in

تعرف على حياة الطبيب المؤرقة في العصور الوسطى

كان المعالجون في زمن العصور الوسطى يعيشون أوقاتاً عصيبة مؤرقة، فقد كانوا يحاربون كل الأمراض والأوبئة والعلل التي كان الناس يشكون منها، كما أنهم لم يكونوا مختصين فقط في الاضطرابات العقلية والجسدية التي تصيب الإنسان، فقد كان يُعقتد آنذاك أن الأمراض قد تكون لها جذور روحانية، وقد تتسبب فيها كيانات روحانية مثلما قد تكون مجرد علل جسدية.

كان على طبيب تلك الأزمنة مجابهة الكائنات الشريرة والشياطين، والسحر والشعوذة، والتعامل مع الأبراج السماوية وبعض الأحداث الفلكية الأخرى، وحتى التعامل مع انتقام الله من عباده. لم تكن البكتيريا والجراثيم معروفة آنذاك، كما تجاوزت الفيروسات مستوى استيعاب ومخيلة رجل الطب آنذاك.

مثلت الخطايا نفسها أعظم الأسباب التي تنزل على صاحبها الأمراض، وهو الأمر الذي سلّم به ممارسوا مهنة العلاج والتطبيب وعامة الناس على حد سواء.

(غالن) واحد من المعالجين في العالم القديم، يجلس بين آخرين.
(غالن) واحد من المعالجين في العالم القديم، يجلس بين آخرين.

بعد سنوات عديدة لاحقاً، علّق (فولتير) الفرنسي على مهنة الطب قائلاً: ”يتلخص دور فن الطب في إمتاع المريض بينما تشفي الطبيعة المرض بنفسها“، تصف هذه الملاحظة بدقة الطب في العصور الوسطى، عدا أن كون الكثير من الممارسات الطبية كانت بعيدة كل البعد عن إمتاع المريض، حيث كان تعذيب المريض حتى الموت —الذي لم يكن أمراً مقصوداً بالطبع— من بين الممارسات الكثيرة الخاصة بأطباء تلك الأزمنة. لقد كان ذلك أمراً محتوماً في عالم كان فيه طرد الأرواح الشريرة وسيلة مقبولة للعلاج الطبي.

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف»، جمعنا لك عزيزي القارئ بعض أمثلة التطبب والتداوي في العصور الوسطى، وكيف كانت حياة ممتهن الطب عليه آنذاك:

1. وضع «كوربوس أبقراط» أسس جميع الممارسات الطبية تقريباً

جدارية رومانية قديمة تبرز أبقراط الذي يعتبر بشكل واسع مؤسس الطب الحديث.
جدارية رومانية قديمة تبرز أبقراط الذي يعتبر بشكل واسع مؤسس الطب الحديث.

كان أبقراط، المعالج الإغريقي الشهير الذي انبثقت من فكره علوم الطب، في الواقع رجلا تعاون مع الكثيرين من أجل جمع ما اشتهر لاحقاً على أنه (كوربوس أبقراط)، الذي كان عبارة عن موسوعة طبية.

وفقاً لـ(كوربوس أبقراط)، تضمن الجسم البشري 4 ”أخلاط“، وهي خصائص تعكس جوانب الطبيعة المتمثلة في النار والماء والأرض والهواء. في جسم الإنسان كانت هذه الأخلاط تتمثل في الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة. أصبح الحفاظ على توازن طبيعي لهذه الأخلاط الأربع مفتاح الصحة الجيدة. لسوء حظ الإنسان القديم، كانت هذه الأخلاط الأربع تخضع لتأثيرات صف متنوع من العوامل الخارجية، والتي كان الفرد لا يقوى على التحكم في البعض منها إطلاقاً.

كانت النجوم والكواكب تمارس تأثيرها على أخلاط الإنسان وفقاً لهذا الـ(كوربوس)، ومنه كان التقييم الفلكي عنصراً مهماً من معاينة المعالج لمريضه. كان المعالجون الذين يتبعون (كوربوس) أبقراط يقيّمون الحمية الغذائية على أنها مهمة جدا في سبيل الحفاظ على التوازن بين الأخلاط الأربعة، كما تضمنت الحمية الغذائية في ذاتها التمارين الرياضية. كان الأطباء الأبقراطيون متقدمين بمعايير ذلك الوقت على مستوى معرفة علم التشريح والجراحة —على الرغم من أنهم لم يكونوا متفوقين على المصريين في هذا الصدد—، كما كانوا متطورين فيما يتعلق بتحضير بعض العلاجات التي أثبتت فعاليتها ضد بعض الاضطرابات التي تصيب الإنسان، هذا على الرغم من أنه وفقاً لهم فالطب لا يقوم سوى بإعادة إحلال التوازن بين الأخلاط الأربع في جسم الإنسان.

2. هيمنت الممارسات الطبية الوثنية على قسم كبير من أوروبا في مطلع العصور الوسطى

تحدّت الكنيسة المسيحية المعتقدات الوثنية، على الرغم من أن الممارسات الطبية الوثنية اندثرت ببطء أكبر.
تحدّت الكنيسة المسيحية المعتقدات الوثنية، على الرغم من أن الممارسات الطبية الوثنية اندثرت ببطء أكبر.

على الرغم من أن الإغريق والرومان والمصريين القدماء كلهم أدرجوا الممارسات الدينية كجزء من فن علاج الأمراض —كان الإله اليوناني القديم (أسيبيوس) معالجاً، وكان التأمل في معبده باسمه علاجاً ينجم عنه شفاء كبير—

عبر أوروبا الغربية؛ سيطرت الممارسات الطبية الوثنية، وانبثقت الخصائص العلاجية لعدة جذور ونباتات وفواكه من معتقدات وثنية قديمة، ومنها انبثق كذلك الاعتقاد والإيمان بالقوى الخارقة للطبيعة لبعض النباتات. ركز الطب بشكله الذي كان عليه على شفاء الأمراض والاضطرابات الجسدية، ومنه لم يكن هناك اهتمام يذكر بتفادي حدوث الأمراض والعلل والوقاية منها، عندما ظهرت المسيحية وانتشرت، قامت بامتصاص واحتواء الكثير من التقاليد الوثنية والفلكلورية في أوروبا.

