خسة

الإمتحان الطبي الموحد! بتحداك تعرف يا حربوق

الإمتحان الطبي الموحد

ما يقارب الثلاثة أشهر من الدراسة والتعب اليومي لتخطِّي الحاجز الأخير في كلية الطب البشري في جامعات سوريا العامة والخاصة: ”الامتحان الطبي الموحد“! علماً أنّه الحاجز الأغرب والأصعب لعدم وجود منهاج واضح تقوم بالتحضير منه!

ثلاثة أشهر من محاولة الحصول على معلومة صحيحة بسبب اختلاف المعلومات بين الملخصات المختلفة والآراء المتضاربة في كل مرض أو عرض، وبعد هذه المعاناة تجد أن أسئلة الدورات تختلف عنها جميعاً لنفس السبب السابق!

فمن أُسُس الامتحان أن يكون هنالك منهج تُمتَحن به، لكن هذا لا يوجد بمنطق مركز القياس والتقويم في سوريا ومنطق المدير العام له الدكتورة ميسون الدشاش!

مركز القياس والتقويم مركز عريق جداً، فقد تأسَّس منذ عام 2012 ومن بعض مسؤولياته امتحان الطلاب قبل تخريجهم رسمياً. فعلى مدى السنة ونصف الماضية دارت الكثير من النقاشات حول إلغاء هذا الامتحان في مجلس الشعب، كما خُصِّصَت أكثر من مقابلة على التلفزيون السوري لنقاش هذا الامتحان ومدى أهميّته وتصدّى المركز ببسالة لكل الإنتقادات بإذنٍ من طين وأُخرى من عجين.

كما تم عقد أكثر من جلستين في مختلف المحافظات للنقاش بسبل تطوير هذا الفحص الذي يوصف بأنَّه ”معياري“، وفي نهاية المطاف اتفقوا على وضع بنك للأسئلة يُوزَّع على الطلاب (يعني كل شي إلا إنو يكون في منهاج واضح، ما بصير!)

نعود للثلاثة أشهر من التعب لاجتياز الامتحان الذي يُعنى بالمعلومات التي يجب على الطبيب العام الإلمام بها في أمراض الهضمية والصدرية والقلبية والكلوية وأمراض الدم وطب الأطفال …إلخ (وأشدِّد وأُؤكد على أنّ الهدف هو أن يتخرّج الطالب كطبيبٍ عام من جامعات سورية، وليس أستاذاً بروفيسوراً درجة عبقري في علوم الأدوية والطب البشري والبيطري والكيمياء والنفس والنانو تيكنولوجي والبايولوجيا الجزيئية للكائِنات التي لم تتطور بعد من الجامعة الناتجة عن تزاوج جامعة هارفارد مع جامعة أوكسفورد).

وبعد التعب والتحضير أتت الأسئلة على غير المتوقع (هو متوقع بصراحة بس يعني كرمال التشويق). فجاء الامتحان بأسئلة غريبة عجيبة وإليكم لمحة عن أهم الأساليب المتبعة لوضع أسئلة منطقية تخدم حل المشكلة المطروحة والمعلومة المُراد الوصول إليها:

1. أسئلة من نمط ”بتعرف بس ما في تحل“:

وهذا النمط تميز به مركز القياس والتقويم منذ تأسيسه، إذ يرتكز على إضافة عبارات متل ”أندر“ و”قليلاً“ و”فقط“ و”يمكن“ و”قد“. والهدف منها تمييع المعلومة على عقل القارئ فلا يفهم المراد والمقصود منها هل يأخذها بعين الاعتبار أم لا؟ هل يعتبرها صحيحة أم خاطئة؟ حزَّر فزَر.

2. أسئلة من نمط ”اختر الإجابة الصحيحة علماً أنه يوجد إجابتان صحيحتان“:

هذا من أشيع وأكثر الأنماط توارداً فهو يقيس قدرة الطالب على التقريب والتبعيد والرمي والتوكّل على الله تحت شعار: ”ما رميت إذ رميت ولكن هاد اللي طلع معي!“

3. أسئلة صديقة:

وهي أسئلة تأتي من مجرات صديقة لمجرة درب التبانة ترمز للتآخي الكوني وروح الود الطبية بين مختلف الكائنات الفضائية، فتأتي على سياق كل ما يلي لن تعرفه ولم يُذكر في منهاجك ولا على كوكب الأرض ولكن اشلفلك جواب وخلصنا بلكي بتربح هاليانصيب.

