلنا أن طريقة رسمك لدائرة بسيطة ترتبط بموقعك الجغرافي والثقافة التي تربيت عليها، وتلك الطريقة لها جذور عميقة تكونت خلال مئات السنين من اللغة المكتوبة، ولها أهمية في علم النفس التنموي وفي طرق التعليم اليوم.

الدوائر رسم عالمي:

كان للدوائر تقدير عميق عند الإغريقيين القدماء، وكانت أيضاً أساسية للفن الإسلامي وللزن والبوذية التبتية.

الدوائر هي بالفعل شكل عالمي، وبصرف النظر عن مكان ابتدائك برسمها، ليس هناك سوى طريقتان لرسم دائرة، فإمَّا أن تكون بضربة قلم واحدة مع اتجاه عقارب الساعة أو عكس اتجاه عقارب الساعة.

تحتوي مجموعة بيانات غوغل على 119000 دائرة مختلفة رسمها أشخاص من 148 بلداً مختلفاً، وتشمل إحداثيات لمسار رسمها والتي تم تتبعها من قبل كل إصبع أو فأرة كومبيوتر، وبتطبيق بعض الهندسة البسيطة على البيانات الواردة من 66 بلداً، قدم كل بلد أكثر من 100 دائرة، حددنا اتجاهات رسم الدوائر التي يفضلها سكان البلدان المختلفة.

يميل الأمريكيون إلى رسم الدوائر بعكس اتجاه عقارب الساعة، فمن ضمن 50 ألف دائرة رسمت في الولايات المتحدة الأمريكية، تم رسم 86٪ منها بهذه الطريقة، بينما يميل اليابانيون من ناحية أخرى إلى رسم الدوائر في الاتجاه المعاكس، فمن بين 800 دائرة رسمت في اليابان، ذهبت 80٪ في اتِّجاه عقارب الساعة.

وهنا نقدم لك عينة عشوائية من 100 دائرة رسمها الناس في كلا البلدين:

عينة عشوائية من 100 دائرة رسمها الناس في كل من اليابان والولايات المتحدة الأمريكية

عينة عشوائية من 100 دائرة رسمها الناس في كل من اليابان والولايات المتحدة الأمريكية

تم رسم الدوائر البريطانية والتشيكية والأسترالية والفنلندية في نفس الإتجاه، وبالنمط نفسه للدوائر الأمريكية، وكانت بعض البلدان أكثر انتظاماً، فقد قدَّم 90٪ من الرسامين الفرنسيين والألمانيين والفلبينيين دوائر مرسومة بعكس اتِّجاه عقارب السَّاعة، وفي الفيتنام تم رسم 95٪ من الدَّوائر بالكامل بهذه الطريقة.

صورة طريقة رسم الدوائر لكل دولة

طريقة رسم الدوائر لكل دولة

يبدو لنا أن الغالبية العظمى من الناس يرسمون الدوائر بعكس اتجاه عقارب الساعة، باستثناء اليابانيين والتايوانيين.

لغة للرسم:

ما الذي يمكن أن يمثل الفرق فيما أسفرت عنه هذه البيانات؟

الشيء الوحيد الذي يميز البلدان بطبيعة الحال هو لغاتها. هل يمكن للطريقة التي يكتب بها الناس من أعلى إلى أسفل، أو من اليسار إلى اليمين، أو من اليمين إلى اليسار أن تفسر لماذا يرسمون أشكالا مجردة بشكل مختلف؟

تختلف اللغات التي يتحدث بها الأميركيون الغربيون، والأوروبيون، والأمريكيون ذوو الأصول اللاتينية بالطبع على نطاق واسع، ولكنهم يتشاركون بكتاباتهم، بينما نجد مجموعات مختلفة جداً من القواعد لطريقة كتابة النصوص القادمة من آسيا والشرق الأوسط.

