اجتماعيات

دخلك بتعرف لعبة مونوبلي، اللعبة التي تم التلاعب بها

لعبة مونوبلي

ملايين الناس يعرفون هذه اللعبة ولكنهم لا يعرفون من اخترعها ولا يعرفون الفكرة وراء ابتكارها. كما يجهل معظمنا التغييرات التي حلًت بها لتصبح بالشكل الحالي. هل كانت المونوبلي تشجع الجشع الحالي أم كانت لها رسالة أخرى؟

في القادم ستقرأون القصة الكاملة حول تاريخ نشأة هذه اللعبة المشهورة.

يقول الكاتب ”مارك توين – Mark Twain“: ”قم بشراء أرض، فالموجود منها لا مزيد منه، فهي شيء لا يمكن صنعه.“ كثير من لاعبي لعبة المونوبلي يطبقون مقولة مارك توين أثناء لعبهم المونوبلي ليحظوا بالفوز، فهذه اللعبة المعروفة عًلمت أجيالاً على مر السنين كيفية الفوز بشراء الأراضي والممتلكات الأخرى كالفنادق، وعلمتهم كذلك فرض الإيجارات العالية حتى على من يسوقهم الحظ صدفة للوقوف على عقارات يملكونها.

أتعلمون أن القوانين الحالية للعبة كانت ستقود مخترعتها ”إليزابيث ماجي – Elizabeth Magie“ إلى سجن نفسها لو أمد الله في عمرها لتشهد هذا اليوم. لماذا؟ لأن اللعبة الأصلية وقوانينها كانت تشجع اللاعبين على بلوغ الفوز بتطبيق العكس تماماً.

ولدت إليزابيث في عام 1866 وكانت معارضة معروفة لقيم العنصرية والسياسات الفاسدة في وقتها، ومن أبرز مواقفها نشرها لإعلان تعرض فيها نفسها بعبارة: ”معروض لأعلى سعر: عبدة أمريكية شابة.“

كانت هذه الخطوة بمثابة الصفعة لمجتمع يحط من شأن المرآة، وهو الأمر الذي حاربت إليزابيث لتغييره. ومن أقوالها الخالدة في هذا الشأن: ”نحن لسنا بآلات“ و ”الفتاة تملك عقلاً، ورغبات، وآمال، وطموحات“.

ايجار العقارات

صورة: Getty Images

لم تكن قضايا المرأة هي هم إليزابيث الوحيد، ولكن شغلتها أيضاً قضايا الرأسمالية وأهمها (التملك العقاري)، هذه المرة لم تقم إليزابيث باللجوء إلى صياغة إعلان في الصحف ولكن قامت بإختراع لعبة.

تبدأ الحكاية بكتاب مرره لها أبوها ”جيمس ماجي – James Magie“؛ وهو شخصية سياسية عُرفت بمحاربة الإحتكار، وكان الكتاب يحمل عنوان ”التقدم والفقر – Progress and Poverty“ الذي كتبه المؤلف هنري جورج Henry George عام 1879. من أهم عبارات الكتاب التي أستوقفت إليزابيث كانت تقول: ”للناس الحق الإنتفاع بالأراضي بالتساوي، وهذا الحق لا يختلف عن حق الناس جميعاً في تنفس هواء واحد، وهو بالتالي حق يكفله وجودهم على هذه الحياة.“

مادفع الكاتب هنري جورج لقول هذا الكلام هو ما استخلصه من الرحلة التي جاب فيها الولايات المتحدة في سبعينيات القرن التاسع عشر. فقد لاحظ هنري جورج تفاقم العوز والفقر في مقابل ازدياد الثروة والغنى، وهذا جعله يخلص إلى نتيجة أن سبب وجود الفقر والغنى معاً عائد بشكل أساسي إلى عدم المساواة في أحقية امتلاك الأراضي والإنتفاع بها. وعلى عكس مقولة مارك توين الداعية إلى شراء الأراضي وتملكها؛ دعا هنري جورج إلى فرض ضرائب عليها، مستنداً في ذلك على الآتي:

أن قيمة الأرض الأساسية لا تعود إلى المنشأة المبنية فوقها، ولكنها عائدة إلى هبات الطبيعة لها من: ثروات طبيعية، ومعادن، ومن القيمة المجتمعة لما حولها من مرافق وخدمات: كوجود الطرق وسكك الحديد، والإنتعاش الإقتصادي، وأمن المدينة والأحياء التابعة لها، ووجود المرافق الأساسية من مستشفيات ومدارس. ويطالب هنري جيمس الدولة إلى إستثمار هذه الضرائب بالنيابة عن المجتمع.

مستلهمة من رؤى هنري جيمس قامت إليزابيث بإختراع لعبة عام 1904 تدعى: ”لعبة المالك العقاري – Landlord Game“، فيها أقامت إليزابيث على رقعة لوحية عدداً من الشوارع والعقارات للبيع، إلا أن أهم ما يميز هذه اللعبة هو ابتكار إليزابيث قانونين صالحين للعبها هما: قانون ”الإزدهار“ وقانون ”الإحتكار“!

