in

العيش على الضوء: قصة مذهب التنفسية الغريب

هنالك بعض الأمور في الحياة التي يبدو أن لا مفر منها، حقائق حياتية لا نقاش فيها من طبيعتنا البيولوجية نفسها، ومن بين هاته أنه يجب علينا تناول الغذاء والماء من أجل البقاء على قيد الحياة. بدون شك، قد تعتقد في نفسك عزيزي القارئ أن هذا الأمر مسلّم به، ولا يحتاج إلى الإشارة إليه حتى يُفهم.

مع ذلك، إذا كنت تقرأ هذه الأسطر وتتساءل عما دفعنا إلى الإشارة إلى أمر بديهي مثل كوننا نحتاج إلى الغذاء والماء للبقاء على قيد الحياة، فأنت على الأرجح لست من أتباع مذهب ”التنفسية“ أو على الأقل لم تسمع به من قبل.

مرحبا بك عزيزي القارئ في موقعنا «دخلك بتعرف» الذي سنتناول فيه في مقالنا هذا العالم الغريب لمذهب يبدو أن أتباعه يؤمنون جدا بأننا [كبشر] نستطيع العيش والبقاء على قيد الحياة بشكل مثالي بدون أمور ”تافهة“ على شاكلة الماء والغذاء.

يطلق على هذا المذهب أو الحركة اسم Breatharianism، الذي يترجم إلى العربية بـ”التنفسية“، ويشار إليه في بعض الأحيان باسم Inedia وهي الكلمة اللاتينية المرادفة للصوم. وهو مبدأ يتخذ أشكالا متطرفة جدا من الصوم بناء على اعتقاد بأن ذلك سيساعدنا على الوصول إلى حالات جد سامية من الوجود ويساعدنا على التخلص من الدنس وكل ما هو ملوث.

على الرغم من أن الصوم نفسه يمثل جزءا كبيرا من تقاليد متأصلة في الكثير من الأديان الكبرى على شاكلة الهندوسية، والمسيحية، والإسلام، والطاوية، واليهودية، فإن الفرق بين الصوم كما نعرفه وصوم التنفسية هو أن هذه الأخيرة تأخذ به إلى مستويات أعلى وأكثر تطرفًا.

يعتقد أتباع هذا المذهب أنه من الممكن في الواقع للإنسان أن يدرب جسمه وعقله على العيش على الهواء وضوء الشمس فقط، وأنه من الممكن جدا مواصلة العيش على هذه الحالة دون الحاجة إلى الغذاء وفي بعض الحالات دون الحاجة إلى الماء نفسه، إلى الأبد.

وفقًا لمذهب التنفسية، يتعلق الأمر كله بطاقة أسطورية يطلق عليها اسم (برانا) ومعناها في اللغة السانسكريتية هو ”هواء الحياة“ أو ”قوة الحياة“، وينحدر أصله من الهندوسية. وفقا للفلسفة الهندوسية، تسود طاقة الـ(برانا) هذه الكون وتتدفق عبر كل أشكال الحياة والأشياء الجامدة فيه، كما أنها تمثل مكونا رئيسا للكثير من الممارسات التقليدية على شاكلة اليوغا والطب الهندي وفنون القتال.

بالنسبة لأتباع المذهب التنفسي، إنها تمثل مصدرا للطاقة التي يمكن للإنسان التزود بها من أجل تغذية جسده، وهو نوع الطاقة والغذاء الوحيد الذي نحن في حاجة إليه حقا.

من أجل القيام بهذا الأمر، يتوجب على كل مبتدئ يرغب في اتباع المذهب التنفسي أن يتبع سلسلة من الخطوات حتى يبعد نفسه تدريجيا عن الغذاء والماء، وهي الخطوات التي تتخذ تدريجيا وبثبات أشكالا أكثر شدة وتطرفًا بالمضي قدمًا في البرنامج.

التأمل.
صورة: soulveda

أول ما يتوجب على المرء القيام به من أجل أن يصبح ”تنفسيًا“ هو أن يصبح نباتيًا، ثم يتبع ذلك بحمية غذائية نباتية صرفة، ثم يبتعد عن كل شيء مطهو أو معالج، ثم يعيل نفسه على حمية من السوائل والفواكه فقط، وفي خضم ذلك ينقص من كمية الغذاء الذي يتناوله شيئا فشيئا.