في ما يلي مجموعة من اللغات، وكيفية تصنيفها:

أنماط عشوائية لرسومات دوائر من بلدان مختلفة

أنماط عشوائية لرسومات دوائر من بلدان مختلفة

– النصوص المبنية على اللغة الصينية:

لنبدأ باليابانية: هناك ثلاثة أنواع من الكتابة المستخدمة في اللغة اليابانية: ”هيراغانا“، و”كاتاكانا“، و”كانجي“، وتستند ”كانجي“ بشكل وثيق إلى نظام الأحرف الصينية المعتمد على الرموز الوصفية (كالرموز المستعملة في إشارات السير كرمز ممنوع الوقوف مثلاً)، في حين أن ”هيراغانا“ و”كاتاكانا“ تعتمدان على طريقة الكتابة اللفظية، وتعد ”هيراغانا“ الأقرب إلى الأبجدية الإنجليزية، ولديها الأشكال الأكثر دائرية، ويتم رسم معظم أحرفها المتعرجة بانحناء في اتجاه عقارب الساعة: الرمز あ يشبه حرف ”A“ يكتب بهذا الشكل:

الرمز あ يشبه حرف ”A“

الرمز あ يشبه حرف ”A“

تتبع كل من النصوص اليابانية والصينية نظم كتابة صارمة، وعلى العموم يتم رسم الأحرف من أعلى اليسار باتجاه أسفل اليمين، على غرار قيامك برسم خط أفقي ثم خط عمودي، كما في الرقم ”7“، والقاعدة هي اعتبار هذين الخطين ضربة قلم واحدة، بحيث يتم استكمال الكتابة دون توقف، يقول ”تشي هوانغ“ (أستاذ خطوط وبروفيسور الرياضيات في جامعة راتغرز): ”من الممكن أن تطور اليد ميلاً طبيعياً للتحرك في اتجاه عقارب الساعة، كما هو الحال في ”了“، الذي يدل على الانتهاء من عمل ما“.

حرف ”了“، الذي يدل على الانتهاء من عمل ما

حرف ”了“، الذي يدل على الانتهاء من عمل ما

في اللغات المكتوبة على أسس الكتابة الصينية، يتم حفر هذه القواعد في رؤوس التلاميذ من لحظة إمساكهم لقلم الرصاص، مما يجعل حجة الشعوب في تايوان واليابان في رسم الدوائر على أساس نظامهم المتشابه للكتابة قوية جداً.

على الرغم من عدم وجود بيانات من الصين نفسها، وذلك بسبب حظر حكومة الصين لموقع ”غوغل“، فإن هناك بعض الأبحاث السابقة التي تدعم هذا الطرح، فقد وجدت دراسة رسم الدوائر في الصين عام 1985م أن 72٪ من أصل 151 مشارك في رسم الدوائر قاموا برسمها مع اتجاه عقارب الساعة، وربما يكون سبب ذلك اتِّجاه ضربات القلم مع اتجاه عقارب الساعة في أجزاء المنحنيات بالخط الصيني، حسب تحليل الباحثين آنذاك.

يعد التشابه بين اللغات القائمة على الصينية أقوى إذا نظرنا إلى شكل أساسيٍّ آخر من مرحلة الطفولة، وهو ”المثلث“، وإن 97٪ من المثلثات التَّايوانية، و90٪ من المثلثات اليابانية والكورية التي رسمت بضربة قلم واحدة كانت تتجه عكس اتجاه عقارب الساعة، وعلى سبيل المقارنة، فإن المثلثات في الولايات المتحدة، عندما تم رسمها بضربة قلم واحدة كانت بنسبة أكثر قليلاً من النصف بعكس اتجاه عقارب الساعة.

طريقة رسم المثلثات لكل دولة

طريقة رسم المثلثات لكل دولة

ترتيب ضربات القلم في النُّظم القائمة على الكتابة الصينية ينصُّ على أن ترسم الأقطار (كأقطار المثلث) من اليمين إلى اليسار قبل أن ترسم من اليسار إلى اليمين، وهذا واضح من الحرف الشائع ”人“، والذي يعني ”الشخص“.

