تاريخ

قصة (هيرو أونودا)، الجندي الياباني الذي واصل القتال في الحرب العالمية الثانية حتى بعد انتهائها بـ29 سنة

هيرو أونودا

ولد (هيرو أونودا) في التاسع عشر من شهر مارس سنة 1922 في قرية (كاميكاوا) في مقاطعة (واكاياما) في اليابان، وقد كان قد قال في وقت لاحق واصفا مرحلة طفولته: ”لقد كنت دائما عنيدا وصعب المراس في كل أمر أقوم به“.

كما كان كذلك فردا في نسل طويل من المحاربين، وامتدت جذور تاريخ عائلته القتالية من أجداده محاربي الساموراي وصولا إلى والده الذي كان رقيبا في فرقة خيالة الجيش الياباني إبان الحرب اليابانية الصينية الثانية في الصين.

مضى (أونودا) على خطى أجداده وتجند في الجيش الإمبراطوري الياباني عندما بلغ سن الثامنة عشر، وقد كان ذلك قبل عام واحد فقط من إعلان اليابان والولايات المتحدة دخولهما في حرب ضد بعضهما، بعد الهجمات التي نفذها (الكاميكازي) اليابانيون على قاعدة (بيرل هاربر) البحرية.

(هيرو أونودا) عندما كان ضابطا شابا في سنة 1944.

(هيرو أونودا) عندما كان ضابطا شابا في سنة 1944.

في الجيش، تلقى (أونودا) تدريبا ضمن فرقة القوات الخاصة التي كانت تدعى (فوتاماتا) كضابط استخبارات في مدرسة (ناكانو) العسكرية، وهي معهد تدريب عسكري يتخصص في تعليم تقنيات عسكرية فريدة بما في ذلك حرب العصابات، وسياسات التخريب، ومكافحة التجسس، والحملات الدعائية.

وكانت كل هذه المهارات التي أتقنها (أونودا) خلال سنوات تدريبه في المعهد الآنف ذكره ستعود عليه بالفائدة بعد إرساله إلى جزيرة (لوبانغ) في (الفيليبين) بعد انتهاء فترة تدريبه في شهر ديسمبر من عام 1944.

قبل سنتين من هذا التاريخ، كان الجيش الإمبراطوري الياباني قد بسط سيطرته على الفيليبين، سالبا بذلك السلطة من الحكومة الفيليبينية والقوات الأمريكية المتموضعة في المنطقة، إلا أن الجيش لم يكن محكم التوزيع في المنطقة، وعندما أنزلت الولايات المتحدة الأمريكية قواتها ضمن عملية غزو مضاد للجزيرة في بداية سنة 1944، لم يستغرقها الوقت طويلا أن بدأت تجبر القوات اليابانية على التراجع.

بحلول شتاء سنة 1944، أٌجبرت العديد من القوات اليابانية على الخروج من معظم الجزر الكبيرة التابعة للفيليبين، وتراجعت بذلك إلى الجزر الصغرى في أرخبيل جزر الفيليبين، التي تندرج ضمنها جزيرة (لوبانغ).

ومع كونه قد أتقن التدريب الذي تلقاه في تخصص حرب العصابات بامتياز، أٌرسل (أونودا هيرو) إلى تلك الجزيرة الصغيرة في السادس والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1944 بهدف الاستعانة بمهاراته الاستثنائية من أجل منع تقدم القوات الفيليبينية والأمريكة لأطول مدة ممكنة.

وبغية تحقيق ذلك، لجأ (أونودا) إلى تقنية كانت القوات اليابانية تحاول تطبيقها فيما سبق تتجلى في أنه عندما تجد نفسها على وشك الانهزام في المواجهات المباشرة والمعارك العادية، تنسحب قبل ذلك بوقت قليل إلى الأدغال من أجل الشروع في هجمات حرب العصابات.

كان الهدف من هذا التكتيك هو عرقلة القوات الأمريكية ومنعها من تثبيت أقدامها في المنطقة، مما يؤخر كذلك من قابليتها على التقدم بشكل أسرع وأقرب نحو اليابان، مما يعطي بدوره الجيش الياباني الإمبراطوري وقتا أكثر لإعادة هيكلة نفسه والتحضر للهجومات المحتملة، وقد كانت وحدات حرب العصابات هذه، التي ستعمل كذلك كعناصر جوسسة لصالح الجيش الإمبراطوري، لتستمر في كونها شوكة في حلق قوات الحلفاء لمدة طويلة من الزمن.

صورة (هيرو أونودا) في أدغال جزيرة (لوبانغ)

صورة (هيرو أونودا) في أدغال جزيرة (لوبانغ).