عندما يبلغ مرحلة تناول الفواكه فقط، من المفترض أن يبدأ هنا نظاما غذائيا يتكون من فترات طويلة من الصيام، وفي هذه الفترات يكون هدفه الوحيد هو الاستمرار لأطول فترة ممكنة بدون غذاء أو سوائل، ثم يوقف الصيام ليتناول حبة فاكهة أو عصيرًا ما ثم يواصل صومه مجددا.

يرفق هذا الصوم الطويل مع ما يسمى بـ”التحديق في نور الشمس“، والذي يقوم فيه التنفسي بالتحديق حرفيا في الشمس لفترات طويلة من الزمن، ذلك أنه وفقا لهم توفر الشمس طاقة الـ(برانا) الضرورية التي يحتاجونها، والعضو الذي يمتصها بأكبر فعالية في جسم الإنسان هو العينان.

مع الالتزام الملائم، وبعد سنوات من الممارسة، يدعي التنفسيون بأنه يصبح بالإمكان أخيرا الوصول إلى المرحلة الأخيرة، التي يصبح فيها مصدر غذائهم الوحيد هو طاقة (البرانا)، ووفقًا لهم هنالك عدة أمثلة حية عن أشخاص تمكنوا من تحقيق ذلك والوصول إلى المرحلة الأخيرة.

لو تسأل أتباع المذهب التنفسي عمن تمكن من تحقيق الاكتفاء الطاقوي بالـ(برانا) وحدها، سيستشهدون لك بعدة أسماء كدليل على أن نمط حياتهم ممكن تحقيقه. واحد من بين الأسماء التي ستسمعها كثيرا هو الغورو الهندي (براهلاند جاني)، الذي يدعي بأنه عاش بدون ماء ولا غذاء لمدة 70 سنة متواصلة.

على ما يبدو، كانت هناك تجربة طبية أجريت عليه، خلالها استعرض في محيط محضّر علميا تمت فيه مراقبته لمدة 24 ساعة في اليوم أنه كان بمقدوره بسهولة العيش لمدة أسبوعين كاملين دون الحاجة لماء ولا لغذاء.

هذا على الرغم من أن القائمين على التجربة لم يتمكنوا من تأكيد قدرته على الاستمرار بهذا المنوال لعقود من الزمن بشكل متواصل، كما كانت هناك شكوك تفيد بأنه كان يغش بطريقة ما.

هنالك أيضا رجل آخر من أتباع المذهب التنفسي الذي قيل عنه بأنه يتمكن من العيش بدون ماء ولا غذاء لمدة ثمانية أيام وثمانية ليالٍ بدون أي آثار جانبية، يدعى هذا الرجل (راي ماور)، وقد كان قد ظهر على أحد شاشات التلفاز الإسرائيلية حيث أثار حيرة كل المتابعين.

صورة (براهلاد جاني)، الذي ادعى بأنه ظل حيا لمدة 70 سنة بدون ماء ولا غذاء، بل كان يستمد طاقته من الهواء وضوء الشمس فقط.
صورة (براهلاد جاني)، الذي ادعى بأنه ظل حيا لمدة 70 سنة بدون ماء ولا غذاء، بل كان يستمد طاقته من الهواء وضوء الشمس فقط. صورة: dailygeekshow

ربما كانت أشهر قصة نجاح في تحقيق العيش على طاقة (البرانا) ضمن مذهب التنفسية هي تلك المتعلقة بأحد الآباء المؤسسين لهذا المذهب وقادته، وهي (إيلين غريف) من الفرع الأسترالي، والتي تعرف باسم الشهرة (جاسموهين)، والتي تدعي كذلك بأنها تستطيع العيش لمدة شهور على التوالي دون أي طعام ولا ماء.

كتبت (إيلين غريف) عدة كتب حول الطريقة المثلى لتحقيق هذا الإنجاز، بما في ذلك كتاب بعنوان ”العيش على الضوء“ الذي حقق مبيعات خيالية.

(إيلين غريف)
(إيلين غريف).

يدعي كذلك مؤسس «معهد التنفسية في أمريكا»، وهو (وايلي بروكس)، بأنه يستطيع العيش ما شاء من الزمن بدون الحاجة للماء والغذاء والاكتفاء بطاقة الهواء وضوء الشمس فقط.

كما انتشرت كذلك قصة الزوجين التنفسيين (آكاهي ريكاردو) و(كاميلا كاستيلو) مثل النار في الهشيم عندما صرحا بأنهما ظلا يعيشان نمط حياة ”خالٍ من الطعام والماء“ لمدة 9 سنوات، وهي الفترة التي قالا بأنهما رزقا خلالها بطفلين.