الحرف الشائع ”人“، والذي يعني ”الشخص“.

الحرف الشائع ”人“، والذي يعني ”الشخص“

– النصوص التي تكتب من اليمين إلى اليسار:

هناك مجموعة أخرى كبيرة من البلدان التي قد تساعدنا على فهم الاختلافات في رسم الدوائر، فالإمارات العربية المتحدة، والكويت، والجزائر، والأردن، والمملكة العربية السعودية، وإسرائيل، والعراق، ومصر تجتمع معاً في المخطط أدناه، وتقع بدقة جنباً إلى جنب (مع تايلاند وكوريا في المنتصف).

طريقة رسم الدوائر لكل دولة

طريقة رسم الدوائر لكل دولة

تحتوي اللغة العربية على عدد كبير من المنحنيات، وكما هو الحال في العبرية أيضاً تُكتب وتُقرأ من اليمين إلى اليسار. وتميل المنحنيات في اللغة العربية في الأحرف في اتجاه عقارب الساعة، وتتبع اتجاه اليد من جهة، وتساعد على ربط كل حرف إلى الحرف الذي يليه من جهة أخرى، مثل حرفي ”النون“ و”الباء“:

حرفي ”النون“ و”الباء“

حرفي ”النون“ و”الباء“

– النصوص التي تحتوي على دوائر:

إذا نظرنا عن كثب لرسم الدوائر في المناطق المتبقية من العالم فسوف نستطيع تحديد أنماط معينة أخرى، فعلى سبيل المثال نظام ”هانغول“ الكوريِّ للكتابة مليء بالدوائر. من أصل 1500 دائرة جمعت من هناك، كانت 72% منها مرسومة بعكس اتجاه عقارب الساعة، ومن المرجح أنك ستتوقع أن كوريا الجنوبية تقع ضمن نفس المجال مع تايوان واليابان، ولكن كقاعدة المنحنيات ضمن نظام ”هانغول“ تسير بعكس اتجاه عقارب الساعة، على عكس المنحنيات في الصينية أو في اليابانية. ينتج في النهاية أن كوريا الجنوبية أقرب إلى باقي مناطق العالم الأخرى فيما يتعلق بهذا الشأن المهم.

بالنظر إلى تايلاند، حيث إن 64% من الرسوم تتجه عكس عقارب الساعة التي يكثر استخدام الدوائر في نصوصها بشكل كبير، فمن 42 حرفاً ساكناً أغلبها يبدأ في طريقة كتابته برأس يتكون من دائرة ”حبكة“ صغيرة، ومن الممكن أن تتجه هذه الرؤوس مع اتجاه عقارب الساعة أو عكسها، وإن عدد الرؤوس التي تتجه مع عقارب الساعة يفوق ضعف تلك الَّتي تعكس بجهتها عقارب السَّاعة. هنا الحرف المقابل لصوت حرف ”م“:

الحرف التيلاندي المقابل لصوت حرف ”م“

الحرف التيلاندي المقابل لصوت حرف ”م“

ماذا يمكن أن تقول عن ”البورميَّة“، أو ”الجورجيَّة“، وهما اثنتان من الأبجديات الأخرى الَّتي يكثر فيها استخدام الدوائر؟

بالنسبة لأبجدية اللغة البورمية فنعم؛ 22٪ فقط من دوائرها عكس اتجاه عقارب الساعة، بورما تشبه اليابان وتايوان. من الجيد جداً أن نميل لدعم نظريتنا بهذه المعلومة، إلا أن حجم العينة القادمة من بورما ليس سوى تسع دوائر، وبالمثل، قدَّمت جورجيا 72 دائرة فقط، لذلك يتحتم علينا الإمتناع عن احتسابهما.

