علوم

بشرى سارة للنساء: أصبح بالإمكان إيصال أدوية مكافحة السرطان إلى عنق الرحم باستخدام النطاف

كلنا كنا قد تعلمنا في فترات سابقة عن النطاف، وخصوصاً في المرحلة الإعدادية والثانوية؛ تسبح النطاف وتجد البويضة ثم يحدث الإخصاب الطبيعي، وبناءً على ذلك يأتي الجنين.

ولكن دراسة جديدة كانت قد نُشرت في مجلة ACS Nano المختصة بالعلوم النانوية أوضحت إمكانية استخدام النطاف لأغراض غير إلقاحية، فهذه النطاف التي تستطيع عبور القناة المهبلية تستطيع بشكل أو بآخر إيصال الأدوية المضادة للسرطان لجسم الإنسان بسرعة وفعالية وسهولة، مع أعراض جانبية تكاد تكون معدومة، والغريب في الموضوع هو كيف تمكّن العلماء من توجيه هذه النطاف؟

في الحقيقة، قاموا بتركيب أغطية مغناطيسية عليها ليتمكنوا من توجيهها باتجاه المنطقة المراد إيصال الدواء إليها.

لعقود مضت، اعتاد البشر على استخدام وسائل إيصال دوائية بسيطة: من كمادات توضع على الجلد إلى إدخال المادة الدوائية في كل الفتحات المتاحة في الجسم، أما الحقن تحت الجلد التي تثقب البشرة من أجل إيصال المادة الدوائية للمنطقة المطلوبة فلم تُستخدم قبل القرن التاسع عشر.

إيصال الدواء إلى الجزء الصحيح من الجسم مع مراعاة الكمية الصحيحة كان ولا يزال يشكل مركز اهتمام بالغ للأطباء والعلماء بشكل عام، وفي السنوات الأخيرة بدأ المجال الطبي ينتقل لمحاولة استخدام التقنيات المجهرية النانوية، من استخدام البكتيريا لاستخدام الخلايا المعدلة جينياً (خلايا الجنود التي تحارب الخلايا السرطانية بفضل تعديل جيني عليها) محاولين استثمار التقنية الحديثة لمجابهة الأمراض المستعصية، والآن ظهرت لنا هذه التقنية الجديدة: تقنية النطاف المعدلة لمحاربة السرطان والتي قد تصبح واحدة من أفضل الحلول المساعدة في علاج الأمراض المختلفة، خاصة النسائية منها.

النطاف ذوات السترات المغناطيسية قادمة وبقوة في مجال العلاج السرطاني

استخدام النطاف في علاج سرطان الرحم

استخدام النطاف في علاج سرطان الرحم – صورة: معهد العلوم النانوية التكاملية، دريسدن ACS Nano

جاءنا البحث العلمي المتعلق بالنطاف ذوات السترات من معهد (لايبنز) في مدينة (دريسدن) الألمانية الذي اعتُبر جزءاً من اكتشافات عصر النطاف الجديد، عصر نهضة تضمّن إيضاحات حول طريقة ملاحة النطاف ضمن الجسم البشري:

كان العلماء يعتقدون في إحدى المراحل السابقة أن النطاف تشم طريقها إلى البويضة، ولكننا نعلم الآن بأن النطاف لا تتمتع بأي حاسة شمية وبأنها تجد طريقها إلى البويضة عن طريق سلسلة من الإشارات الكيميائية الدالة Chemical Signposts، كما أننا نعرف الآن الأنماط الرياضية للسباحة المذهلة التي تتبعها النطاف في محاولتها للوصول إلى البويضة، كما تمكن العلماء من رسم خريطة ثلاثية الأبعاد تُظهر حركة النطاف عندما تبدأ عملية إخصاب البويضة، ولكن ما يمكننا وصفه بالأمر الثوري حالياً هو الاكتشاف الذي خرج لنا به علماء معهد (لايبنز) الذي يعد بإمكانية استخدام النطاف لإيصال الدواء إلى المناطق المتضررة، ولربما يخطف هذا الاكتشاف الأضواء من بقية الاكتشافات في مجال العلوم الإلقاحية للقرن الحادي والعشرين.

أنشأ العلماء الذين خرجوا لنا بهذا الاكتشاف ما سموه بـ(النطاف المهجّنة بمحرك مصغر) Sperm-Hybird Micromotor حيث قاموا بتثبيت أداة مغناطيسية على النطاف (والتي كانت نطافا بقرية وليست نطافا بشرية) لأهداف ملاحية (لتوجيه النطاف كما يريدون) حيث لم يهدف الأطباء أن تجد النطاف البويضة، بل كانوا يريدون توجيهها نحو ورم سرطاني.

حُمّلت النطاف المجهزة بدواء مضاد للسرطان (دوكسوروبيسين هيدروكلوريد) Doxorubicin Hydrochloride وهو علاج كيميائي يُستخدم في علاج أنواع مختلفة من السرطانات، بعدها تم توجيهها بواسطة حقل مغناطيسي باتجاه الورم السرطاني، وعندما بلغت وجهتها المنشودة، فُكّت التجهيزات المغناطسية عنها سامحةً لها بالقيام بعملها المفضل: السباحة، حيث سبحت النطاف مخترقةً جدار الورم موصلةً الدواء المضاد بشكل مباشر للورم فقط.