تضمنت العديد من كتب الـ(أبوكريفا) — وهي كتابات دينية قديمة مشكوك في صحتها على علاقة بالدين المسيحي— القديمة مراجعاً لعلاجات وثنية وشعبية أوروبية، وبشكل أخص تضمنت مراجع لطريقة استعمال الأعشاب الطبية، إلى جانب الأدوية التي يمكن إعدادها منها. أصبحت الأديرة عبر أوروبا قلاعاً ومراكزاً لتعلم الطب، وأصبحت الكثير منها مراكزاً لتربية حدائق كاملة خصيصاً للأعشاب الطبية، ناهيك عن تحولها إلى معصرات ومقطرات لصناعة المشروبات الكحولية وتخمير الجعة، وهي المشروبات التي كانت تشتهر بقدراتها العلاجية وخصائصها في الحفاظ على الصحة الجيدة للإنسان.

كان الرهبان —لكونهم ليسوا جاهلين— قادرين على الدمج بين المعرفة الطبية للإغريق والمصريين القدماء، والممارسات الوثنية والفلكلورية في مناطقهم التي كانوا يقيمون فيها، ومنه أخذت مذاهب الطب التي كانت مصممة لاستعادة توازن الأخلاط الأبقراطية تظهر تدريجيا عبر أوروبا.

3. بروز الرهبان المسيحيين كمعالجين ومختصين في الطب

حافظ الرهبان والراهبات المسيحيون في العصور الوسطى على النصوص الطبية القديمة للإغريق الوثنيين وترجموها للغة اللاتينية.
حافظ الرهبان والراهبات المسيحيون في العصور الوسطى على النصوص الطبية القديمة للإغريق الوثنيين وترجموها للغة اللاتينية.

بينما استقرت الديانة المسيحية في مختلف ربوع أوروبا التي كانت سابقاً وثنية، أصبحت الأديرة التي أسستها المذاهب المسيحية المختلفة مراكزاً للدراسة العلمية والطب. أصبح الرهبان، الذين زرعوا النباتات، وقطروا المشروبات، ونسخوا النصوص القديمة وترجموها، في ريادة الطب والمحافظة على الصحة البشرية.

أصبحت الأديرة، التي كانت معزولة في الغالب، ملجأً للسكان المقيمين على مقربة منها في المزارع والقرى عندما كانت الأوبئة تضرب، وهو الأمر الذي كان شائع الحدوث. قاد الدمج بين المعتقدات المسيحية وظهور الفلسفة إلى تحول علاج الأمراض إلى توليفة من النشاطات العلمانية والروحانية، وكانت الأمراض تعالج باستخدام كل من الأدوية الطبية المشتقة من النباتات والصلاة المسيحية.

بحلول منتصف القرن السادس للميلاد، تُرجمت النصوص اليونانية القديمة التي تضمنت مراجعاً عن (كوربوس أبقراط) إلى اللغة اللاتينية — التي كانت تعتبر آنذاك لغة عالمية—، كما سجل الرهبان كذلك بعض التقدم في التطبب بالأعشاب الذي اخترعوه بأنفسهم. بينما راحت الأديرة تتبادل النصوص الطبية، أصبحت العلاجات والأدوية المشتقة من الأعشاب التي كانت مجهولة لدى البعض ومعروفة لدى البعض الآخر متاحة للجميع.

في الأديرة الأوروبية، ولد علم النباتات من مجهودات الرهبان والراهبات، الذين في نصوصهم التي ألّفوها أدرجوا عدة رسومات لبعض النباتات الطبية على قدر متناهي من الدقة، كما أدرجوا صوراً لكل نباتات تشبهها مع خصائص عكسية وحذروا منها.

4. كان نظام الرعاية الصحية الشامل سائداً خلال العصور الوسطى

أبقراط
كان الرومان والإغريق القدماء على صورة أبقراط يؤمنون بأن تقديم الرعاية الصحية كان واجباً خيرياً لا يُطلب من ورائه جزاءٌ.

في الأديرة والكنائس، وكذا في أولى المشافي التي خصصت لرعاية المرضى والاعتناء بهم، كان المحفز الأكبر لتقديم ما يعرف اليوم بنظام الرعاية الصحية هو الإحسان والأعمال الخيرية التطوعية. في أيام اليونانيين والرومان قديماً كانت العيادات التي تقدم خدمات رعاية صحية للمرضى والجرحى تؤسَس من قبل السلطات المحلية، وكانت الرعاية الصحية تقدَّم بغض النظر عما إذا كان المريض أو المصاب قادراً على الدفع مقابلها أم لا. كانت الحالة الصحية للمجتمع ككل تعتبر أمراً ذا أهمية قصوى، واستظهرت نفس الفلسفة نفسها من خلال عزل المرضى المصابين بالأمراض المعدية جداً —على شاكلة الجذام— ووضعهم في مجتمعات صغيرة منفصلة بعيداً عن العامة، والاعتناء بهم.

استمرت الأديرة الأوروبية في ممارسة التطوع وتقديم خدمات الرعاية الصحية بالمجان، وهو الأمر الذي كان يتوافق مع واجباتهم الدينية. ظهرت مدرستان فكريتان في هذه الحقبة، الأولى كانت تعتبر أن المرض هو انعكاس لحكم الله ومشيئته، ومنه كان استخدام أي نوع من أنواع الطب أو الأدوية ذات الأصول الوثنية يعتبر هرطقة. بينما اعتبرت المدرسة الفكرية الثانية، التي دعمتها الكنيسة بحلول القرن الخامس، أن الأعشاب والنباتات الطبية كانت هدية من عند الله لتكون متاحة للجميع وأن يتشاركها الجميع فيما بينهم، بما في ذلك الأدوية التي كان مصدرها العالم الإسلامي، الذي أخذت أوروبا تتعرض له تدريجيا كنتيجة على الحروب الصليبية.

بدأ الطب هنا يمارس تأثيره على الكنيسة المسيحية، خاصة في موقعه كعمل تطوعي مطابق لأفعال الخير التي تنادي بها تعاليم هذه الديانة.

5. ساهم تأثير (غالين) في الدفع بعجلة تطور الطب نحو التقدم وفي نفس الوقت في كبحه

غالن
هيمنت معتقدات ورؤى (غالين) على الفكر الطبي في أوائل العصور الوسطى، على الرغم من ثبوت خطأ الكثير منها لاحقاً.

