اجتماعيات

الحقيقة المرة حول العبودية التي ماتزال قائمة ومنتشرة في دولة موريتانيا إلى يومنا هذا

السوق المركزي في نواقشوط.
صورة: Seif Kousmate

رغم كل سياسات النفي والتجاهل التي تنتهجها الحكومة الموريتانية، فإن العبودية والاسترقاق ما تزال قائمة وموجودة إلى يومنا هذا. استندنا في مقالنا هذا اليوم، الذي يسلط الضوء على هذه المعاناة الشديدة التي يعيشها ”العبيد“ –لا نكاد نصدق أننا نستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى بشر أحياء في يومنا هذا في سنة 2018– في موريتانيا، على أعمال المصور الإنساني (سيف كوسمات) الذي أمضى شهرا كاملا في تصوير وكذا إجراء الحوارات واللقاءات مع عبيد وعبيد سابقين في موريتانيا، وبينما كان هناك، اعتُقل من طرف السلطات وسُجن وحُجزت كل شرائح الذاكرة خاصته بالإضافة إلى هاتفه وحاسوبه الشخصي.

تابعوا معنا القراءة أعزائي القراء لمعرفة المزيد عن هذه التجاوزات الإنسانية الخطيرة الحاصلة في موريتانيا:

أعلنت دولة موريتانيا في سنة 1981 عن منعها رسميا للاستعباد وتجارة الرق واعتبرتها عملا مخالفا للقانون يتابع مرتكبه قضائيا ويعاقب على إثر ذلك –غير أن ذلك لم يكن إلا إعلانا ظاهريا وادعاء واهيا–، مما يجعلها آخر دولة في المعمورة لتتخذ هذه الخطوة، غير أن عشرات الآلاف من البشر –معظمهم من مجموعة الأقلية السكانية التي تعرف باسم ”الحراطين“ أو من الأفريقيين الموريتانيين– يعيشون تحت وطأة الاستعباد، فتجدهم يُستغلون في المزارع، وكخدم شخصيين في المنازل، أو كعبيدَ جنس.

تقدّر المجموعات الحقوقية المحلية أن نسبة 20 في المائة من سكان موريتانا عبيد، مع كون واحد من كل اثنين ممن ينتمون إلى الحراطين عبدا مأمورا يُستغل في الحقول أو في المنازل دون أدنى حرية أو تعليم أو حتى أجرة ينالها عن عمله الذي يقوم به (بعضهم لا يستوعب حتى مفهوم النقود أو المال!).

لدى العبودية تاريخ طويل في هذا البلد الصحراوي الشمال أفريقي، لعدة قرون مضت غزت مجموعات ”الموريين“ –المغاربة من البربر الذين يتكلمون العربية– القرى الأفريقية مما نجم عنه نظام طائفي وطبقي قاسٍ مازال قائما إلى يوم كتابة هذه الأسطر، وهو الذي جعل سكان البلد من ذوي البشرة الداكنة يعتبرون أنفسهم ملكية لـ”أسيادهم“ من ذوي البشرة الفاتحة.

تتوارث العبودية في عائلات العبيد أبا عن جد، فمن وُلد لعبد يعيش ويبقى عبدا هو الآخر، كما أن كل حركة حقوقية نضالية من أجل منع العبودية وتجريمها يتم قمعها وتعذيب الناشطين فيها وسجنهم، وما زالت الحكومة الموريتانية مع كل هذا تنفي بشكل مستمر ممارسة الاستعباد في البلد، وبدل ذلك لا تتوانى في كل مرة عن مدح نفسها والثناء على مجهوداتها الجبارة المزعومة في القضاء على العبودية!

يأمل أفراد منتمون إلى أكبر منظمة لمناهضة العبودية والاستعباد في موريتانيا بأن ينجحوا في حلول محل الأغلبية العربية الأمازيغية في حكومة البلد خلال الانتخابات الوطنية القادمة، وكان قائدهم (بيرام ولد عبيد) –وهو من مجموعة الحراطين السكانية الذي قبع في السجن لسنوات عديدة قبل أن يخرج أخيرا ويحقق مرتبة الوصافة في الانتخابات الوطنية السابقة التي جرت في سنة 2014– قد نذر على نفسه إزاحة الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد عبد العزيز، الذي وصل إلى قمة هرم السلطة في سنة 2008 نتيجة انقلاب نفذه على الرئيس السابق وقام بعدها بحل مجلس الأمة في خطوة نحو توسيع سلطته ونفوذه في البلاد إلى أبعد الحدود.