إلا أن الضباط قادة القوات اليابانية المتموقعة في جزيرة (لوبانغ) رفضوا السماح لـ(هيرو أونودا) بممارسة ما كان قد تدرب على القيام به من مهارات، وقرروا بدل ذلك خوض معارك مباشرة ضد قوات الحلفاء.

وكنتيجة لذلك، وعندما أٌنزلت القوات الأمريكية على الجزيرة الصغيرة بتاريخ الثامن والعشرين من شهر فبراير سنة 1945، حاولت القوات اليابانية آنذاك مقاتلتها قتالا مباشرة، مما تسبب في هزيمتها السريعة.

وبمجرد أن استشعر (أونودا) هزيمة وحدة القوات التي كان يقاتل في صفوفها، تقرّب من ثلاثة جنود زملاء وهم الجندي (يوشي أكاتسو)، والعريف (شويشي شيمادا)، والجندي (كينشينشي كوزوكا) وأمرهم بالانسحاب إلى الغابات معه للشروع في تنفيذ هجمات حرب العصابات.

وبدأ بذلك (هيرو أونودا) حرب العصابات خاصته التي ستستمر للـ29 سنة القادمة

تمكن (هيرو أونودا) ورجاله من النجاة بفضل حمية غذائية تكونت بشكل أساسي من الأرز، وثمار جوز الهند، واللحم من الماشية المسروقة من الفلاحين الفيليبيين خلال غارات كانوا ينفذونها على القرى المجاورة عندما لم يكونوا يقاتلون القوات الفيليبينية.

في شهر أغسطس من سنة 1945، وبعد أن وضعت الحرب بين الولايات المتحدة واليابان أوزارها، بدأ (أونودا) يلاحظ انخفاضا في حدة القتال، لكنه لم يكن أبدا ليشك في كون بلده الأم قد استسلم لقوات الحلفاء، لذا واصل حربه الخاصة بقتل المزارعين المحليين، وحتى الاشتباك في تبادل إطلاق النار مع الشرطة المحلية عندما كانت عناصرها تلاحقه.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعلم بوجود وحدات حرب العصابات المنتشرة في غابات الفيليبين هذه، وكانت تعلم كذلك أنها لم يكن لها دراية بانتهاء الحرب لأنها لم تكن تملك أدنى وسيلة اتصال مع القيادة العسكرية المركزية التابعة لها، لذا عمدت إلى القيام بالعديد من المجهودات من أجل السهر على إيصال خبر استسلام اليابان إلى هذه الوحدات، بما في ذلك الإسقاط الجوي لمناشير تنشر خبر الاستسلام وتشرح ما آلت إليه أحداث الحرب.

مناشير تفيد باستسلام اليابان أٌسقطت من الجو من طرف طائرات أمريكية بهدف إعلام القوات اليابانية القابعة في أدغال جزر الفيليبين باستسلام بلدها.

مناشير تفيد باستسلام اليابان أٌسقطت من الجو من طرف طائرات أمريكية بهدف إعلام القوات اليابانية القابعة في أدغال جزر الفيليبين باستسلام بلدها.

عثر (هيرو أونودا) ورجاله أول مرة على إحدى مناشير الاستسلام ونهاية الحرب هذه في شهر أكتوبر من سنة 1945، إلا أنه سرعان ما صرف انتباهه عنها واعتبرها حملة دعائية من جهة العدو، وهو الأمر الذي كان على دراية به وكان جزءا من تدريبه الذي تكوّن عليه.

مع اقتراب نهاية سنة 1945، بدأ (أونودا) ورجاله يعثرون على المزيد من المناشير، التي أتت هذه المرة مع أمر بالاستلام مختوم عليه بختم الجنرال (تومويوكي ياماشيتا) قائد جيش المنطقة الرابعة عشر الياباني.

درس (أونودا) ورجاله الوثيقة بتمعن وتفحص شديدين، وخلصوا في نهاية المطاف إلى أنها كانت مزورة، فلم يكن (أونودا) الذي كان يمتع بحس فخر تقليدي للغاية ليتخيل أن اليابان ستستسلم، بل كان يعتقد في قرارة نفسه بأن رفاقه سيقاتلون حتى آخر جندي منهم.

بحلول سنة 1949، بدأ أحد رجال (أونودا) وهو الجندي (يوشي أكاتسو) يتأكد من أن الحرب كانت قد انتهت فعلا، فعمد إلى الرحيل ومفارقة زملائه وعاش لمفرده لحوالي ستة أشهر قبل أن يسلم نفسه أخيرا للجيش الفيليبيني في شهر مارس من سنة 1950.

سمح تسليم (أكاتسو) لنفسه للعالم بأن يعرف أن وحدات حرب العصابات اليابانية ما تزال قابعة في أدغال جزيرة (لوبانغ).