– الأغلبية التي تتجه بعكس اتجاه عقارب الساعة:

تميل البلدان الخمسين المتبقية إلى رسم دوائرها بعكس اتجاه عقارب الساعة، وتستخدم كل هذه البلدان تقريباً الأبجدية اللاتينية التي ترسم من اليسار إلى اليمين وليست دائريةً بالتحديد.

إن لدى اللغة الإنجليزية ترتيب لنظام سير الكتابة أيضاً، وعلى الرغم من أنها أقل جموداً بكثير إلا أن كتابة حرفيّ ”c“ و”g“ بعكس اتجاه عقارب الساعة مراراً وتكراراً خلال الطفولة جعلت سكان معظم البلدان ذات الأبجدية اللاتينية يرسمون الدوائر بهذه الطريقة، وبطبيعة الحال، في حين أن هناك الكثير من الأدلة على أن اللغات المكتوبة يمكن أن تؤثر على طريقة رسم الناس للأشكال، فهذه النظرية لا تحتسب كل شيء، فمثلاً تستخدم فيتنام أبجدية لاتينية مثل الولايات المتحدة، ووجهت 95٪ من الدوائر عكس اتجاه عقارب الساعة، في حين رسمت هونغ كونغ؛ التي تستخدم النصوص ذات الأساس الصيني، 82٪ من الدوائر بعكس عقارب السَّاعة، وهناك تفسير محتمل آخر يكمن في هيمنة اليد، ربما هو أن الاشخاص الذين يستعملون يدهم اليمنى يميلون بطبيعتهم الى رسم الدوائر بعكس اتجاه عقارب الساعة، إلا إذا كانت نظم الكتابة الخاصة بهم تعلمهم خلاف ذلك.

لا تظهر البيانات من لعبة ”ارسم بسرعة“ إذا ما كان المستخدمون يستخدمون يدهم اليمنى أو اليسرى، مما قد يؤثر بشدة على الاتجاهات التي سيرسمون بها، ومع ذلك، لا تختلف هيمنة اليد اختلافاً كبيراً من بلد إلى آخر، ومن المرجح أن لا تكون مسؤولة عن الَّتفاوت الكبير بين تايوان واليابان، وبقية العالم.

ما هو الحال الطبيعي؟

شاع اختبار نفسي يدعى باختبار عزم الدوران ”تورك“ والذي طُوِّرَ في السبعينيات من القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية، ومضمون الإختبار إعطاء الأطفال قطعة من الورق عليها هذا الشكل: ”x x x“، وذلك لمساعدة الباحثين على معرفة أيّ يد هي المهيمنة عند هؤلاء الأطفال، حيث كان يطلب من الأطفال أن يرسموا دائرة حول كل ”x“، وأن يعيدوا الكرة باليد الأخرى، فإذا رسم الطفل كل الدوائر بعكس اتجاه عقارب الساعة (يُعتبر هذا دليلاً على أنه أيمن)، ويشخص حينها بحالة اسمها ”ليس لديه تورك“، بينما إذا رسم الطفل دائرة واحدة على الأقل مع اتجاه عقارب الساعة يطلق على الطفل بأنه ”لديه تورك“.

وفي صحيفة نشرت عام 1977، اقترح ”ثيودور بلو“ (الرئيس السابق للجمعية الأمريكية للطب النفسي، ومبدع اختبار عزم الدوران ”تورك“) بأن رسم الدوائر في اتجاه عقارب الساعة كان علامة على تشوش في التعلم والسلوك العاطفي، وقد حذر من أن الأطفال المشخصين بأن ”لديهم تورك“ قد يكونون معرضين لخطر الإصابة بانفصام الشخصية.

