in

دخلك بتعرف قصة «جاك المجنون»؟ الذي قاتل في الحرب العالمية الثانية بسيف وقوس

جاك المجنون الذي حارب في الحرب العالمية الثانية بالسيف والقوس

مع اسم مثل اسم (جاك المجنون)، يبدو من الأكيد أن صاحبه قد قام ببعض الأمور المجنونة التي جعلت الآخرين يشككون في صحته العقلية، وهو ما كان بالفعل، فقد فعل (جاك تشيرشيل) المجنون الكثير من الأمور التي جعلت الأشخاص من حوله يتساءلون عما كان يجول بخاطره، تبدو مغامراته أثناء خدمته في الحرب العالمية الثانية لكل من يطلع عليها وكأنها مقتبسة من إحدى روايات الآكشن الخيالية، غير أنها كانت حقيقية للغاية مدعومة بشهادات الكثيرين، مما يجعله آخر رجل يحارب بالسيف والقوس والنشاب في التاريخ.

ولد (جاك المجنون)، واسمه الكامل: (جون مالكوم ثورب فليمينغ تشيرشيل)، في سنة 1906 في المستعمرة البريطانية (سيلون). انتقل للعيش في (هونغ كونغ) عن عمر 4 سنوات ثم استقر في إنجلترا في سنة 1917. ارتاد كلية الملك (ويليام) وتخرج من الكلية العسكرية الملكية في سنة 1926.

خدم في صفوف الجيش في بورما قبل أن يترك الجيش في سنة 1936. بعد ذلك، شغل عدد وظائف غريبة من بينها عرض الأزياء، والعزف على مزمار القربة الإسكتلندي، وكذا رمي السهام في فيلم «لص بغداد»، كما عمل كمحرر لدى صحيفة في (نايروبي) في كينيا، وفي سنة 1939، شارك في بطولة العالم للرماية [القوس والنشاب] في (أوسلو).

بينما عاش (جاك المجنون) حياة مثيرة للاهتمام وفريدة من نوعها، غير أن لا شيء مما سبق جدير بالمقارنة بما سيلي: في سنة 1939 عاد (جاك تشيرشل) إلى صفوف الجيش البريطاني بعد غزو الألمان لبولندا، فتم ضمه لصفوف إحدى القوات الاستكشافية البريطانية، وفي سنة 1940، صادف (تشيرشل) ووحدته، التي تعرف باسم كتيبة (مانشستر)، دوريةً ألمانية بالقرب من (ليبينات) في فرنسا، فأخبر (جاك المجنون) رفاقه بأن يتركوا له شرف قتل أول جندي ألماني بسهام قوسه، وأنّ ذلك سيكون في نفس الوقت علامة على الشروع في الهجوم من جهتهم، كان لـ(جاك) ما أراد، وتمكن من قتل أول جندي ألماني بواسطة سهم أطلقه من قوسه.

(جاك تشيرشل) المجنون مع قوسه الحربي.
(جاك تشيرشل) المجنون مع قوسه الحربي.

شارك (جاك المجنون) في معركة (دانكيرك)، ثم قرر التطوع في صفوف المغاوير –الكوماندوس–، وفي السابع والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1941، أصبح نائب قائد قوات المغاوير الثالثة في عملية «القوس والنشاب»، التي كانت عبارة عن غارة على الثكنات الألمانية في (فاغسوي) في النرويج.

كان (تشيرشيل) يقوم بكل شيء على أكمل وجه، لذا عندما نزل ورجاله من الطائرة العسكرية، قفز متقدما القوات وبدأ يعزف على مزمار القربة خاصته. عزف بالتحديد أغنية بعنوان: ”زحف رجال الكاميرون“ بصخب وجهارة وفخر قبل أن يلقي بقنبلة يدوية ويهرع مسرعا إلى المعركة. نظيراً لشجاعته وخدمته، منح (جاك المجنون) وسام الصليب العسكري.

تستمر مغامرات (جاك المجنون) بتقدم عجلة الحرب العالمية الثانية.