كان (غالين) جراحاً وفيلسوفاً يونانياً عاش في القرن الثاني للميلاد، وكان يعتبر بشكل واسع أبرع ممارس للطب والجراحة في عصره. ولد لأسرة ثرية، وتدرب على أيدي الأفضل في علم التشريح ودراسة الأخلاط البشرية، وأجرى الكثير من الأبحاث فيما أصبح يعرف بميدان الفيزيولوجيا، وعلم الأعصاب، والصيدلة، وغيرها الكثير بينما كان يشغل منصب الطبيب الخاص للعديد من أباطرة روما.

خلال حقبة العصور الوسطى، مثلت أعمال (غالين) المدوّنة والمجمّعة حجر الأساس لعلم التشريح البشري، هذا على الرغم من أن العلم سيثبت خطأه في الكثير من افتراضاته. عاش (غالين) في عصر كان فيه تشريح جثة إنسان أمراً محرماً للغاية، وكان قد اشتق نظرياته التي أسسها حول تشريح الإنسان على تشرح الحيوانات، التي نذكر من بينها الخنازير والقردة.

لقد كان (غالين) هو من ربط روح الإنسان بعضلة القلب، فقد كان يعتقد أن الروح التي هي مصدر العواطف، تسكن في القلب، والذي كان لونه أحمراً كنتيجة على ذلك. كما اعتقد كذلك أن الدم الذي يسري في العروق كان مصدره الكبد وليس القلب مثلما كان يُعتقد سابقاً. في نهاية المطاف، أصبح (غالين) يعتقد بأن الروح كانت مقسمة إلى ثلاثة أقسام: الروح العقلية التي كانت تسكن في الدماغ، والروح العاطفية التي كانت تسكن في القلب، والروح المسؤولة على وظائف الجسم التي كانت تسكن في الكبد.

كان (غالين) كذلك رائداً في مجال ممارسة الطب النفسي، حيث كان يصف وسائل يمكن من خلالها للمعالج النفسي أن يشفي مريضه من العواطف الخارجة عن سيطرته من خلال الحوار. كان ضروريا أن يكون المعالج النفسي الناجح في نظر (غالين) ذكراً في سن متقدمة، وخالياً من أي من العواطف الخارجة عن السيطرة التي يرغب في شفاء مرضاه منها، ولم تكن النساء مؤهلات لأداء هذه المهمة لأنهن كنّ يخضعن بشكل أكبر لسطوة العاطفة.

6. نشأة الجراحة خلال العصور الوسطى

أدوات جراحية كانت تستعمل في العصور الوسطى من قبل رجال كان لديهم فهم محدود لطبيعة وتشريح الجسم البشري.
أدوات جراحية كانت تستعمل في العصور الوسطى من قبل رجال كان لديهم فهم محدود لطبيعة وتشريح الجسم البشري.

كان (غالين) جراحاً ذا مهارات عالية جداً، وكان لكتبه ونصوصه التي تصف تقنياته في الجراحة تأثير كبير خلال العصور الوسطى. لقد طور مهاراته عندما كان يعتني بصحة الأباطرة الذين خدمهم، وكذا المجالدين المصابين في الحلبة. طور (غالين) عملية جراحية من أجل إزالة ”المياه البيضاء“ —أو السادّ— من العين البشرية، وهي العملية التي تشبه إلى حد بعيد تلك التي يتم إجراؤها في أيامنا هذه، كما طور عمليات جراحية على الدماغ، بما في ذلك إزالة الأورام الدماغية.

بحلول حقبة العصور الوسطى، استعان الجراحون بما تبقى من النصوص التي كتبها (غالين) وممارسو طب آخرين من العالم القديم واسترشدوا بها. تطورت الجراحة من ذلك بناء على ممارسات أفراد من العالم القديم، ولم تكن تخضع لمركزية معيارية تتبع أسلوباً واحداً.

بحلول القرن الثاني عشر للميلاد، بدأت كليات الطب في الجامعات (التي انبثقت هي نفسها من الأديرة والكنائس القديمة) بتشكيل دراسة أكثر تنظيماً لعلم الجراحة، ومنه بدأ تعليم الجراحة يتم بشكل رسمي ومنظم، بشكل أخص في إيطاليا، لكن بين ممتهني الطب كان الجراح يقبع في قاع السلم الترتيبي.

ساهمت الحروب الصليبية في الترويج للنظرة الدونية للجراح، حيث كان هذا الأخير يسافر مع الجيوش وكانت مهمته هي تقرير ما إن كان أحد المصابين ميتا أم حياً والطريقة التي يجب وفقاً لها علاج جروحه في الحالة الثانية.

7. ارتقى الجراحون منزلةً في فرنسا وإيطاليا في العصور الوسطى

غاليليو

توجهت جامعة (بادوا) في إيطاليا بالتدريج نحو توسيع عمليات تدريب وتمهين الجراحين فيها، بما في ذلك تدريبهم على أداء التشريح على الجثث البشرية خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر للميلاد. كانت تشترط من الطلبة أن لا يدرسوا علم التشريح وفقط، بل أن يدرسوا مختلف الأمراض والأوبئة والصحة العامة قبل أن يتخصصوا في الجراحة. كانت لغة الطب هي اللغة اللاتينية، مما يعني أن طلبة الطب كان يجب عليهم أن يتقنوها جيداً، حيث كان الكثير منهم يراجع نصوصاً كتبت في الأصل باللغة اليونانية القديمة، ومنه كان الجراحون من بين الأفضل تعليماً في تلك العصور.

كان من بين هؤلاء الجراحين (غي دو شولياك) الذي درس في فرنسا وفي (بولونيا) في إيطاليا. كتب هذا الجراح الفرنسي الأصل أكثر النصوص الموقرة في ممارسة الجراحة وأكثرها انتشاراً خلال القرن الثالث عشر، هذا على الرغم من عدم توفر أي دليل يفيد بأنه شخصياً كان يمارس الجراحة بنفسه، وكتب نصوصه الطبية باللغة اللاتينية وانتهى بها المطاف مترجَمة إلى اللغات الأخرى.