دحض علماء النفس في وقت لاحق ذلك الإدعاء، وقد ركز عدد قليل منهم على أثر الثقافة والتعليم تحديداً على عادات رسم الأطفال للأشكال، ونظرت دراسة واحدة بين الثقافات عام 1997 إلى الطلاب الأمريكيين في الولايات المتحدة، والطلاب اليابانيين في اليابان، والطلاب اليابانيين الذين يعيشون في الولايات المتحدة من مختلف الأعمار، وتبين أن: حوالي نصف الطلاب الذين تناولتهم الدراسة، أي 62 يابانيا من الصف الأول الابتدائي رسموا الدوائر في اتجاه عقارب الساعة، وثلث الطلاب رسموا الدوائر بعكس اتجاه عقارب الساعة، وخمس الطلاب رسموا بالطريقتين على حد سواء، بينما رسم جميع طلاب الصف السادس تقريباً دوائرهم مع اتجاه عقارب الساعة، مما بين للباحثين أن الأطفال الذين مارسوا الكتابة بشكل أكبر اتجهت رسوماتهم لأن تكون أكثر وضوحاً.

في المقابل، رسم 64٪ من الأطفال الأميركيين دوائرهم بعكس اتجاه عقارب الساعة، وهي نسبة لم تتغير إلا قليلاً في الصف السادس.

لكن الأمر لم يكن محصورا على اليابان فقط، فنظرت دراسة عام 1973 عن مختلف الثقافات إلى كيفية نسخ الأطفال الأمريكيين والإسرائيليين للأشكال في مختلف الأعمار، فوجدت أيضاً أن الأطفال الأميركيين رسموا الدوائر بأغلبية ساحقة عكس اتجاه عقارب الساعة، وكان العكس هو الصحيح في إسرائيل، حيث أقرب الأحرف إلى دائرة ”ס“ يوجه في اتجاه عقارب الساعة، وقد أخذ الباحثون ذلك بعين الاعتبار.

ومع التقدم بالسن، يصبح الأمريكيون أكثر تناسقا في اتجاه رسمهم للدوائر، حيث رسم 100٪ من المشاركين الكبار الدوائر بعكس عقارب الساعة، بينما في إسرائيل، رسم 70٪ من المشاركين من مختلف الأعمار الدوائر على العكس.

وتُظهر هذه الدراسات مجتمعة أن الثقافة والكتابة اليدوية لا تشكل الطريقة التي يرسم بها الناس الأشكال المجردة فحسب، بل إنها تشير أيضاً إلى أن اتجاهاتنا تزداد قوة بمرور الوقت، وكلما كتبنا أصبحت عاداتنا متأصلة.

أصبح لدينا الآن، مع 90000 دائرة تم جمعها من مختلف أنحاء العالم لنفس الغرض، مجموعة بيانات أكبر بكثير، وأكثر تناسقاً مما يمكنه أن يدعم ما أظهرته كل من هذه الدراسات على نطاق صغير.

القواعد التي تكوّن العادة:

إذا كانت لغتك الأولى هي الإنجليزية، فأنت غلى الأغلب قد نسيت أيام الدراسة الأولى الخاصة بك، تلك التي قضيتها تحمل قلم الرصاص بطريقة غريبة، ونسيت أيضاً طريقة تشكيلك للحروف الكبيرة والصغيرة على الطريقة الموصى بها، بينما في بعض اللغات هذه القواعد ليست ذكريات قديمة، ولكنها ذات أهمية قصوى للكتابة، ولكن في اليابانية والصينية على سبيل المثال، يعد أمر ترتيب ضربات القلم عنصراً أساسياً في وضوح الكتابة ومقروئيتها، ومن الممكن أن يشير ذلك إلى مستوى التعليم.

وقد تطور ترتيب ضربات القلم الصيني الحديث من الصينية التقليدية التي كانت النظام السائد في سلالة هان، وكانت الكتابة تأخذ وقتاً طويلاً جداً، ولذلك كان الناس يحاولون أن يجدوا طرقاً أسرع للكتابة، فتطوروا نظام الكتابة إلى عدة أنواع أخرى متفرعة عن الأصلية، وانتهى هذا التطور إلى الشكل الحالي للكتابة الصينية، وبحسب الخطاط ”هاونغ“ فإن استخدام الفراشِ الناعمة للكتابة قد يكون المؤثر الأكبر على بعض قواعد ترتيب ضربات القلم المعاصرة.