شرح (آكاهي) الأمر في قوله:

يستطيع البشر البقاء على قيد الحياة بسهولة بدون طعام طالما يكونون على اتصال بالطاقة التي تتواجد في جميع الأشياء عبر التنفس. على مدى ثلاثة سنوات، لم نتناول أنا وزوجتي أي شيء على الإطلاق، وكنا لا نأكل إلا في حالات نادرة على سبيل المثال في الأحداث الاجتماعية حيث كنا لنتذوق حبة فاكهة وكفى. هنالك نوع من الحرية الذي يرافق كونك غير مضطر للتعلق بالطعام. لقد قادتنا هذه الحرية لاستكشاف التنفس وحضوره الدائم في حياتنا، كما أظهرت لنا أننا نستطيع العيش بدون طعام بسهولة طالما هناك هواء نتنفسه.

لسوء حظ هؤلاء، لا يتفق العلم معهم على الإطلاق ولا يعتقد بأن هذا الأمر ممكن أساسا، حيث أنه بدون غذاء أو ماء يبدأ الجسم في الانهيار، فيصبح الدم أكثر تخثرا، وتبدأ الكلى في الفشل تباعًا، يبدأ الجسم كذلك في حرق الغلايكوجين، ودهون الجسم، والعضلات من أجل الاستمرار، أي يبدأ جسمك في استهلاك نفسه حرفيا من أجل إبقائك حيا، ثم يتبع الأمر فشل على مستوى عدة أعضاء حيوية، مما يقود إلى مشاكل صحية خطيرة، ثم غيبوبة، وفي نهاية المطاف الموت المحتوم.

الزوجان التنفسيان (آكاهي ريكاردو) و(كاميلا كاستيلو)
الزوجان التنفسيان (آكاهي ريكاردو) و(كاميلا كاستيلو). صورة: indiatoday

لا يستطيع البشر الاستمرار على قيد الحياة بدون ماء لمدة أقصاها 7 إلى 10 أيام وذلك وقف على المناخ والظروف، كما لا نستطيع العيش بدون غذاء لمدة أقصاها 21 يومًا وذلك أيضًا تحت الظروف المثالية قبل أن تبدأ المشاكل الصحية في الحدوث.

حتى النباتات لا تستطيع العيش على ضوء الشمس وحده، حيث تحتاج للمواد الغذائية التي تمتصها من التربة وبعض المصادر الأخرى، إلى جانب حاجتها الدائمة للمياه، ولا يوجد هناك أي شكل من أشكال الحياة المعروفة التي تستطيع العيش بدون ماء أو غذاء.

إن هذا واقع علمي لا نقاش فيه، تشرحه خبيرة التغذية (تانيا زوكربروت) في رد لها على ادعاءات أتباع المذهب التنفسي كما يلي:

إنه لافتراض خاطئ كوننا نستطيع العيش على ضوء الشمس فقط. إذا لم توفر لجسمك ما يحتاجه من السعرات الحرارية، فإنه سيبدأ في الانهيار. ستصبح بدون كتلة عضلية وستبدأ في التلاشي. الأمر برمته بدون معنى، حيث أنه يتحدى كل العلوم والمعرفة المتعارف عليها فيما يتعلق بما تحتاجه أجسامنا للنجاة. سيجوّع الناس أنفسهم حتى الموت [في حالة اتباع هذا المذهب]، لن تستطيع البقاء على قيد الحياة بكل بساطة.

قد يتبادر إلى ذهنك الآن هذا السؤال: كيف يستطيع أتباع المذهب التنفسي تحقيق هذا الأمر؟

أقصر جواب على هذا التساؤل باختصار هو أنهم لا يقومون بذلك في الواقع أساسًا، فهم سواء يغشون ويكذبون حيال إنجازهم الأمر، أم يبالغون في ذلك.

اعترف الكثير من هؤلاء بأنهم يتناولون بعض العصائر والسوائل وبعض الطعام من وقت لآخر، بينما شوهد البعض الآخر منهم وهم في حيثيات مشبوهة.