في نصوصه الطبية التي ألّفها، رثى (دو شولياك) مآل مهنة الطب والجراحة التي قال عنها بأنها انتقلت لأيدي ”الميكانيكيين“. أصرّ على أن كل من يرغب في ممارسة الجراحة يجب عليه أولاً أن يتدرب على جميع أشكال الطب، بما في ذلك: ”الهواء والطعام والشراب وما شابه ذلك، بما أن هذه الأخيرة هي ما يسبب جميع المشاكل الصحية“. أشار (دو شولياك) إلى الجراحة على أنها ممارسة تمثل الملاذ الأخير عند محاولة علاج العلل والأمراض، وقال بأن الجراح: ”يجب عليه أن يعرف طريقة موازنة الحمية والأدوية، ذلك أنه بدونها لا يمكن إتقان الوسيلة الطبية الثالثة [الجراحة] وإيصالها لمرحلة الكمال“.

كان (غي دو شولياك) رائداً في عملية تحويل الجراحة، والطب بصفة عامة، من حرفة إلى علم مبني على نصوص وتمارين أنشأها ممارسوه.

8. كانت ممارسات الجراحين محدودة في إنجلترا على وجه الخصوص بقوة القانون

حدت القوانين الإنجليزية من العمليات التي سمح للجراحين بالقيام بها، وذلك بداعي الخطر الذي تمثله هذه العمليات.
حدت القوانين الإنجليزية من العمليات التي سمح للجراحين بالقيام بها، وذلك بداعي الخطر الذي تمثله هذه العمليات.

على الرغم من التقدم في التعليم والتدريب الطبي والجراحي في القارة الأوروبية خلال العصور الوسطى، فإن الجراحين ظلوا بمعزل عن الأطباء، وكان يُنظر إليهم بنظرة دونية، خاصة في إنجلترا والأقاليم الجرمانية. كان ”الحلاقون الجراحون“ —وهم جراحون كانوا يلازمون الجيش ليعتنوا بجرحاه أثناء المعارك وبعدها، فكانوا يؤدون مهاماً على شاكلة خياطة الجروح وبتر الأعضاء وحتى حلاقة شعر الجندي— أكثر شيوعاً وشعبية من الجراحين المؤهلين، الذين لم يكونوا مخولين سوى من أداء بعض العلاجات دون غيرها، وذلك بقوة القانون.

حدّ القانون من العمليات التي يمكن للجراح القيام بها أو إجراؤها على مرضاه لأن الجراحة كانت تعتبر آنذاك: خطيرة، ومجازفة كبيرة، وملاذاً أخيراً (بدلاً عن الفصد —الذي هو إحداث شق في الوريد لسفك بعض دماء المريض— والبتر، وما إلى ذلك). كان يُسمح بخياطة الجروح لكن إجراء عملية جراحية من أجل استخراج رأس سهم أو حربة كان ممنوعاً في غالب الأحيان.

كان الجراحون كذلك يلامون في كل مرة لا تجري فيها الأمور على ما يرام بالنسبة للمرضى، وذلك في عصر لم يكن الناس فيه يعلمون حتى بوجود مضادات حيوية أو بكتيريا، فكانت الجراحة غالباً ما تفضي إلى التهابات وتعفنات بما في ذلك الإصابة بالغرغرينا التي كانت مميتة جداً. كان الجراحون الأكثر براعة وتطوراً يعالجون الجروح من خلال سكب الخل أو المحاليل الملحية عليها، في عصر كانت فيه مضادات الآلام الوحيدة هي الكحول فقط.

أما فيما يتعلق باستعمال الكحول نفسه في تطهير الجروح ومنع الالتهابات والعدوى، فقد كان الناس آنذاك جاهلين بهذه الخاصية فيه، كما لم يكونوا ليبددوا سلعة مكلفة مثله على استعمالات خارجية. كان ينظر إلى الجراحين نظرة دونية لأنهم كانوا يقومون بما اعتبره الجميع آنذاك أفعالاً وحشية وبربرية وهي تشريح جثث الموتى، وهو ما أدى إلى بروز حرفة جديدة كلياً، وهي نبش قبور الموتى وسرقة جثثهم.

9. سيطرت الخرافات على العالم في العصور الوسطى

كانت (هيلدغارد) من (بينغر) فيلسوفة، وقديسة مسيحية، ورائدة في علوم الطب في العصور الوسطى.
كانت (هيلدغارد) من (بينغر) فيلسوفة، وقديسة مسيحية، ورائدة في علوم الطب في العصور الوسطى.

لم يجد الطب في العصور الوسطى نفسه في مواجهة الأمراض والأوبئة فقط، بل حتى الخرافات، التي كانت قد سيطرت على جميع أطياف المجتمع ومستوياته في جميع الثقافات. كانت الأمراض والإصابات تعتبر غالباً سواء كحكم من الله وقضاء منه، أو كعمل من أعمال الشيطان وأتباعه. كانت إحدى الراهبات الرئيسة في أحد الأديرة، وهي (هيدلغارد) من (بينغر)، تعزي اختلال التوازن في الأخلاط الأربعة للجسم إلى تأثير الشيطان، وكان سوء المرض ونوعه دلالة على حجم الخطايا التي اقترفها المصاب بالمرض، وكانت تؤمن كذلك بأن فعالية عملية ”الفصد“ كانت وقفاً على موقع القمر، وكانت تؤمن كذلك أن بعض الأحجار كانت تتمتع بقوى شفائية خارقة.

توسعت المسيحية عبر القارة الأوروبية، وراحت تواجه المعتقدات الوثنية التي حلت محلها في نهاية المطاف لكن بصعوبة كبيرة، كما واجه الأطباء في الثقافات الأنجلو-ساكسونية مرضى مصابين بعلة عرفة باسم ”ضربة الجنّ“. كان يعتقد أن مثل هؤلاء المرضى أصابه الجنّ بسهامه غير المرئية، وهو ما كان يسبب آلاما في نهايات الأطراف.

كان المعالجون يجابهون هذه العلة بتطبيق خلطات مُعدّة من أوراق الأقحوان، أو من نباتات مشابهة ذات أوراق يشبه شكلها شكل السهام. كانت الإصابة بصداع الرأس المفاجئ تعتبر دلالة على الإصابة بضربة جن، كما اعتبر كذلك مرض الروماتيزم، وآلام المفاصل. كانت الوقاية أفضل علاج فيما يتعلق بضربة الجن، وهو ما كان يتحقق من خلال تعليق التمائم.

