in

هل تعتقد أن تاريخنا سيتغيّر لو لم تلق الولايات المتحدة قنابلها النووية على اليابان؟

لو لم يحدث ذلك لشهدنا وقائعاً آخر وحروباً مختلفة سيتم استخدام الأسلحة النووية فيها أيضا بلا شك، وربما كنا سنواجه حرباً نووية عالمية بكل معنى الكلمة.

السحابة الفطرية الناتجة عن الانفجار النووي

يثير الحديث عن مدينتي هيروشيما وناغازاكي في أغسطس من عام 1945 معضلة أخلاقية وجدالاً حامياً، يدافع البعض عما قامت به الولايات المتحدة، ويعتبره أمراً ضرورياً لا بد منه في مواجه عدو لا يتوانى، بينما يعتبر آخرون ما قامت به أمريكا تصرفاً وحشياً وبربرياً.

وصف كبير مستشاري الرئيس الأمريكي (هاري ترومان) القنبلةَ النووية بأنها ”سلاحٌ همجي“، وقال متأسفاً: ”بما أننا أول من يستخدمها، فقد تبنينا معياراً أخلاقياً مماثلاً للهمج والبرابرة من العصور المظلمة“.

ولكن هل فكرتم يوماً ما بما سيحصل لو لم يقع هذا الهجوم النووي على هيروشيما وناغازاكي؟ تخيل مخططاً زمنياً يفشل فيه الحلفاء في تصنيع وتطوير الأسلحة النووية، أو مخططاً لا يتجرأ فيه الرئيس (ترومان) بمنح الضوء الأخضر لما أسماه ”أشد القنابل ترويعاً في تاريخ العالم“. كيف كانت الأمور ستجري وقتها؟

حسناً، لا تبدأ بتخيل مخططات زمنية لا نهائية، فربما لم يكن ليحدث شيء مختلف على الإطلاق! إنه أمرٌ مثير للدهشة بالتأكيد، خاصة لمن يعتقد أن إلقاء القنابل النووية هو ما دفع اليابان إلى الاستسلام على الفور. يخالفنا المؤرخون هذا الاعتقاد. حيث يرون أن اليابان كانت على حافة الدمار جرّاء الغارات الجوية المُهلكة، كعملية (ميتنغهاوس) مثلاً، حيث تم إلقاء القنابل على طوكيو بصورة جهنمية قبل بضع أشهر من كارثة هيروشيما وناغازاكي.

يدعي المؤرخون أن هجمات هيروشيما وناغازاكي لم تخمد عزيمة اليابانيين كما فعلت الغارات الجوية التي سحقت البلاد، بالرغم طبعاً من تأثير الهجمات النووية المفصلي على تاريخ صناعة الأسلحة.

إذاً ما سبب استسلام اليابان؟

خريطة توضح الغزو السوفياتي لمنشوريا
خريطة توضح الغزو السوفياتي لمنشوريا. صورة: Wikimedia Commons

وفقاً للتحليل السابق، فالسبب الحقيقي وراء استسلام اليابان هو الغزو السوفياتي لمنشوريا –القابعة تحت حكم اليابان –في التاسع من شهر أغسطس عام 1945، قبل ساعات فقط من تفجير ناغازاكي. حتى تلك اللحظة، اتخذ الاتحاد السوفياتي موقفاً محايداً من الحرب مع اليابان، كما اعتقد الكثير من المسؤولين اليابانيين أن (ستالين) سيتدخل لمساعدة اليابان في التفاوض على الاستسلام للأمريكيين بشروط مقبولة. لكن ”خيانة“ (ستالين) لليابان ودخول الاتحاد السوفياتي الحرب مع الحلفاء مثّل صدمة كبيرة للحكومة اليابانية.

كتب (تسُيوشي هاسيغاوا)، وهو مؤلف كتاب «التسابق مع العدو: ستالين وترومان واستسلام اليابان»، أن اليابان علّقت آخر آمالها على موسكو ووساطتها لإنهاء الحرب، حتى بعد حادثة هيروشيما. ويبدو أن غزو (ستالين) المفاجئ لليابان أدى إلى صدمة كبيرة وسط العسكريين اليابانيين، وخلق فجوة كبيرة في خطتهم العسكرية. بذلك تخلّى القادة العسكريون اليابانيون عن المنطق والعقلانية وقرروا إكمال الحرب حتى آخر نفس.