اتصلت الولايات المتحدة بعدها بعائلات أفراد تلك الوحدات، وحصلت على صور ورسائل من أقربائهم يتوسلونهم فيها بأن يعودوا إلى وطنهم، وقامت بإسقاطها جوا من الطائرات على طول الجزيرة في سنة 1952. يتذكر (أونودا) لاحقا في أحد الحوارات التي عقدت معه: ”عثرنا على مناشير وصور تخص أقربائنا وأهالينا“، وأضاف: ”لقد افترضت أنهم كانوا يعيشون تحت بطش الاحتلال وكانوا مجبرين على الطاعة من أجل النجاة“.

وكان العقدان التاليان من الزمن قاسيين على (أونودا)، ففي سنة 1954، فقد رفيق درب وكفاح آخر وهو العريف (شويشي شيمادا) الذي أصيب بطلق ناري توفي على إثره بعد اشتباك مع السلطات الفيليبينية، التي كانت تمشط الأدغال بحثا عن أفراد وحدات حرب العصابات هؤلاء الذين كانوا مطلوبين للمثول أمام العدالة في تلك المرحلة من تطور الأحداث.

استسلام (هيرو أونودا)

أسلحة وممتلكات (هيرو أونودا) من أيام الفترة التي قضاها في الأدغال معروضة في سنة 1974.

أسلحة وممتلكات (هيرو أونودا) من أيام الفترة التي قضاها في الأدغال معروضة في سنة 1974.

في سنة 1972، قُتل آخر رفاق وحلفاء (أونودا) وهو الجندي (كينشينشي كوزوكا) على يد قوات الشرطة عندما كان الإثنان يحرقان صومعة لتخزين المؤونة خاصة بإحدى القرى المجاورة.

أصبح (أونودا) الآن وحيدا لمفرده، يخوض حربه الخاصة: رجل واحد ضد الحكومة الفيليبينية، وفي هذه النقطة -بعد عودة (أكاتسو) إلى وطنه ومقتل كل من (شيمادا) و(كوزوكا)-، كان الشعب الياباني على دراية تامة بقصة (هيرو أونودا) التي أٌعجب بها الكثيرون منهم.

كان واحد من المعجبين والمتأثيرن بقصة (أونودا) رجلا قوميا ومغامرا يدعى (نوريو سوزوكي)، الذي قال قبل الانطلاق في رحلته حول العالم سنة 1974 بأنه كان يرغب في ”رؤية الملازم (أونودا)، ودب (باندا)، والمخلوق الأسطوري (ييتي) الذي يقال بأنه يعيش في جبال الهيمالايا، على هذا الترتيب بالذات“.

أصبحت أمنيته حقيقة عندما وصل إلى الفيليبين في شهر فبراير من نفس السنة والتقى بـ(هيرو أونودا) في أدغال جزيرة (لوبانغ).

لم يرتح في بادئ الأمر الجندي المسن لأمر (سوزوكي)، لكن قلقه ذلك تلاشى بمجرد أن تلفظ الشاب الياباني بالكلمات التالية: ”أونودا – سان، إن الإمبراطور والشعب الياباني قلقون بشأنك“.

تذكر (أونودا) لقاءه ذلك مع (سوزوكي) وعلق عليه في حوار لاحق معه: ”قدم هذه الشاب ’الهيبي‘ (سوزوكي) إلى الجزيرة ليستمع لمشاعر جندي ياباني، ثم سألني لماذا لا أخرج من الأدغال وأعود إلى الوطن…“، وكان جواب (أونودا) العنيد أنه لن يغادر الجزيرة حتى يريحه من واجبه الضابط المسؤول عنه.

صورة (نوريو سوزوكي) مع (هيرو أونودا) التقطت في أدغال جزيرة (لوبانغ) سنة 1974.

صورة (نوريو سوزوكي) مع (هيرو أونودا) التقطت في أدغال جزيرة (لوبانغ) سنة 1974.

عندما عاد (سوزوكي) إلى اليابان في وقت لاحق من تلك السنة، أطلع الحكومة اليابانية بشروط استسلام (أونودا).

اتصلت الحكومة بعد ذلك بالضابط الذي كان مشرفا على قيادة (أونودا)، وهو الرائد (يوشيمي تانيغوشي)، الذي أصبح منذ انتهاء الحرب بائع كتب، ونقلوه إلى جزيرة (لوبانغ).

لذا، وفي التاسع من شهر مارس سنة 1974 وفي عمر الثانية والخمسين، خرج (هيرو أونودا) أخيرا من الغابة، وكان لا يزال مرتديا زيه الرسمي الرث وحاملا بندقيته وسيفه اللذان كانا لا يزالان في وضع ممتاز لكونه كان يعتني بهما كثيرا، وذلك من أجل أن يتلقى أمر الاستسلام ووضع السلاح من طرف قائده المسؤول.