10. بنيت وجهة النظر المسيحية عن التداوي بالأعشاب على ”مذهب التواقيع“

نبتة تشبه أوراقها شكل العين البشرية، كان يعتقد أنها هبة من عند الله من أجل شفاء العلل التي تصيب العين.
نبتة تشبه أوراقها شكل العين البشرية، كان يعتقد أنها هبة من عند الله من أجل شفاء العلل التي تصيب العين.

في العصور الوسطى، كيّف وتبنى المسيحيون العلاجات بالأعشاب الوثنية وطوروا علاجات خاصة بهم، وذلك من خلال اتباع ”مذهب التواقيع“. كان مذهب التواقيع وجهة نظر مسيحية تفيد بأن كل علة تصيب الإنسان كان لابد وأن لها علاجاً شافياً، الذي كان يمنحه الله بالطبع.

وفقاً لرجال العلم آنذاك الذين دعموا هذا المذهب، فقد حملت النباتات والحيوانات تواقيع وعلامات تدل على مواضع استخدامها، فقد كانت أوراق الأقحوان الشبيهة بالسهام علامة وتوقيعاً فيها تشهد على فعاليتها ضد ضربة الجن وسهامه غير المرئية التي يصيبب بها الناس، كما اعتبرت «نبتة القديس يوحنا المثقبة» علاجاً فعالاً ضد العلل التي تصيب البشرة والجلد، على شاكلة الطفح الجلدي مثلاً.

لسوء الحظ، كانت العديد من النباتات والأعشاب التي أشارت إليها العلاجات الفلكلورية والأطباء آنذاك بأنها فعالة ضد بعض العلل، في الواقع سامة تؤدي إلى سوء الحالة المرضية التي كان المريض يعاني منها، وهو ما كان يلام في الواقع على العلة نفسها وليس على العلاج الخاطئ.

في حين لم تكن بعض هذه العلاجات والأدوية تسمن ولا تغني من جوع ولم تكن لها أدنى فائدة، وعندما كان المريض يتعافى بصورة ذاتية كان الفضل يعزى إليها. بقي الكثير من هذه العلاجات يستعمل اليوم كعلاج فلكلوري.

استخدم مبدأ مذهب التواقيع في زمن (غالين)، هذا على الرغم من أنه لم ينل اسمه هذا إلا خلال القرن السابع عشر بقلم المؤلف الألماني (جايكوب بروهم). وهو مبدأ مازال البعض يؤمنون به.

11. في العصور الوسطى، أُسست جميع الأدوية بناء على مبدأ الأخلاط الأربعة

العناصر الأربعة، الأخلاط والأبراج السماوية تظهر في هذه الصورة من العصور الوسطى.
العناصر الأربعة، الأخلاط والأبراج السماوية تظهر في هذه الصورة من العصور الوسطى.

كانت الأخلاط الأربعة تشير إلى الصحة الجيدة في الجسم البشري عندما كانت متوازنة. كانت على علاقة بالعناصر الأربع التي هي الأرض، والماء، والهواء والنار، وكذا الفصول الأربعة: الخريف والشتاء والربيع والصيف بهذا الترتيب، والأعضاء الأربعة في الجسم البشري وهي: الطحال، والرئتان، والرأس، والحويصلة الصفراوية (المرارة)، والطباع الإنسانية الأربعة: الكآبة، والبرود، والحماسة، وتقلب المزاج.

عرفت الأخلاط الأربعة في الجسم على أنها سوائله الأساسية أيضا، والتي كانت على الترتيب السابق: السوداء المائلة للاصفرار، والبلغم، والدم، والصفراء. كان إحلال التوازن بين الأخلاط يتم من خلال الحمية الغذائية وأداء التمارين، وعندما يحدث اختلال التوازن بينها، كان المعالج يبني علاجه على حضورها [الأخلاط] من عدمه، على سبيل المثال، كان كل مشكل على علاقة بالرئتين يؤدي إلى سعال البلغم.

كانت الحمى وفقاً للمعالجين في العصور الوسطى تصيب المرء بسبب كثرة الدماء في الجسم، ومنه كان التخلص من بعضها هو العلاج المثالي من أجل إحلال التوازن في الجسم من جديد. كان التوازن يعاد إلى الجسم كذلك من خلال استخدام السوائل والمشروبات التي يتم تحضيرها من النباتات والأعشاب التي كانت تعتبر العلاج المثالي حسب الحالة، أو كان يسترجع من خلال تطبيق مراهم وخلطات على المناطق المصابة من الجسم.

كان المعالجون في العصور الوسطى يصفون كذلك، إلى جانب الأدوية، الصلاة والكفارة لأن المرض كان وفقاً للمعتقد المسيحي عقاباً من عند الله وجزاء على ارتكاب الخطايا من طرف عباده. كان استخدام الأدوية دون الاستعانة بالصلاة والكفارة يعتبر خطيئة في حد ذاته، ذلك أنه كان ينظر إليه على أنه تحدٍ لمشيئة الله.

أثرت التعاليم المسيحية بشكل كبير على تطور الطب عبر العصور الوسطى، وذلك في كل من تلقينه الرسمي في الجامعات والمشافي وفي ممارسة التداوي بالأعشاب وفقاً للتطبب الفلكلوري.

12. كان تطهير النظام من أجل استعادة التوازن بين الأخلاط الأربعة في الجسم تقنية طبية

معالج يدمي أحد المرضى بينما يتفحص آخر بوله.
معالج يدمي أحد المرضى بينما يتفحص آخر بوله.

كانت عملية جعل المريض ينزف مجرد طريقة واحدة في سبيل تعذيب المريض عن غير قصد من قبل المعالجين في العصور الوسطى في سبيل شفائه، ومن بين الطرائق الأخرى التي لجأ إليها معالجون آخرون آنذاك من أجل استعادة التوازن كان حمل المريض على التعرق الشديد، الأمر الذي كان يتحقق من خلال عدة طرائق بدوره، والتي كان المراد بها جميعها هو شفاء المريض بغض النظر عن عدم الارتياح المؤقت الذي تسببه.

كانت إحدى طرائق حمل المريض على التعرق من أجل علاجه تتجلى في جعله يرتدي الكثير من الأقمشة والملابس الساخنة جداً، وكانت طريقة أخرى تتمثل ببساطة في إشعال نار كبيرة يجلس بمحاذاتها بينما يرتدي الكثير من الملابس الساخنة والبطانيات وكل ما يمكن الحصول عليه من هذا القبيل. كان المحظوظون من هؤلاء المرضى من يملك حوضاً فيجعل فيه ماء ساخن ويقبع فيه لمدة معينة من الزمن.

