رياضة

الرياضة تصنع السلام؛ المنتخب السوري نموذجاً

الرياضة تصنع السلام

لطالما كانت الرياضة ملجأً يجمع كل الفئات الشعبية من شتى الاختلافات الطبقية والدينية والعرقية، ومنفذاً لتحقيق روح السلام حين يفشل العالم بكل وسائله الوحشية في تحقيقها.

ولعلّ أكثر الرياضات التي ساهمت في توحيد الشعوب المتصارعة تحت أطياف الفريق الوحيد هي رياضة كرة القدم؛ تسعون دقيقة من الصراع السلمي الرياضي، صراع يقضي على كل الصراعات الدموية اللاإنسانية التي يشهدها عالمنا نتيجة الاختلاف الكبير، والذي يتّحد بطريقة دافئة ويتلاشى مع انطلاق صافرة السلام.

فما هي أبرز الحروب الطاحنة التي همدت مع انطلاق الدقيقة الأولى من الأحداث الرياضية؟

هدنة ”عيد الميلاد“:

بعد خمسة أشهر على بدء الحرب العالمية الأولى الدموية والتي راح ضحيتها أكثر من 8 ملايين فرد من كلي الطرفين، كان كلّ من الجنود البريطانيين والألمان اللذين كانا يتصارعان على مدة الشهور الأخيرة وجهاً لوجه على الجبهات الغربية، قد اتّفقا على إيقاف الصراع وإحلال هدنة بمناسبة حلول عيد الميلاد.

وفي الليلة التي سبقتها، بدأ الجنود بتزيين المكان، بدءاً من الشموع والأغاني، حتى قام بعضهم برسم خطوط على الأرض وتحديد هدفين على أطراف ساحة الموت، وهكذا أتتهما فكرة تنظيم لعبة كرة قدم بين كلّي الطرفين.

هدنة ”عيد الميلاد“ 1914

سرعان ما نزع الجنود خوذاتهم الدامية، وانخرطوا في مباراة سلام، لم يُكترث فيها لحكم أو أخطاء أو تسجيل أو أهداف؛ لم يكُترث فيها إلّا لالتماس سلام بين طرفين كانا يقتلان بعضهما قبل بضعة ساعات، بعيداً عن مجازر الحرب العظمى القذرة.

نيجيريا و”الساحر“:

يعتبر اللاعب المشهور باسم ”بيليه“ أحد أهم أساطير كرة القدم حتى تاريخنا الحالي. فلم ينجح بيليه في تسجيل المئات من الأهداف فقط، لكنه نجح أيضاً في إحلال السلام لمدة يومين كاملين!

ففي عام 1967، كان بيليه وفريقه سانتوس البرازيلي قد قرروا إقامة جولة عالمية من المباريات الودّية في مختلف أنحاء البلدان، وكانت نيجيريا إحداها. وفي تلك الفترة، كانت نيجيريا غارقةً في حربها الأهلية الطاحنة التي راح ضحيتها أكثر من نصف مليون فرد، إلى أن حصلت ”شبه معجزة“ بين الصفوف المتصارعة، حين قرروا عقد هدنة مع إيقاف الحرب تماماً لمدة 48 ساعة، وذلك لمشاهدة النجم البرازيلي بيليه وهو يستعرض مهاراته الفنية في مباراة كرة قدم! وهكذا اكتظت مدينة لاجوس النيجيرية بالآلاف من الجموع من شتىً الأطراف، وحلّ سلام الرياضة لساعات عديدة.

المنتخب السوري ”نسور قاسيون“:

بعد أن أصبحت سوريا موضع جدل عالمي لأكثر من سبع سنوات نتيجة الحرب الدامية التي حدثت بين مختلف أطراف النزاع، لا سيما أن النزاع لم يخلُ كونه جزءاً من صراع كبير نشب بين فئات الشعب السوري من مختلف انتماءاته السياسية والدينية؛ كان المنتخب السوري قد شارك في تصفيات كأس العالم لكرة القدم عن قارة آسيا، ورغم ضعف الإمكانيات الماديّة والمعنوية من عوامل اللاعبين والأرض والجمهور، إلّا أن الفريق نجح في الوصول إلى ملحق التصفيات بأكثر الإمكانيات اتضاعاً وعلى مدى طويل، ما اعتبره العديد من الأشخاص محلياً وعالمياً على أنّه إنجاز كبير.

لا شكّ أن الإنجاز كروي بامتياز، إلّا أنّ الإنجاز الأكبر هو أن المنتخب السوري قد نجح في جمع كل أطياف الشعب السوري من مختلف التوجهات السياسية والدينية، ومن شتى الطبقات الاجتماعية، خصوصاً بعد أن ضمّ نجوم معارضين إلى صفوفه إلى جانب آخرين مؤيدين للحكم، كما ضمّ لاعبين من مختلف الخلفيات الدينية المسيحية منها والمسلمة.

ساعة ونصف من مباراة تاريخية، نجحت في إجلاء سبع سنوات من الحرب، وحشد الجماهير السورية المختلفة في ساحات سوريا وخارجها من أولئك الذين يحبون كرك الدقم ومن لا يحبونها، لتشجيع المنتخب السوري، بصرف النظر عن كل الاختلافات الأخرى ولأول مرّة منذ بدء الثورة والأحداث التي تلتها.

ساعة ونصف من الملحمة الرياضية استطاعت أن توحّد كل الشعب تحت شعار ”شجّع سوريا“. ساعة ونصف سبقها وتلاها تجمعات سورية لا تهتف لشخص ولا تحمل شعار سياسي وديني، بل تهتف بصوت واحد ”سوريا“.

وهكذا عادت سوريا إلى ساحات الإعلام، لكن ليس بخبر موت أو تهجير، بل بقصة منتخبها الذي انتصر على الدموية قبل انتصاره على الخصم، ووصل إلى السلام قبل وصوله إلى كأس العالم. لأن المنتخب كما سوريا، لا ينتمي إلى أيّ فئة سياسية أو دينية أو مذهبية، وليس حكراً على أحد؛ لا ينتمي إلّا لسوريا كلّها وللشعب السوري أجمع.

فالرياضة تتعدّى بكثير كونها مجرّد كرة أو ملعب، تتعدّى كل الألقاب والجوائز والانتصارات، لتكون سلاماً على الشعوب يحمل طابع الروح الرياضية والاغتناء بالاختلاف.

علّ الشعوب تحوّل ساحات الدماء الحمراء إلى ملاعب خضراء، وترتقي بالصراع الدموي القاتل إلى الصراع الكروي النزيه، وتستبدل صافرة الصواريخ التي تعلن عن بداية الموت بصافرة الحكم التي تعلن عن بداية المباراة، وتستعيض عن السلاح والأبدية الدموية بكرةٍ وتسعين دقيقة.

عدد القراءات: 3٬460