علوم

ذكور الدلافين الحدباء تقدم الهدايا للإناث من أجل ممارسة الجنس

ذكور الدلافين الحدباء تقدم الهدايا للإناث من أجل ممارسة الجنس
صورة: Dan Meth/BuzzFeed

وفقا لدراسة حديثة، تقوم ذكور الدلافين الحدباء بأكثر من مجرد الحركات البهلوانية من أجل استقطاب اهتمام الإناث، فهي تقدم كذلك الهدايا لها.

لاحظ علماء البيولوجيا البحرية على الساحل الشمالي الغربي لأستراليا عرضا تزاوجيا نادرا جدا، تقوم فيه ذكور الدلافين بالتجمع وتقديم قطع اسفنج بحري كبيرة للإناث.

لم يسبق للعلماء أن رأوا هذا النوع من السلوكات لدى الدلافين من قبل، هذا السلوك الذي يبرز مهارات اجتماعية معقدة على مستوى لم يسبق أن عرف من قبل لدى هذه الدلافين.

إن العروض الجنسية أمر شائع في جميع أنحاء المملكة الحيوانية، إلا أن عروضا تتضمن تقديم أغراض، أو هدايا، هي في واقع الأمر نادرة جدا، إنه سلوك كان يلاحظ غالبا لدى نوع من الطيور، لكن لدى الثديات، فلم يسبق لهذا السلوك أن لوحظ أبدا لدى أي نوع خارج دائرة البشر.

أظهر بحث جديد نشر في مجلة (التقارير العلمية) Scientific Reports أن حيوانا ثديا آخرا، وهو الدلفين الأحدب -أو كما يعرف بـ(سوزا ساهولنسيس)- يشارك كذلك في هذه العمليات والشعائر التزاوجية المثيرة للإهتمام، لكن السؤال يبقى مطروحا فيما إذا كانت إناث هذه الدلافين تتأثر أو تستثار جراء هذه السلوكات.

ذكور الدلافين الحدباء

ذكور الدلافين الحدباء

كان فريق من الباحثين في جامعة (ويسترن أستراليا) Western Australia أول من وثق هذا العرض لدى الدلافين، كما أن هذه الدراسة الحديثة مبنية على عشرة سنوات من الملاحظة، التي واظب فيها أعضاء الفريق على مشاهدة مجموعات متعددة من الدلافين كانت موزعة جغرافيا في مناطق متفرقة من السواحل الشمالية الغربية لأستراليا.

تقدم ذكور الدلافين (وهنا بعض الطيور كذلك، والبشر أيضا) الهدايا كنوع من المغازلة، إنه سلوك إضافي تماما يتعدى نطاق النشاطات الضرورية التي تقوم بها الكائنات من أجل البقاء يوما بيوم، لذا فإن هذا النشاط يبدو كعرض واضح وجلي زائد عن اللزوم يقوم به الذكر لإبراز موارده الإدراكية والفيزيولوجية الوفيرة، كما أن جمع كميات كبيرة من إسفنج البحر من قاع البحار ليس بالأمر الهين الذي يبدو عليه، حيث أن هذه الإسفنجات تلتصق وتتشبث بشكل وثيق بالأسطح الصلبة، مما يستلزم قوة وإمكانيات كبيرة من أجل انتزاعه (لا تنسى عزيزي القارئ أن الدلافين لا تملك أصابعا).

ذكر دلفين وهو يقدم هدية تتمثل في قطعة إسفنج بحري لإحدى الإناث.

ذكر دلفين وهو يقدم هدية تتمثل في قطعة إسفنج بحري لإحدى الإناث.

ومما يزيد الأمر تعقيدا هو أن هذه الإسفنجات لا تقبع هناك عاجزة عن الدفاع عن نفسها، فهي تقوم بإطلاق بعض المركبات الكيميائية كآلية للدفاع لردع المفترسات وكذا النمو المفرط، ومنه يتعين على الدلافين كذلك تحمل بعض الألم الناجم عن التعرض للمواد الكيميائية السامة أثناء اجتثاث تلك الاسفنجات.

يتطلب هذا النشاط كذلك بعض الذكاء، وهو الأمر الذي بإمكانه أن يعتبر إشارة أخرى على اللياقة الجنسية العالية للدلافين، ومن المثير للاهتمام أنه فقط الذكور تمت ملاحظتها وهي تقوم بجمع وتقديم الاسفنجات كهدايا للإناث، كما أنها كانت تقوم بذلك فقط عندما تكون الإناث البالغة حاضرة.