كان تطهير الجسم من السوائل المتواجدة فيه بإفراط —الأمر الذي يخل بتوازن الأخلاط الأربعة— علاجاً طبياً آخرا في العصور الوسطى، الذي كان يمكن تحقيقه من خلال تحفيز التقيؤ، أو عبر جعل المريض يستهلك الملينات، أو كلاهما.

كان المرضى الذين اعتبرهم معالجوهم ضعفاء جدا لا يسعهم تحمل النزيف عبر أحد الأوردة يعالَجون من خلال تطبيق العلق عليهم، وكان النبيذ يوصف للمرضى غالباً بعد أي نوع من العلاج، وذلك لخصائصه الطبية التي سرعان ما كان يتم ملاحظتها على المريض من خلال تحسن مزاجه بعد استهلاكه له.

كان تطبيق مختلف العلاجات يتم وفقاً للطريقة التي يصفها ويحددها الطبيب الحاضر، وأحياناً كان هو من يقوم بتحضير الأدوية اللازمة بنفسه، وأحيانا أخرى كان يتم الحصول عليها من عند العطار المحلي —الصيدلاني في عصرنا الحاضر— أو من الأديرة القريبة.

13. كانت الجروح من بين المشاكل الشائعة التي كان الأطباء يواجهونها في العصور الوسطى

طبيب إلى جانب مريض على فراشه في العصور الوسطى.
طبيب إلى جانب مريض على فراشه في العصور الوسطى.

كانت الجروح في العصور الوسطى من الأمور الشائعة، وفي غياب المضادات الحيوية وغياب أدنى فهم لمسببات الالتهابات والتعفن، كانت الجروح غالباً ما تصبح مميتة. حتى الأسنان المتسوسة كانت تمثل خطر الموت، وكانت هي الأخرى شكلاً من أشكال المشاكل الطبية الشائعة آنذاك.

على الرغم من أن الأطباء كانوا يفهمون جيدا ضرورة تنظيف الجرح قبل تضميده من أجل الحيلولة دون فقدان المزيد من الدم، فإن النظافة كانت تقريباً منعدمة في معظم الأحيان سواء على مستوى الضمادات أو يدي الطبيب.

كان الصابون من السلع النادرة، وكان الخل غالبا ما يستعمل كمحلول مطهر على الجروح لاعتقاد الأطباء آنذاك أنه يساعد على شفائها والتئامها بسرعة أكبر، وفي حالة لم يكن هنالك من خلّ متوفر كانت المحاليل الملحية تعوضه. كان صمغ شجر المرّ Myrrh نادراً وغالياً جداً، وكان محلولاً آخر يستخدم لتطهير الجروح، لكنه لم يكن في متناول سوى طبقة الأثرياء في المجتمع.

كانت عشبة الأم ألف ورقة (أخيليا) –وهي مجموعة من الأعشاب المزهرة– تستخدم في الأساطير اليونانية من أجل تطهير وشفاء جنود (أخيليس) —ومنه نالت اسم شهرتها (أخيليا)—، وكانت من الأعشاب التي يستعان بها من طرف الأطباء في العصور الوسطى لشفاء الجروح.

بغض النظر عن الطريقة التي كانت الجروح تعالَج بها، كان الشفاء في معظمه ضربة حظ، وكانت أغلبية الناس لا تقصد الأطباء ولا المعالجين لتفحص معظم الجروح التي تصاب بها في حياتها، وكانت بدل ذلك تعالج نفسها بنفسها —مثلما هو الحال اليوم—، باستخدام أي علاج متاح في المنزل.

14. تشكلت هرمية مهنة الطب في العصور الوسطى في أوروبا

جراح حلاق يعالج مريضاً يشكو من علة في قدمه.
جراح حلاق يعالج مريضاً يشكو من علة في قدمه.

كان المعالجون يتربعون على قمة هرم مهنة الطب في العصور الوسطى. لقد كانوا متعلمين ومثقفين، وكانوا غالباً ينحدرون من الطبقات العليا في المجتمع (ذلك أن لا أحد غير أبناء هذه الأسر كان بإمكانه تحمل تكاليف التعليم)، كما كانوا يتصفون بالندرة وكان من الصعب العثور على أحدهم عند الحاجة.

كان المعالجون ينظرون من قمة هرمهم العالية أسفل نحو الجراحين، والجراحين الحلاقين، والحلاقين، والعطارين وبقية ما يشكل اليوم نظام الرعاية الصحية. لم يكن هنالك من ممرضين أو ممرضات غير الراهبات والرهبان في الأديرة والكنائس، وكانت القابلات آنذاك يعتبرن خادمات وليس مقدمات لرعاية صحية. في قاع هرم مهنة الطب آنذاك، كان ممارسه الأكثر شيوعاً والذي كان الناس يقصدونه أكثر هو: المرأة الحكيمة المحلية.

كانت المرأة الحكيمة تحاكي في خصائصها نوعا ما المشعوذة حتى بمعايير العصور الوسطى، حيث كانت غالباً تعيش وحيدة لكونها أرملة أو عانساً، وكانت حكيمة فيما يتعلق بطرائق الطب الفلكلوري والعلاجات الوثنية. لقد كانت تحضر العديد من المراهم والبلاسم العلاجية والمحاليل والمساحيق بنفسها، وكانت تستخدمها لعلاج كل من يمرض في حيها الذي تسكنه.

لم تكن تكلف نفسها عناء فهم مبادئ طبية على شاكلة مبدأ الأخلاط الأربعة أو التواقيع، وكان جل ما يهمها هو النتائج المرجوة من وراء كل علاج، فكان يقصدها غالباً كل من كان لا يمكنه الذهاب إلى الدير أو الكنيسة لأي سبب من الأسباب من أجل تلقي العلاج، أو من كان لا يتحمل تكاليف زيارة الطبيب. كانت هي الشخص المنشود الذي تتصل به عندما يضرب مرض معدٍ منزلك، وكانت أحياناً ما تساعد المرض على التفشي دون قصد بالطبع.