كما سبق وأن شوهدت القائدة والمؤسسة التي ذكرناها سابقا الأسترالية (جاسموهين) وهي تحمل مخزونا كاملا من الغذاء، على الرغم من أنها ادعت بأنه كان من أجل زوجها، وعندما تم اختبارها تحت ظروف مراقبة علميًا قالت بأنها لا تستطيع القيام بهذا الأمر بسبب ”الطريق القريب من منزلها الذي يمنعها من امتصاص ما تحتاجه من الطاقة من الهواء“، وعندما تم اختبارها أخيرا في محيط من الهواء النظيف في مكان من اختيارها، لم تستطع الصمود سوى 4 أيام قبل أن يأمر الأطباء بإيقاف التجربة على الفور نظرا للآثار الصحية الوخيمة التي بدأت تظهر عليها.

بشكل مماثل، قُبض على (وايلي بروكس) الذي سبق لنا ذكره وهو يغش عندما شوهد وهو يغادر أحد مطاعم الأطعمة السريعة وهو يحمل شطيرة نقانق وحلوى (توينكي)، وبعد ذلك اعترف بأنه كان يكسر صيامه هذا من زمن لآخر بتناول شطائر الجبن (تشيزبرغر)، ليس لأنه يحتاجها، بل لأنها: ”تملك خصائصًا فريدة من نوعها خماسية الأبعاد!“، كما تساعده على الحفاظ على توازنه في عالم تسوده ”الثقافة الملوثة“ على حد تعبيره، غير أننا نعلم بأنه يستمتع بهذه الشطائر لأنها لذيذة.

(وايلي بروكس).
(وايلي بروكس). صورة: pinterest

بالإمكان العثور على دلائل إضافية تدين المذهب التنفسي في العديد من الحالات الموثقة لأشخاص عانوا من تدهور خطير في صحتهم كاد يودي بحياتهم، حتى أن آخرين دخلوا في غيبوبة، كما أصاب الموت بعضهم جراء محاولة تحقيق فلسفة هذا المذهب.

على الرغم من أن أتباع المذهب التنفسي غالبا ما يتم القبض عليهم وهم يغشون أو يكذبون، وعلى الرغم من واقع انعدام وجود أي دليل يدعم ما يدّعونه، وعلى الرغم من أن هذا النظام برمته له عواقب خطيرة على الصحة وقاد إلى الكثير من الوفيات، فإن هناك الكثير من التنفسيين الذين مازالوا يؤمنون بأن مذهبهم مذهب حق وتحقيقه أمر ممكن.

وفقًا للعلم، فإن هذا الأمر خطير بشكل كبير ووهمي أيضًا، حيث قال عنه الدكتور (روشيني راج)، وهو طبيب الجهاز الهضمي وبروفيسور مساعد في الطب في مركز (لانغون) للطب لدى جامعة نيويورك، عن هذه الممارسات التنفسية في مقال له على صحيفة (نيويورك بوسط)، ما يلي:

من الواضح جدا أنها أمر ليس له أساس طبي. إنه غير متطابق مع الحياة. هنالك بعض الدلائل التي تدعم فكرة أن التقليل من السعرات الحرارية قد يكون ذا نفع على الصحة، لكن بدون شك ليس تقليلها لهذا الحد المبالغ فيه. أما إذا كانوا [أتباع المذهب التنفسي] يؤمنون بأنفسهم بحق بهذا الشكل فهم إذاً متوهمون، حيث لا توجد أي طريقة تمكنهم من تحقيق ما يتوهمون به.

ممارسة اليوغا.
صورة: thetrentonline

من الصعب علينا حقا أن نفهم كيف أن فكرة بهذا التطرف قد انتشرت بهذا الشكل واستحوذت على اهتمام البعض الذين يستمرون في محاولة تحقيقها على الرغم من أنه من الواضح جدا أنهم لن يتمكنوا من ذلك. إنها تقف ضد كل ما بنيت عليه البيولوجيا وعلوم الأحياء، وهي عبارة عن علم زائف على درجة كبيرة من الخطورة.

بالتأكيد قد تساعدك على تخسيس بعض الوزن، ثم سيأتي الموت ليجهز عليك. لحسن الحظ، لم ينتشر مذهب التنفسية بشكل يدق ناقوس الخطر، بل أنه بقي أمرا غريبا حتى بين أغرب الناس، ذلك أن الأمر لا يحتاج إدراكا ولا ذكاء كبيرين ليعرف المرء بأنه في حاجة دائمة للغذاء والماء من أجل الاستمرار على قيد الحياة.

في المرة القادمة التي تفكر فيها في العيش على ضوء الشمس فقط، ربما يكون من الأفضل لك أن تفكر بدل ذلك في تناول طبق من السلطة، أو شطيرة جبن.

مقالات إعلانية