(فاطيماتو) وابنتها (مْباركة)

(فاطيماتو) وابنتها (مْباركة)

كانت (فاطيماتو) وابنتها (مْباركة) في الصورة أعلاه أَمَتين لعائلة تقطن منطقة (ألاك) التي تبعد حوالي 250 كلم عن العاصمة نواقشوط، تقول (فاطيماتو): ”كانوا ينادونني باسم ’فاطمة الخادمة‘، لقد كنت أعتني بالماشية وأحضر الطعام وأسقي الماء من البئر“، وتستطرد في سرد معاناتها: ”فقدت ولدين اثنين بسبب هذه العائلة لأن أفرادها منعوني من الاعتناء بهم. أُجبرت على العمل بينما لم يمض سوى وقت وجيز على إنجابي لولدي الأخير“.

تم عتق (فاطيماتو) مع أبنائها في أوائل تسعينات القرن الماضي من طرف منظمة SOS Slaves أو ”أنقذوا العبيد“، وهي تعيش اليوم مع عائلتها في أحد أحياء الطبقة العاملة في العاصمة نواقشوط.

(هابي) التي كانت أمة في ما مضى برفقة شقيقها بلال.

(هابي) التي كانت أمة في ما مضى برفقة شقيقها بلال – صورة: Seif Kousmate

يقف في الصورة أعلاه كل من بلال وشقيقته (هابي) اللذان كانا عبدين في السابق بالقرب من ورشة بلال خارج العاصمة نواقشوط، وكان هذان الشقيقين عبدين لعائلة تعيش شرق العاصمة، لكن بلال هم بالفرار فجأة بعد أن ضربه ”سيده“ ذات مرة ضربا مبرحا، وبعد عدة محاولات لإنقاذ شقيقته، التي كانت ضحية الاستغلال الجنسي والأعمال الشاقة، نجح أخيرا في تحقيق مسعاه بمساعدة منظمة ”أنقذوا العبيد“ في سنة 2008.

يعيش اليوم الشقيقان في حي فقير جدا على أطراف العاصمة نواقشوط، ومع مساعدة تلقاها من طرف بعض الناشطين الحقوقيين، تمكن بلال مؤخرا من فتح ورشة لتركيب العجلات وتصليحها.

السوق المركزي في نواقشوط.

السوق المركزي في نواقشوط – صورة: Seif Kousmate

تعتبر موريتانيا جسرا يربط بين المغاربة العرب في شمال أفريقيا وأفريقيا الصحراوية التي يمتاز سكانها ببشرتهم الداكنة. يحظى العرب-الأمازيغ من النخبة في البلد بتقلد مناصب مرموقة ذات دخل أعلى كما يتقلدون مناصب مختلفة ضمن الحكومة، بينما يعجز الحراطين ذو البشرة الداكنة والموريتانيون الأفريقيون من نيل حتى مناصب شغل محترمة، وهم يعانون الأمرين ويواجهون العديد من العراقيل في المجتمع، بدءا من الحق في التعلم والتمدرس وصولا إلى نيل وظائف تدرّ مداخيل محترمة لتوفر لهم العيش الكريم.

امرأة حرطانية تبيع الأنسجة في السوق الرئيسي في مركز العاصمة نواقشوط. نساء حرطانيات يتعلمن الحياكة في إحدى ورشات منظمة "أنقذوا العبيد" في العاصمة نواقشوط.

في الأعلى نساء حرطانيات يتعلمن الحياكة في إحدى ورشات منظمة ”أنقذوا العبيد“ في العاصمة نواقشوط، وفي الأسفل امرأة حرطانية تبيع الأنسجة في السوق الرئيسي في مركز العاصمة نواقشوط – صور: Seif Kousmate

يتولى الحراطين العديد من الوظائف التي يعتبرها العرب-الأمازيغ منحطّة أو دون المستوى، على غرار العمل في الأسواق المحلية، وتفتتح منظمة ”أنقذوا العبيد“ الإنسانية العديد من الورشات على طول البلاد لفائدة هؤلاء من أجل تقوية النساء الحرطانيات اللواتي يكون معظمهن عاطلات عن العمل وفي فقر مدقع وأميات تماما.