تعتمد اليابانية على نفس المبادئ التوجيهية لترتيب ضربات القلم كما الصينية، وفي عام 1958 وضعت وزارة التربية والتعليم اليابانية قواعدا لطريقة الكتابة، حيث كان هدفها خلق نظام ثابت يجنِّب الارتباك. (تم في الوقت الحالي تخفيف القواعد).

يقول ”تومويو كاميمورا“ (مدير مركز اللغة في منظمة ’المجتمع الياباني‘): ”الطريقة التي أحرك بها الفرشاة أو القلم فعالة جدا، وأعتقد أنها جميلة أيضاً“، ويضيف على ذلك: ”يكتب بعض البالغين بشكل خاطئ تماماً، لكننا لا نشجع على ذلك نهائيا، فنحن نعتبر هؤلاء الناس غير متعلمين“.

في يومنا هذا، يتمُّ تعليم الأطفال الأمريكيين بشكل متزايد طريقة الطباعة التي تدعى بالكتابة اليدوية من دون دموع، وهي طريقة تعزز ”C السحرية“، والمقصود بها المنحنى بعكس عقارب الساعة الذي يستخدم لكتابة الحروف c وo وg وq، من بين الحروف الأخرى، ولذلك فإن أي مدرسة أمريكية قد تشجع على رسم الدوائر بعكس اتجاه عقارب الساعة، لا سيما الأطفال الأصغر سناً، وذلك لمساعدتهم على تكوين المهارات الحركية الكامنة الَّتي يحتاجون إليها لكتابة أحرفهم الأولى في وقت لاحق.

هناك عوامل أكثر مما قد يتصور أحدنا بكثير تؤثر في رسم الأشكال البسيطة، فمثلاً هنالك إشارات وحركات عدها علماء النفس الأمريكيون طبيعية، وصحيحة، ولكنها في نفس الوقت قد تبدو غريبة، وغير مقبولة حتى بالنسبة لمتحدث أصلي باليابانية.

الشكل الذي يعبر عن هويتنا:

هنالك طرق لا تعد ولا تحصى نحمل بها؛ دون إدراك وبشكل ثابت، ثقافتنا معنا، كالطريقة التي نرسم بها، والطرق التي نعد بها على أصابعنا، والطرق التي نقلد بها الأصوات في العالم الحقيقي، على سبيل المثال لا الحصر، ويعد هذا الأمر منبعاً للسرور في قلب هذه المجموعة الضخمة من البيانات، ولاختبار نظرياتنا قمنا بالتقرب من الزملاء والأصدقاء والعائلة الذين يكتبون باليابانية، والعربية، والعبرية، والصينية، والتايلاندية والفيتنامية، وطلبنا منهم رسم الدوائر، وهم بدورهم وافقوا بكلِّ سرور على المشاركة، وكان ذلك نابعاً من تساؤلهم عما سترسمه أصابعهم، وحرصاً منهم على الشعور بالانتماء لشيء أكبر.

ولكن لا يزال هناك الكثير من الأشياء التي لا نعرفها، وقد أخذ الاهتمام في رسم الأشكال يقل يوماً بعد يوم في علم النفس، وباستثناء واحد، كانت جميع البحوث التي عثرنا عليها حول الرسم الثقافي للأشكال واختبار ”تورك“ تعود لما قبل عام 1997.

يتواصل الناس، وعلى نحو متزايد في يومنا هذا، في جميع أنحاء العالم عن طريق الكتابة بالنقر على لوحة المفاتيح، ففي الوقت الذي سيُفقد فيه فن الكتابة اليدوية بشكل كلي، لربما بدأنا بالفعل بتشكيل محصول جديد كلياً من الاختلافات الثقافية للكتابة على لوحة المفاتيح.

مقال من إعداد

mm

سام ناي

المصادر

عدد القراءات: 4٬343