حتى في تلك اللحظة، لم يكن متأكدا من حقيقة الوضع وكان مرتابا بعض الشيء، فكان متحضرا في حالة ما نصب له فخ، لكنه عندما تلقى الأوامر من طرف قائده، خفض بندقيته ووضع 500 رصاصة كانت بحوزته أرضا، وسيفه الرسمي، وحزام السيف، وخنجره في غمده الأبيض، ثم قام بتحية العلم الوطني الياباني.

مرافقة (هيرو أونودا) خارج الأدغال في سنة 1974.

مرافقة (هيرو أونودا) خارج الأدغال في سنة 1974.

جندي الجيش الياباني الاستعماري (هيرو أونودا) يمنمح سيفه العسكري للرئيس الفيليبيني (فيرديناند ماركوس) تعبيرا منه عن استسلامه في قصر (مالاكانان) في (مانيلا) في الحادي عشر من شهر مارس سنة 1974.

جندي الجيش الياباني الاستعماري (هيرو أونودا) يمنمح سيفه العسكري للرئيس الفيليبيني (فيرديناند ماركوس) تعبيرا منه عن استسلامه في قصر (مالاكانان) في (مانيلا) في الحادي عشر من شهر مارس سنة 1974.

قدّم بعد ذلك (هيرو أونودا) سيفه للرئيس الفيليبيني في حركة تعبر عن استسلامه، وصدر في حقه عفو رئاسي عن جرائمه الكثيرة التي ارتكبها ضد الدولة، ثم عاد إلى وطنه اليابان حيث استقبل استقبال أبطال حقيقيين من طرف شعبه.

(هيرو أونودا) لحظة مغادرته الطائرة عقب عودته أول مرة لليابان من أدغال جزيرة (لوبانغ) سنة 1974.

(هيرو أونودا) لحظة مغادرته الطائرة عقب عودته أول مرة لليابان من أدغال جزيرة (لوبانغ) سنة 1974.

غير أن (أونودا) لم يرتح أبدا لواقع الحقيقة التي عرفها عن اليابان واستسلامها، وكذا اليابان الجديد الذي عاد إليه بعد تسعة وعشرين سنة، فلم يصدق أبدا أن أمته اعترفت بكونها سبب افتعال الحروب في شرق آسيا وأنها سمحت لقوات الحلفاء بحل قوات جيشها الإمبراطوري.

وبعد فترة وجيزة من عودته، انخرط في نشاطات سياسية تابعة للحزب اليميني المتطرف، وكان ينادي من أجل يابان أقوى لا يخسر الحروب ولا يستسلم، وجعلت منه شهرته وطول المدة التي قضاها يعيش في الأدغال ويحارب لوحده شخصا صعب المراس.

في سنة 1975، انتقل إلى البرازيل حيث أسس عائلة وعمل في تربية المواشي في مزرعة اقتناها هناك، وفي نهاية المطاف عاد مجددا إلى اليابان من أجل إنشاء مخيم طبيعي لفائدة الأطفال، الذي كان يعتقد بأنه سيساعدهم أكثر على الاتصال مع الطبيعة من حولهم، وبناء قيم أخلاقية إيجابية.

توفي (هيرو أونودا) في السادس من شهر يناير سنة 2014 بسبب نوبة قلبية عن عمر ناهز الـ91 سنة، وعلى الرغم من أنه لم يكن آخر جندي ياباني يتوقف عن القتال بعد الحرب العاليمة الثانية -حيث يعود ذلك اللقب للجندي (تيرو ناكامورا) وهو مقاتل حرب عصابات آخر لدى الجيش الإمبراطوري الياباني الذي واصل القتال في أدغال (أندونيسيا) إلى غاية أواخر سنة 1974- لكنه كان أشهرهم على الإطلاق، وواحد من أكثرهم إثارة للإعجاب.

ساعد إيمان (أونودا)، إلى جانب اعتقاده الراسخ بالنصر المحتوم لليابان في تلك الحرب، على النجاة خلال أصعب الظروف التي قد يتخيلها العقل البشري، لكنه قاده كذلك للأسف إلى ارتكاب جرائم قتل وترهيب في حق العديد من الأبرياء المدنيين بعد انتهاء الحرب بفترة طويلة.

تبرز لنا قصة (أونودا) قوة القيم على غرار الوفاء والفخر والحزم والإصرار وكذا الالتزام في مساعدتنا على بلوغ أهدافنا وتجاوزها أحيانا -سواء كانت أهدافا جيدة أم سيئة-.

عدد القراءات: 29٬675