4. أسئلة من نمط ”هذا ليس مهماً لك بس نحنا هيك ارتأينا“:

وهذا النمط كان له نصيب الأسد لما له من دقة في قياس المستوى البصمي للطالب وقدرته عن الابتعاد عن الخطوط الأساسية، والغوص في أعماق المحيط القياسي التقويمي والخروج حَجرَة صغيرة عادية… كنتو مفكرين لؤلؤة صح؟

فتبتعد الأسئلة عن كل الأمراض العامة والشائعة جداً والتي يعاني منها أغلب رواد المشافي والمقاهي وتقترب من الأسئلة الاختصاصية والحالات النادرة، التي يصرِّح الأساتذة في الكليات أنهم لم يروا منها سوى حالة أو حالتين خلال مسيرتهم المهنية الكاملة.

5. أسئلة من نمط ”بتحداك تعرف يا حربوق“:

وهنا يأتي السؤال على شكل خيارين يتعلقان بنص السؤال، وثلاثة خيارات لا تمت للنص أو للمرض بأي صلة. والجواب حكماً له تفسير في كتب السيرة النبوية فليش التذمُّر؟!

6. أسئلة من نمط ”اختر الإجابة الخاطئة علماً أنَّه يوجد إجابتان خاطئتان على الأقل“:

تم توضيح هذا النمط في البند (2) مع مراعاة الاختلاف بين الصح والغلط (إذا بتقدر تعرف الصح من الغلط أساساً).

7. أسئلة من نمط ”منعرف هاد السؤال ينتمي للفحص القادم بس معلش جاوب هلأ لنشوف“:

في هذا النمط يأتيك السؤال عن الجراحة في فحص الداخلية مثلاً، أو سؤال عن طب الأطفال في فحص الهضمية، أو سؤال عن رأيك بالماورائيات قبل ما تطلع لورا! وهكذا…

8. أسئلة من نمط ”حظَّك نصيبَك… قرِّب جرِّب“:

أما في هذا النمط فلكل نموذج أسئلة مختلفة، فمن الممكن أن يتم تغيير نص السؤال من ”كل مما يلي“ إلى ”كل مما يلي عدا“، ورغم هذا الاختلاف الساحق الماحق لطبيعة السؤال فإن الخيارات تبقى على حالها للسؤالين.

فالتعجيز فن، والمركز التقويمي فنان بشكل أو بآخر.

ومن الممكن الاحتفاظ بنص السؤال ولكن بشرط تغيير الإجابة الوحيدة الصحيحة بأخرى غير صحيحة لتحدي الطالب على أن يأتي بمثله (الإشارة التاريخية هون بظنها واضحة ما؟)

9. في هذا النمط يتم تكرار السؤال ذاته في نفس الصفحة ولكن بعمودٍ مختلف، بإشارة واضحة إلى أنّه لم يتم مراجعة وتدقيق الأسئلة الموضوعة لأكثر من 2000 طالب يتعلّق مستقبلهم بهذا الامتحان.

يُعرف هذا الفحص بين الطلاب باسم الفحص الوطني على الرغم أنَّ اسمه الرسمي هو الامتحان الطبي الموحد، ولكن يبدو أن الطلاب لم يُحرِّفوا الاسم عن عبث، فهذا الفحص يأتي قُبيل التخرج كرمز وطني للتذكير بانعدام المنطق أو المنهجيّة المتبعة على مدى سنين دراستهم، وترسيخ لمبدأ عدم الاهتمام وإهمال تعب الطلاب بل ونكرانه على امتداد وطننا الحبيب. وكدافع قوي جداً للتأكيد على أهمية الهروب ومحاولة التخصص في بلاد الهونولولو، التي تتمتع بمحبة كبيرة في قلوب الطلاب ويتم ذكرها يومياً على مدار الامتحانات والسنوات السابقة.

ملاحظة: هذا المقال ساخر ولا يُقصد منه الإهانة رغم أنَّ ما حصل إهانة وإجرام حتى، وكل ما أتى به لا يخلو من المبالغة قليلاً ولكنَّه في الوقت ذاته مقصود ومَعني، وقد صيغت أفكاره بموافقة ما يقارب 100 طالب من مختلف جامعات سوريا، قد تقدموا جميعاً إلى هذا الامتحان وشهدوا تطبيق هذه الأساليب حرفياً.

كمان ملاحظة: المقال كُتِب بأسلوب السخرية لأنَّ الواقع أغرب من الخيال! فهو ليس ساخراً فقط بل مُضحِك ومُبكي أيضاً.

للمزيد يُرجى القراءة والمشاركة على الهاشتاغ التالي: #مركز_القياس_بدو_تقويم

عدد القراءات: 4٬385