15. كان الأطباء في العصور الوسطى يواجهون تحدياً آخر وهو انعدام النظافة الشخصية

لم تكن محاضرات علم التشريح تأخذ بعين الاعتبار النظافة الشخصية خلال العصور الوسطى.
لم تكن محاضرات علم التشريح تأخذ بعين الاعتبار النظافة الشخصية خلال العصور الوسطى.

كانت النظافة الشخصية تقريباً مرادفاً للحالة المادية للفرد خلال العصور الوسطى، هذا على الرغم من أنها تحسنت مع مرور الزمن. كان الناس ينظفون أنفسهم حقاً لكن ليس بالوتيرة المطلوبة، وكان معظمهم على دراية بحاجة الأسنان للتنظيف الدائم، غير أن الوسائل للقيام بذلك كانت في معظم الأحيان نادرة.

مثلما سبق لنا القول، مشت النظافة الشخصية والثروة يدا بيد، فلا يمكن تخيل الأولى دون الثانية والعكس غير صحيح دائماً. أما فيما يتعلق بالاعتناء بالأسنان ونظافتها، فعندما كان الشخص في العصور الوسطى يعاني ألماً في ضرسه أو سنّه، كان الحل الوحيد يتجلى في اقتلاع مصدر الألم من جذوره، وهي مهمة كان الجراح الحلاق مسموحاً له أداؤها، والتي كانت تجري غالباً في المنزل مع غياب أدنى تخدير.

أشار (إراسموس)، الذي عاش في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر في أوروبا، إلى التهديدات التي تمثلها بعض العادات في المناطق الشمالية من أوروبا وإنجلترا، وتتمثل هذه العادات في تغطية أرضيات المنازل بالقش والحصير. على الرغم من أن القش كان غالباً ما يستبدل من طرف العاملات والخادمات في المنازل، فإن استبداله لم يكن يتم بشكل كامل، وكانت بقايا عقود كاملة من شظاياه تتراكم هناك مما يساهم في تحول المنازل إلى مرتع للبراغيث، والقمل، والقراد، وبعض الحشرات الأخرى الضارة.

غير أن أكبر تهديد للصحة العمومية كان يتمثل في التخلص من الفضلات، بما في ذلك الفضلات البشرية، الذي كان يتم بصفة عشوائية وفي معظم الأحيان دون معايير وإجراءات موحدة، فكان يتغلغل في مياه الشرب وينشر الأمراض والأوبئة بين سكان المنطقة.

16. كانت زيارة الطبيب والفحوصات التي يقدمها ممارسة موحّدة المعايير

طبيب عربي يعالج مريضاً، على الأرجح يجري عليه عملية كي جرح على مستوى الرأس، خلال العصورر الوسطى.
طبيب عربي يعالج مريضاً، على الأرجح يجري عليه عملية كي جرح على مستوى الرأس، خلال العصورر الوسطى.

لم يكن الأشخاص الذين كان بإمكانهم تحمل تكاليف الطبيب يذهبون لزيارته عند إصابتهم بعلة ما، بدل ذلك، كانوا يرسلون خادماً أو خادمة لجلب الطبيب لمنازلهم. كما لم يكن الطبيب يستدعى إلا إذا كان أحدهم مريضاً أو مصاباً، حيث لم تكن هنالك من فحوصات طبية روتينية.

كان الأطباء آنذاك في جوهرهم ”رجال تصليحات“ يُستدعون عندما لا يكون الجسم يؤدي وضائفه بشكل جيد وصحيح، وكان الطبيب قلّما يوجه أسئلته مباشرة للمريض، وكان في معظم الاحيان يستسقي المعلومات التي يحتاجها عن المريض من الخادم الذي أرسل لجلبه أثناء الطريق، فكانت تلك طريقة جيدة لتكوين مفهوم مبكر عن التشخيص، كما كانت لتساعده على الحفاظ على مظهر الحكيم عند حضرة المريض.

كان قياس معدل نبضات القلب والتحقق من إصابة المريض بالحمى إجراءان روتينيان، كما كان تفحص وجود بثور على البشرة أو أي علامات مرئية أخرى كذلك.

كان الأطباء في العصور الوسطى يولون اهتماماً كبيراً لتفحص بول المريض، وذلك لأنه كان من سوائل الجسم الأساسية التي كان بالإمكان الحصول عليها بسرعة، فكان الطبيب يفحص لون البول، ورائحته وحتى مذاقه، كما كان ليستدعي جراحاً حلاقاً من أجل أن يدمي المريض ويستخرج منه بعض الدماء، أو كان ليؤدي المهمة بنفسه ببساطة.

بناء على الفحوصات التي يجريها، وبناء على المعلومات التي تحصل عليها من استجواب الخادمة أو الخادم، كان الطبيب يشرح تشخيصه للمريض والدواء والعلاج المناسب للحالة. في العصور الوسطى، كانت حضرة الطبيب في معظم الأحيان تعني نذير شؤم يومئ بالموت، وكانت تحضيرات الجنازة والحداد غالبا ما تبدأ والطبيب مازال حاضراً في البيت.

17. حقق الأطباء في العصور الوسطى بعض التقدم في علاج الحروق

على الرغم من اعتبار الأطباء في العصور الوسطى عديمي الكفاءة —مثلما هو الحال هنا في مثال تفحص البول هذا— فإنهم أحرزوا بعض التقدم فيما يتعلق بعلاج الحروق، الذي مازال يستخدم حتى يومنا هذا.
على الرغم من اعتبار الأطباء في العصور الوسطى عديمي الكفاءة —مثلما هو الحال هنا في مثال تفحص البول هذا— فإنهم أحرزوا بعض التقدم فيما يتعلق بعلاج الحروق، الذي مازال يستخدم حتى يومنا هذا.

كانت الحروق شكلا شائعاً من الإصابات خلال العصور الوسطى، وهو أمر عادي بالنظر إلى المواقد النارية المفتوحة التي كانت تدفئ المنازل، وكذا استخدام النار كمصدر للضوء. كانت النار والأغراض المسخّنة تستخدم كذلك كأسلحة خلال الحروب والمعارك، فكان الرماة يوجهون رؤوس سهامهم الملتهبة نحو مواقع الأعداء، كما كانت المجانيق ترمي بكرات ملتهبة داخل الحصون والقلاع التي كان يستخدم فيها في بعض الأحيان الزيوت والمياه الحارقة كوسيلة للدفاع ضد الغزاة. بغض النظر عن الحروب، كانت الحروق الناجمة عن الاستخدام اليومي لبعض الأدوات المنزلية، خاصة في المطبخ، أمراً شائعاً.