في هذه الصورة يمكننا رؤية (جاك المجنون) وهو ينخرط في الاشتباك حاملا سيفه المشهور (على اليمين إلى الأسفل).
في هذه الصورة يمكننا رؤية (جاك المجنون) وهو ينخرط في الاشتباك حاملا سيفه المشهور (على اليمين إلى الأسفل).

كان (تشيرشيل) جنديا عدائيا وقائدا مقداماً، وكان دائما يرفض الإنسحاب أو القعود قبل أن يجعل العدو يدفع ثمنا باهضا عن كل خطوة يتقدمها في أرضه. كان غالبا ما يشارك في الغارات والهجومات المضادة مصطحبا معه مجموعة من الجنود الذين كان يختارهم بنفسه، والذين كان معظمهم رجالا يضاهونه مهارة وشجاعة، وذلك لقتال القوات الألمانية المتقدمة.

بحلول شهر يوليو من سنة 1943، أصبح (جاك المجنون) ضابطا في قيادة فرقة المغاوير الثانية، وقاد رجاله مع سيفه الإسكتلندي حول خصره، وقوسا حربية طويلة بالإضافة لسهامها حول عنقه، ومزمار قربته تحت ذراعه، لقد كان مجهزا بطريقة غريبة مقارنة ببقية الجنود، غير أنه كان يعيب على كل رجل يخرج للحرب بدون سيف، وكان يرى في ذلك سوء تحضير للحرب.

في يوميات وكتابات رجال آخرين قاتلوا إلى جانب (جاك المجنون)، كان دائما حضوره مؤشراً على الثقة والقوة، وكان يمنحهم مثالا قويا ليحذوا حذوه. أُنزلت فرقة المغاوير الثانية في إيطاليا خلال ربيع سنة 1943 بهدف منع الألمان من وضع مدفعياتهم الثقيلة على الجهة الغربية لحوض (ساليرنو)، لقد كان (جاك المجنون) هو من أدار الهجوم المضاد الختامي في تلك الواقعة، وتمكن برفقة رجاله من منع الألمان من تحقيق أهدافهم.

خلال احتدام الاشتباكات في حوض (ساليرنو)، خطرت ببال (تشيرشيل) استراتيجة فعالة بشكل خاص، حيث أمر رجاله بأن يتخذوا وضعية ستة صفوف متوازية في منتصف الليل، وبما أن المنطقة التي كانوا يقاتلون عليها كانت ذات غطاء نباتي خفيف، فقد كان من المستحيل تقريبا عليه مباغتة العدو وأخذه على حين غرة، لذا اتخذ مقاربة مختلفة تماماً، فقد أخبر (جاك المجنون) رجاله بأن يصرخوا ”كوماندو“ بأعلى أصواتهم بينما يشرعون في الهجوم، حال هذا الأمر دون إطلاقهم النار على بعضهم البعض في عتمة الليل، كما تسبب في إرباك الألمان كثيراً. في نهاية المطاف، أسر (جاك المجنون) ورجاله 136 سجينا ألمانيا وحققوا جميع أهداف غارتهم.

خلال نفس الحملة، قرر (تشيرشيل) التسلل من المعسكر في إحدى الليالي مصحوبا بعريف ضمن وحدته، وبينما كان الإثنان يسيران باتجاه البلدة أملا في أسر جندي ألماني أو اثنين، سمعا أصوات جنود ألمان يقومون بالحفر حول معسكرهم.

باستخدام النور الخافت الصادر عن سجائرهما، تمكن (جاك المجنون) والعريف من مباغتتة اثنين من الألمان، حيث بدر لهما (تشيرشيل) من الظلمة مشهرا سيفه في وجهيهما، وأمرهما بأن يرفعا أيديهما فانصاعا لأوامره، فترك سجينا واحداً مع عريفه واصطحب الثاني ليستخدمه مثل درع بشري بينما راح يبحث عن بقية الجنود الألمان.