في قانون الإزدهار نجد أن كل لاعب يحصل على مقابل إذا تم تمليك أي عقار باللعبة (وهذا تطبيق لرؤية الكاتب هنري جورج التي تحدثنا عنها سابقاً، والمتعلقة بفرض الضرائب ليستفيد كافة الناس) وفيها اللاعب الفائز هو من يدخل بأموال قليلة وتنتهي اللعبة وهو يملك الكثير من المال، وفيها الكل فائز بشكل أو بآخر.

في المقابل نجد أن قانون الإحتكار يقوم على العكس تماماً. فنجد تهافت اللاعبين من أجل تمًلك العقارات وجمًع الإيجارات من أولئك الذين لم يحالفهم الحظ في امتلاكها، أما الفائز فهو من يستطيع إفلاس بقية اللاعبين. وعلى عكس قانون الإزدهار الذي يخرج الجميع منه فائزاً؛ نرى أن قانون الإحتكار يتوج بالفوز لاعباً واحد بعد أن يقوم بإفلاس بقية اللاعبين.

إن هدف إليزابيث من إبتكار قانونين لهذه اللعبة كان لجعل الناس يدركون بأن هناك آثارا اجتماعية مختلفة لكل نوع من أنواع التملك العقاري، فبعضها قد ينفع الكل وبعضها الآخر قد ينفع قلة ويُفقر البقية، فكما قالت: ”من المهم أن نجعل الناس يختبرون بشكل عملي ولو عبر لعبة ما ينتجة النظام الحالي في التملك العقاري وما هي عوائده وآثاره الفعلية“، فكل نظام للتملك له انعكاساته الخاصة على المجتمع.

لعبة مونوبلي

صورة: Getty Images

وتقول إليزابيث: ”يمكننا أن نطلق على هذه اللعبة اسم (لعبة الحياة)، فهي تحتوي على كافة مقومات النجاح والفشل الموجودة في حياتنا الواقعية، وتعكس كذلك الهدف الذي يسعى غالبية البشر إلى تحقيقه ألا وهو تكديس الثروة.“

لقد حققت اللعبة فور ظهورها شهرة واسعة خاصة في أوساط النخب اليسارية، وسرعان ما انتشرت في أشهر الجامعات كجامعة وارتون، وهارفرد، وكولومبيا، بل وحتى في أوساط ”جماعة كواكر Quaker Communities“. وقد قام بعض أفراد هذه الجماعة بإعادة رسم الشوارع الأصلية في اللعبة وإضافة أسماء طرق أخرى تابعة لمدينة إتلانتيك. لاحقاً قام أحد أفراد هذه الجماعة وكان عاطلاً عن العمل يدعى ”تشالز دارو – Charles Darrow“ ببيع هذه النسخة المعدلة من اللعبة والتي حملت أسماء شواع مدينة إتلانتيك إلى شركة Parker Brothers، وخدع الشركة بادعائه اختراع اللعبة.

لم يطل الأمر طويلاً حتى ظهرت الحقيقة وقامت الشركة بشراء لعبة إليزابيث، غير أن الشركة قامت بإدخال تغييرات على اللعبة، فقد قامت بتغيير اسمها إلى ”مونوبلي“ وقامت ببيعها مرفقة بقانون واحد وهو قانون (الإحتكار) فقط، والأسوء من كل ذلك هو أن الشركة نسبت اختراع اللعبة إلى ”تشالز دارو“ المحتال الذي باعها للشركة وأصبح مليونيراً، والتي كتبت الشركة عنه أنه حلم بأنه يخترعها في الثلاثينيات من القرن العشرين.

ما حصل كان تطبيقاً فعلياً على التلفيق الذي يمارسه الأغنياء ليظلوا في القمة، ولسخرية القدر هو يعكس كذلك القيم التي رغبت الشركة في تسويقها للناس وهي قوانين الإحتكار والتلاعب.

لهذا حين تلعب في المرات القادمة المونوبلي تذكر تاريخ هذه اللعبة ولا تظلمها كما فعلوا، وحاول إنصافها بإضافة صندوق سحب ثالث بجانب سحب (صدوق الفرصة وصندوق الجماعة – Chance and Community Chest) وأطلق عليه إسم صندوق (ضريبة قيمة الأرض). أما عن كيفية تحديد سقف هذه الضريبة وكيف سيتم توزيعها بين اللاعبين فهذا ما سيشعل الجدال والحماس أثناء لعبكم للمونوبلي. لعلنا بهذه الخطوة البسيطة ننصف مخترعتها إليزابيث ولو بشيء يسير مما طمحت إليه.

مغزى المقال عبارة عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع دخلك بتعرف.

المصادر

عدد القراءات: 2٬039