مارس الأطباء في العصور الوسطى تقنيات متقدمة في علاج الحروق، فكانوا يركزون على الحيلولة دون جفاف المنطقة المصابة. كانت الحروق الخطيرة، التي ستعرف لاحقاً باسم الحروق من الدرجة الثالثة، في معظم الأحيان مميتة، لكن كان بإمكان الأطباء آنذاك علاج الحروق الأقل خطورة بشكل جيد.

اتخذ الأطباء في العصور الوسطى بعض الخطوات من أجل منع انتشار البثور في المنطقة المصابة بالحروق، وكانوا يبقون عليها رطبة من خلال تطبيق بعض المراهم المحضّرة مسبقاً والتي كانوا يحتفظون بها في جرار مغلقة تحسباً لأي طارئ. استعمل الأطباء كذلك الخل كمحلول مطهر، وتضمنت المراهم المستعملة لعلاج الحروق الزيوت المستخرجة من بعض النباتات والأعشاب إلى جانب الأفيون، وزيت الورد، والبيض الذي استخدم كعنصر مكثف.

كانت المراهم تطبق عدة مرات –وفقاً لحالة الحروق– حتى لا تجف المنطقة المصابة ولا تنتشر فيها البثور والفقاعات، وكان علاج الحروق مثالاً قديماً عن الدروس التي كان بإمكان الجراحين تعلمها أثناء مرافقتهم للجيوش في حروبها، وهي المهارة التي سينقلونها معهم لاحقاً لدى عودتهم للحياة المدنية من أجل علاج المدنيين،

كما كان علاج الحروق يمثل واحدا من أكثر التطورات الناجحة على مستوى الطب في العصور الوسطى.

18. حول الجراحون في العصور الوسطى عمليات بتر الأعضاء إلى فن بحد ذاته

كان يعتقد بأن عمليات البتر تنقذ الأرواح وكان أداؤها يعتبر من الفنون التي يجب على الجراحين في العصور الوسطى إتقانها.
كان يعتقد بأن عمليات البتر تنقذ الأرواح وكان أداؤها يعتبر من الفنون التي يجب على الجراحين في العصور الوسطى إتقانها.

كانت الأعضاء المتضررة، سواء بفعل حودث يومية أو أثناء معركة ما، غالبا ما تقود إلى البتر الذي كان أكثر الوسائل أماناً في سبيل ضمان نجاة المصاب. على الرغم من أن بعض الكسور البسيطة كان بالإمكان شفاؤها باستعمال الجبيرة، فإن الكسور المتعددة على مستوى طرف واحد كانت عويصة في نظر المعالجين، وكان شفاؤها أمراً شبه مستحيل ومنه كان من الأفضل بترها.

خلال العصور الوسطى، كان الجراحون المرافقين للجيوش في الحروب يعتبرون السرعة أهم عامل في عملية البتر، ولم تكن السرعة ببساطة مجرد مدعاة لفخر الجراح الذي يمتاز بها، بل كانت عاملاً يضمن أفضل نتيجة ممكنة للمريض، فكانت تقلل من الصدمة الناتجة عن الألم وكذا تقلل من حجم الدم المفقود.

بحلول منتصف حقبة العصور الوسطى، كان بإمكان الجراح الكفؤ أن يجري عملية بتر ساق في زمن يقل عن خمسة دقائق، ابتداء من الوقت الذي يحدث فيه القطع الأوّلي، فكانت الساق نفسها تُبتر في أقل من دقيقة، وكان الزمن المتبقي ضروريا للتحكم في النزيف.

أصبح الكيّ الوسيلة الرئيسة لوقف النزيف بعد عملية البتر في العصور الوسطى، غير أن بعض الجراحين في العصور الوسطى لجأوا إلى الضمادات لذات الغرض، وهي الممارسة التي كان الإغريق القدماء يواضبون عليها. طور الجراحون في العصور الوسطى كذلك الجبائر من أجل علاج الأعضاء المكسورة لفائدة المصابين المحظوظين بما فيه الكفاية ليتجنبوا البتر، وكانت الجبائر تعدّ من مزيج من مسحوق الطحين والبيض، وكانت صلابتها تزداد مع مرور الوقت لتصبح قاسية بما فيه الكفاية لتحافظ على ثبات ساق مكسورة مثلاً.

19. انتشرت معارف العالم العربي في الطب في أوروبا عن طريق الحروب الصليبية

غيّر تأثير المعالجين العرب الطب والفلسفة في أوروبا إلى الأبد.
غيّر تأثير المعالجين العرب الطب والفلسفة في أوروبا إلى الأبد.

تغلغلت المعارف الطبية للعالم العربي والإسلامي –التي كانت ضخمة جداً– في المجتمعات المسيحية الأوروبية، التي أتتها من البلاد العربية عن طريق الجنود الذين حاربوا هناك في الحروب الصليبية وكذا الحجاج الذين زاروا المواقع المقدسة.

كانت الكثير من النصوص التي ألّفها اليونانيون القدماء قد تُرجمت لأول مرة للغة العربية، ثم عمل العلماء العرب على التوسع والتطور انطلاقاً منها، خاصة في ميادين على شاكلة التشريح. في العالم العربي القديم، كانت المساجد تمثل مراكز يتم فيها تناقل العلوم والمعارف، وهو ما كان جزءاً جوهريا في الثقافة، وكان المعتقد الإسلامي في تلك الحقبة يملي بأن الله قد خلق لكل علة دواءً —لكل داء دواء—.

في أوائل القرن العاشر للميلادي، طور طبيب فارسي في البلاد الإسلامية يدعى محمد إبن الرازي، ما أصبح يعرف بميدان طب الأطفال، وكان أول طبيب في التاريخ يقول بأن الحمى عبارة عن ردة فعل الجسم لمقاومة العدوى، كما كان أول طبيب معروف يبحث في مجال المناعة.

كانت أعمال الرازي وأطباء وعلماء عرب ومسلمين آخرين أساسية جدا في تعليم وتدريب المعالجين والأطباء في أوروبا في القرن الثالث عشر ميلادي.

جاري التحميل…

0