كانت النتائج مبهرة جداً، حيث كتب العلماء في مجلة ACS Nano أن النطاف تمكنت من حمل الكثير من العلاج الكيميائي المضاد للسرطان من دون أن توقع منه أي شيء خلال مسيرها وهذا الأمر ممتاز ومفيد جداً، لأنه وفي حال إصابة العلاج الكيميائي لأي منطقة سليمة قد يؤدي هذا إلى أعراض جانبية مريعة جداً، فعلماؤنا اليوم يعملون من أجل إيجاد أقل الطرق تسبيباً للأعراض الجانبية وأكثرها صحة وإفادة، كما صرحوا بأن استخدام آلاف النطاف المحمّلة بالعلاج الكيميائي كان كافياً للقضاء على 80% من الورم، وهذا إنجاز عظيم وأمر مهم جداً في المجال الطبي وخاصة للنساء.

لماذا يمكن أن تكون النطاف علاجا سريا للأمراض النسائية؟

الورم الذي تم تجربة استخدام النطاف المحملة بالدواء عليه هو ورم تم تطويره في المختبر، سرطان عنق الرحم هو مرض مزعج وخطير فعلاً.

أقر مجتمع السرطان الأميركي (جمعية معنية بمتابعة أمور السرطان في مختلف أنحاء الولايات المتحدة) بأن هناك 13,000 حالة سرطانية جديدة تم تشخيصها في عام 2017 فقط، الكشف المبكر والتشخيص السريع هو أهم عامل في معالجة سرطان عنق الرحم وهو أمر متوافر بكثرة حالياً بسبب لطاخة عنق الرحم (عبارة عن مسحة من عنق الرحم تؤخذ بواسطة عصا مخصصة ويتم دراستها نسيجياً لمعرفة ما إن كان هناك أية خلايا ورمية بشكل مبكر من أجل العلاج قبل أن يتطور الأمر).

وجدت دراسة تمت في عام 2017 أن خطر وفاة المرأة جراء سرطان عنق الرحم ارتفع عن إحصائية السنة الماضية بنسبة 47٪ عند النساء البيض مقابل 77٪ للنساء السود، مما يوجب على العلماء إيجاد طريقة فعالة أكثر لعلاج هذا الورم وتكنولوجيا العلاج بالنطاف تبدوا تكنولوجيا واعدة للغاية.

هناك جوانب أخرى لنجاحات طريقة استخدام الحيوانات المنوية المُقادة مغناطيسياً، فكما نعلم أن الطرق الأخرى التي حاول العلماء تطويرها من أجل إيصال الأدوية إلى أماكن محددة بدقة وفعالية عالية واجهت العديد من المشاكل: كطريقة الميكروبات الصناعية التي كانت كلما أراد العلماء توظيفها في مكان ما عاملها الجسم على أنها أجسام دخيلة مضرة ووجه أضداده وكرياته البيض نحوها ناهياً مفعولها قبل أن تتمكن من الوصول لهدفها، أما النطاف الموجهة مغناطيسياً فلا يعتبرها الجسم خطراً ولا جسماً غريباً في المهبل، ببساطة لأن هذا هو مكانها الطبيعي بالإضافة إلى أن النطاف لا تتكاثر لوحدها في تلك المنطقة أيضاً، أي لا تشكل أي كتلة سادة بل تتحلل تلقائياً من دون أي أثر بعد إيصالها للدواء لمكانه المطلوب، كما يمكن استخدامها بسهولة لتوافرها الكبير ولكون إنتاجها أمراً يسيراً أيضاً.

بالمختصر بإمكان هذه الوسيلة أن تكون واحدة من أفضل أنظمة الإيصال الطبيعية التي اكتشفها البشر إلى حد الآن.

يقول علماء معهد (لايبنيز) في تصريح لمجلة ACS Nano: ”إن هذه النطاف المهجنة بمحرك مصغر هي عبارة عن قاعدة حيوية يمكننا من خلالها الانطلاق لعلاج العديد من الأمراض النسائية كالسرطانات وأمراض الجهاز التناسلي الأنثوي الأخرى“، ولكن قبل أن تبدأ بتخيل جيوش النطاف وهي تهاجم أورام الجهاز التناسلي الأنثوي تذكر بأن هذا الأمر لم يتم تجريبه باستخدام نطاف بشرية أو على أجساد بشرية أيضاً، ومع ذلك نحن لا ننكر أن مجرد تخيل إمكانية تسليح جيش من الحيوانات المنوية بالأسلحة البيولوجية وإرسالها لمعالجة الاعتلالات الصحية النسائية بجميع أنواعها يجعلنا نشعر بالحماسة بشكل لا يصدق.

المصادر

عدد القراءات: 1٬383