تخصص بعض هذه الورشات خصيصا لتعليم العبيد المعتوقين حديثا حول مفهوم المال وماهيته وفوائده وكيفية استعماله واستغلاله، بينما تختص ورشات أخرى في تعليم النساء الحرطانيات حِرَفا ومهارات عديدة على غرار النسيج والحياكة، مما قد يساعدهن مستقبلا على جني بعض المال لأول مرة في حياتهن.

(مبروكة) ذات العشرين عاما، اجتثت من بين ذراعي والدتها عندما كانت لا تزال طفلة صغيرة واستعبدت هي الأخرى منذ ذلك الوقت.

(مبروكة) ذات العشرين عاما، اجتثت من بين ذراعي والدتها عندما كانت لا تزال طفلة صغيرة واستعبدت هي الأخرى منذ ذلك الوقت – صورة: Seif Kousmate

كانت مبروكة، التي تبلغ من العمر عشرين سنة الآن، مجرد طفلة صغيرة عندما أُخذت من بين أحضان والدتها لتصبح عبدة هي الأخرى ولتخدم إحدى العائلات القاطنات في منطقة (روصو) الواقعة في الجنوب الغربي للبلد. كانت في إحدى المرات تطهو الطعام لـ”أسيادها“ وعمرها لم يتجاوز إحدى عشر سنة عندما تعرضت لحروق بليغة على مستوى ذراعها الأيسر.

مازالت تعاني من ألم تلك الإصابة إلى يومنا هذا، ولم يكن حتى سنة 2011 حيث تم عتقها وعمرها آنذاك أربعة عشر عاما لكنها لم تتمكن أبدا من ارتياد المدرسة. تزوجت عندما بلغت سن السادسة عشر وهي الآن أم للطفلتين: مريم البالغة من العمر أربعة سنوات، و(خادي) البالغة شهرين من العمر.

امرأة مقيمة في حي (ترحيل) خارج ما تعتبره بيتا لها.

امرأة مقيمة في حي (ترحيل) تقف خارج ما تعتبره بيتا لها – صورة: Seif Kousmate

تقف هذه المرأة خارج منزلها في حي (ترحيل) حيث تم ترحيلها حرفيا من طرف السلطات بعد قيام هذه الأخيرة بهدم الحي القصديري الذي كانت تقطنه في (دار نعيم) من أجل إفساح المجال أمام تشييد طريق جديد في المنطقة، وهي امرأة متزوجة وأم لطفلين تقتات على بيع البسكويت الذي تحضره في المنزل للمارة، بينما يمتهن زوجها أعمالا صغيرة مختلفة في المدينة، تقول: ”لو أننا كنا نملك المال الكافي، لكنا استأجرنا غرفة في نواقشوط. هنا نحن لا نملك حتى الماء، ويتعين علينا من أجل التزود به أن ندفع المال لأصحاب العربات ليجلبوه لنا“.

يوسف ذو الثمانية عشر ربيعا

يوسف ذو الثمانية عشر ربيعا – صورة: Seif Kousmate

يمتهن الحراطين أعمالا ومهنا خاصة بطبقتهم الاجتماعية دون غيرها، ومن هذه المهن نجد القصابة وجمع النفايات، تظهر الصورة أعلاه يوسف ذو الثمانية عشر عاما الذي يتمدرس في السنة الثالثة من التعليم الثانوي في نواقشوط، ويعمل بضعة أيام في الأسبوع في جمع القمامة من أجل مساعدة ودعم عائلته. يعمل أيضا بعض الرجال الحرطانيين داخل المسالخ من أجل تحضير لحوم الأنعام لبيعها في سوق نواقشوط،

وُلد المدعو (مكتار) عبدا لعائلة عربية-أمازيغية حيث أُجبر إلى جانب والدته وشقيقه على العمل في سن مبكرة جدا، وفي سنة 2012 نجح بعد عدة محاولات في الهرب من العبودية والتقى أحد الناشطين الحقوقيين ينتمي لحركة مناهضة العبودية، حاول بعدها تحرير أمه وشقيقه لكنهما رفضا الرحيل معه والانضمام إليه، بل أن والدته قامت حتى بنقد قراره بالفرار وشهدت ضده إلى جانب ”أسيادها“.