(أ) ذكر دلفين أحدب بالغ وهو يتباهى بقطعة كبيرة من اسفنج البحر بالقرب من إحدى الإناث، (ب) دلفين ذكر يرمي بقطعة اسفنج باتجاه إحدى الإناث، (ج) و(د) ذكور تؤدي وضعية ”الموزة“ – صورة: S. J. Allen

يقول الباحث الرئيس في هذه الدراسة (سيمون ألان) لشبكة الأخبار ABC News بأستراليا: ”قد يكون الأمر مشابها لتقديم الهدايا بالمفهوم البشري، على غرار تقديم خواتم الماس والزهور وماشابه، وذلك من أجل إثارة إعجاب إحدى الإناث، أو لإظهار نفسه [أي الذكر] على أنه فرد قد يكون التزاوج والتناسل معه أمرا حكيما للغاية“، ويضيف: ”يبدو أن الإناث تميل إلى تجاهل الذكر، ثم يبدو وكأن الأمر يتصعّد، ويؤدي بالذكر إلى الشعور بالإحباط مما يدفعه إلى رمي الإسفنج باتجاهها“.

خلال هذه العروض المثيرة، لوحظ على الذكور كذلك قيامها ببعض الوضعيات الجسدية التي يطلق عليها اسم ”وضعية الموزة“، كما كانوا يطلقون أصواتا تحاكي صوت نفخ البوق من خلال الفتحات التي تعتلي ظهورها، لقد كان الأمر برمته أشبه بعمل إنتاجي تمثيلي.

لقد كانت المرة الأولى التي شوهد فيها هذا السلوك عندما لاحظ العلماء ذكر دلفين أحدب، في حضور إحدى الإناث وصغيرها، يقوم بالغطس إلى غاية قاع البحر وينتزع قطعة اسفنج بحري كبيرة ثم يضعها على ظهره ويدفع بها نحو الأنثى.

يقول (سيمون آلان): ”شدّنا الذهول في بداية الأمر لما رأيناه من هذه السلوكات الغريبة التي قام بها ذكر الدلفين الأحدب ذلك، ولكننا عندما قمنا بالعديد من الأبحاث الميداينة على مر السنين، ارتفع عدد الدلائل لدينا“، ويضيف: ”هنا لدينا واحدة من أكثر الحيوانات التي تتصف بالتعقيد الاجتماعي، والتي تستعمل الاسفنجات، ليس كأداة للبحث عن المؤن، بل كهدية، وهو عرض لإثبات الجدارة والنوعية، أو حتى كتهديد في السياق السلوكي الخاص بالانخراط الاجتماعي والتزاوج“.

في الواقع، وتماما مثلما يلمح له (ألان)، قد لا تكون هذه السلوكات رومانسية بالقدر الذي تبدو عليه، وهذا ما كتبه الباحثون في دراستهم كالتالي:

بصورة متباينة، والتي تعد الاحتمال الأكبر، فإن تقديم قطعة كبيرة من اسفنج البحر، وبشكل خاص الرمي بها في اتجاه الأنثى، قد يعمل على إخافتها وترهيبها، وهو أمر شبيه بجذب غصن الشجرة وهزه أو إلقاء الصخور بشكل عنيف من طرف ذكور الشمبانزي بهدف تعزيز حظوظهم في الحظي بعملية جنسية قسرا.

تعتبر الدلافين كائنات هرمية بشكل كبير، وعملية جمع الإسفنج (التي هي على قدر الغرابة الذي تبدو عليه) قد تكون طريقة تنتهجها الذكور من أجل تعزيز مكانتها ضمن النظام الاجتماعي، ومنه، قابليتها من عدمها في كونها شريكة جنسية محتملة.

بشكل مفاجئ، لوحظ بعض ذكور الدلافين ضخام الحجم وهم يعملون في أزواج، قد تكون هذه حالة غريبة ومثالا على (التعاون على التنافس)، أو بكلمات أخرى، قد تكون هذه نسخة الدلافين عن (الرجل الجناح) -أي الرجل الذي يساعد صديقه على التقرب من النساء.

يقول أحد الباحثين في هذه الدراسة وهو (ستيفن كينغ): ”إن تشكيل التحالفات بين ذكور الدلافين بهدف ممارسة الجنس القسري على الإناث هو أمر غير شائع، ذلك أن النجاح في التكاثر وتمرير الجينات من جيل إلى آخر لا يمكن مشاركته“، ويضيف: ”إن هذا اكتشاف جديد يتعلق بهذا الجنس، ويمثل سبيلا مثيرا للأبحاث المستقبلية“.

من المؤكد أنه مازال الكثير لنتعلمه حول هذه الدلافين، والكيفية التي يتم فيها ربط هذه العروض الغريبة بعملية التكاثر والتزاوج، والجاذبية، وتعزيز المكانة ضمن النظام والهرمية الاجتماعية، ومن المثير معرفة أن الباحثين ليسوا متأكدين حتى مما إذا كانت هذه العروض الجنيسية الهادفة تنجح في ترجيح الاحتمالات لصالح تزاوج الذكور التي تنتهجها.

ومنه يفيد العلماء أن الكثير من الدراسات السلوكية والجينية يجب أن تقام من أجل حسم هذه النظريات كلها، لكنه يوجد أمر واحد بإمكاننا التيقن من صحته، ألا وهو ارتفاع مستوى التعقيد الاجتماعي الذي تتمتع به هذه الثديات البحرية.

المصادر

عدد القراءات: 4٬159