بحلول تلك الليلة، كان (جاك المجنون) قد أسر 42 جنديا ألمانيا وسار بهم خلف خطوط العدو وهم يحملون أسلحتهم، وقذائف الهاون، والقنابل، وكانوا يجرون جرحاهم في عربات. قال (تشيرشيل) بأنه كان دائما يجعل أسراه يحملون أسلحتهم الخاصة لأن ذلك يبطئ من حركتهم، بينما كان يسهر على أخذ الذخيرة منهم.

في سنة 1944، كان (جاك المجنون) في يوغسلافيا في قيادة رجاله الكوماندوس مرة أخرى في مهمة مستحيلة أوكلت إليه، حيث أُمر هذه المرة بأن يغير على جزيرة (براك) التي كانت تحت سيطرة الألمان. جمع على إثر ذلك قوة تتألف من 1500 فدائي مقاوم للاحتلال، وفرقة الكوماندو 43 ومجموعة من فرقة الكوماندو 40.

خلال الهجوم، قاد (جاك المجنون) قوات الكوماندو 40 و43، بينما بقي الفدائيون المقاومون للاحتلال في منطقة الإنزال، ولم يتمكن من تحقيق الهدف من الغارة سوى (جاك المجنون) وستة من رجاله، وكان لا يزال يعزف على مزمار قربته بينما ضربت قذيفة هاون المجموعة وتسببت في مقتل رجاله الستة الناجين الآخرين، فأغمي عليه بعد انفجار قنبلة يدوية قريبة منه ثم أسر.

(جاك تشرشيل) على اليسار، وهو يعزف على مزمار القربة في إحدى مراسيم تخليد ذكرى ضحايا الحرب.
(جاك تشرشيل) على اليسار، وهو يعزف على مزمار القربة في إحدى مراسيم تخليد ذكرى ضحايا الحرب.

استٌجوب (جاك المجنون) في برلين قبل أن يرسل به إلى محتشد (ساشنهوزن)، وفي سبتمبر سنة 1944، بعد وقت وجيز على حبسه، تمكن (تشرشيل) وضابط في القوات الجوية الملكية البريطانية من الزحف تحت أسلاك المحتشد المحيطة، ثم زحفا عبر أنابيب الصرف الطويلة، على أمل منهما في الوصول إلى ساحل البلطيق، غير أنهما أُسرا بالقرب من (روستوك).

في أبريل سنة 1945؛ نُقل (جاك المجنون) بمعية 140 سجيناً بارزا آخر إلى (تيرول)، وهو محتشد آخر مشدد الحراسة تسهر على إدارته قوات الـ(إس إس) سيئة السمعة. تقرب وفد من السجناء بعدها من ضباط الجيش الألماني المسؤولين هناك وأخبروهم من خوفهم من أن يتم إعدامهم جوراً على يد الـ(إس إس)، فقررت وحدة الجيش الألماني بعدها حماية السجناء فرحلت قوات الـ(إس إس) على إثر ذلك.

أُطلق سراح السجناء بعدها وسار (تشيرشيل) كل تلك المسافة نحو إيطاليا حيث التقى بقوة عسكرية أمريكية مدرعة.

لم يكن (جاك المجنون) قد نال كفايته من الحرب بعد، فأرسل إلى بورما للقتال في حرب المحيط الهادئ، وبحلول الزمن الذي وصل فيه إلى الهند، كانت الحرب قد انتهت فتذمر (جاك المجنون) من هذا التوقف المفاجئ للحرب قائلا: ”لو أن هؤلاء اليانكيز –مشيرا للأمريكيين– الملاعين لم يتورطوا في الأمر، لكنا قد أبقينا على نار الحرب متقدة لعشرة سنوات أخرى“، بعد الحرب، بقي (تشيرشل) في صفوف الجيش حتى تقاعد في سنة 1959، ولم يكن قد عاش في حياته قط لحظة ملل أو ركود، وعاش ليبلغ سن التاسعة والثمانين.

جاري التحميل…

0