يقول (مكتار): ”عندما كنت طفلا صغيرا، كانت والدتي تذكرني كل ليلة بأنه يجب علي أن أحترم ’أسيادي‘، لأن مقامهم وطبقتهم أرفع من طبقتنا، ولأنهم مقدسون“. بدأ (مكتار) بارتياد المدرسة عندما كان يبلغ من السن 13 سنة وهو يأمل في أن يصبح محاميا حتى يتمكن من الدفاع عن حقوق الحراطين المضطهدين.

مريم –في اللباس الأزرق–

مريم –في اللباس الأزرق – صورة: Seif Kousmate

تعيش مريم –في اللباس الأزرق– في (زنباه)، وهي قرية صغيرة تتكون أساسا من عبيد سابقين. في سنة 2014، وعلى أعقاب وفاة والدهم، عمد أبناء أحد مالكي العبيد، وهو الشيخ محمد، بتحرير أربعة نساء وأبنائهم: مريم وعيشة وميرين، فرّ جميعهن مع أبنائهن وأحفادهن واستقريّن بالقرب من مورد ماء. هن الآن يعيشن في فقر مدقع، لكنهن يعشن في حرية على الأقل.

تظهر الصورة سلمى على يمين الصورة اليسرى مع ابنتها (يما) وأحفادها، ويظهر ابنها المدعو (سالك) في الصورة على اليمين، ولد (سالك) عبدا لأن والدته سلمى كانت عبدة لعائلة أمازيغ بيض البشرة – صور: Seif Kousmate

عاشت سلمى وخدمت عبدة لمدة تنوف عن النصف قرن لعائلة ”موريين“ بيض في شمال منطقة (شقار) الموريتانية، كما وُلد أبناؤها عبيدا هم الآخرون.

في سنة 2013، أُعتقت سلمى وابنتها (يما) على يد ولديها بلال و(سالك) في الصورة أعلاه اللذان هربا من العبودية قبل بضعة سنوات سابقا، لكن (يما) كانت تهرب من الحرية عائدة إلى عائلة ”أسيادها“ مرتين متتاليتين! اليوم هي متزوجة وأم لطفلين. تعيش كل من سلمى و(يما) وأشقاؤها مع بعضهم البعض في حي قصديري في (دار نعيم).

(عيشاتو مينت مبارك)

(عيشاتو مينت مبارك) – صورة: Seif Kousmate

كانت (عيشاتو مينت مبارك) عبدة، لأنها ولدت عبدة عن أبوين عبدين، تعيش في منطقة (روصو) وتماما مثل شقيقتها، انتُشلت هي الأخرى من عائلتها ووالدتها وأهديت إلى أحد أفراد عائلة أسيادها لتكون خادمة له. تزوجت في منزل أسيادها وحظيت بثمانية أطفال الذين أُخذ من بينهم إثنان وتم بيعهم لعائلة أخرى ليخدموا عبيدا هناك.

في سنة 2010، تمكنت شقيقة (عيشاتو) من تحريرها بمساعدة حركة مناهضة العبودية بعد أن كانت هي نفسها قد هربت من ”أسيادها“ لأنهم في إحدى المرات سكبوا جمرا لاذعا فوق رضيعها مما تسبب في مقتله. تعيش (عيشاتو) اليوم حرة مع أطفالها الثمانية في نواقشوط.

(جابادا) في الصورة أدناه، ينوف عمرها عن السبعين سنة، كانت قد هربت من استعباد سيدها ومعاملته السيئة لها بعد أن قام في إحدى المرات بربط كلتا يديها إلى أحد أعمدة الخيمة مما تسبب في بتر أحد أصابعها وتشوه البقية، وهي تعيش اليوم عاجزة عن استخدام يديها.

(جابادا) – صورة: Seif Kousmate

بعد الحادثة، اصطحبتها عائلة أخرى واعتنت بها وساعدت على شفاء إصابتها وبقيت معها إلى أن أعتقتها في ثمانينات القرن الماضي، وهي تعيش اليوم مع أبنائها وأحفادها في أحد الأحياء الفقيرة في العاصمة نواقشوط.

المصادر

عدد القراءات: 1٬368