وكما قال المؤرخ الحربي (تيري تشارمان): ”أدركت القيادة في طوكيو غياب أي أمل بعد الآن، وهكذا كان لعملية عاصفة أوغسطس (الغزو السوفياتي للأراضي الخاضعة لحكم اليابان) أثرٌ أكبر على القرار الياباني المتمثل بالاستسلام، أثرٌ أكبر بكثير مما أحدثه إلقاء القنابل النووية“.

هل من المعقول أن القنابل النووية كانت فعلاً ذات أثر كبير؟ وأن الغزو السوفياتي لوحده لم يكن كافياً لقبول اليابان الاستسلام بدون قيد أو شرط؟ فحتى اليوم، يتولّد شعورٌ بالفخر والشرف لدى العديد من اليابانيين عند مواصلة القتال حتى الموت، ومهما كانت النتائج. لخّص المسؤول العسكري رفيع المستوى (توراشيرو كوابي) وجهة النظر تلك في مذكراته الشخصية في التاسع من أغسطس –وهو اليوم الذي وقع فيه الغزو السوفياتي وتفجير ناغازاكي– حيث قال: ”استكمال القتال يعني الموت، لكن السلام مع العدو يعني الخراب. لا نملك خياراً آخر سوى العثور على الحياة من خلال الموت، فاستمرار القتال يعني الإصرار على هلاك الشعب الياباني والبلد“.

وإذا افترضنا وقوع هذا السيناريو، أي عدم إلقاء قنابل نووية على هيروشيما وناغازاكي، كان الأمريكيون مضطرين لبدء ”عملية السقوط“، وهي خطة تقتضي اجتياحاً برياً كاملاً لليابان، في إنزالٍ مشابهٍ لإنزال الحلفاء في نورماندي. وبالفعل، كان من المخطط أن يقوم الأمريكيون بإنزال قواتهم على شواطئ كيوشو، إحدى أكبر الجزر في أقصى جنوب اليابان. حتى أن الجيش الأمريكي قام بترميز أسماء الشواطئ التي سينزل عليها الجنود، وكانت الرموز مستمدة من أسماء السيارات، كـ (أستن) و(كاديلاك) و(بويك).

وكان الأمريكيون، والحلفاء عموماً، على موعدٍ مع جنود العدو وغارات الكاميكازي الانتحارية الشهيرة، ومع السكان اليابانيين المتعصبين وشديدي العداوة تجاه الحلفاء. حيث تدرب ملايين المدنيين من الرجال والنساء والأطفال في اليابان على القتال باستخدام السيوف والهروات وقنابل المولوتوف. كما ستواجه الولايات المتحدة قتالاً من نمط حرب العصابات، مما سيطيل أمد الحرب حتى عام 1946 على أقل تقدير، كما ستزداد حصيلة القتلى من الطرفين.

في تلك الأثناء، سيستكمل السوفيات توغلّهم في الأراضي اليابانية، وربما سيتمكنون من الاستيلاء على شبه الجزيرة الكورية. ووفقاً لهذا السيناريو، وبدلاً من انقسام شبه الجزيرة الكورية إلى جزئين شمالي وجنوبي، ستصبح المنطقة بأكملها مُجزئة على شاكلة كوريا. ويُعتقد أيضاً أن (ستالين) سيحاول غزو هوكايدو في أقصى شمال الجزر اليابانية. ربما كانت اليابان ستنقسم إلى جزء شمالي شيوعي، وآخر ديموقراطي جنوبي.

يقول المؤرخ (تسيوشي هاسيغاوا) أن الولايات المتحدة ربما كانت ستقاوم الغزو السوفياتي لهوكايدو، ولكن نظراً لقوة السوفيات العسكرية، ووفقاً لحصيلة الخسارات الهائلة التي قدرتها القيادات العليا الأمريكية… وفقاً لجميع تلك الظروف، ربما كانت الولايات المتحدة ستقبل تقسيم اليابان وفقاً لرغبة السوفيات.

قدّر البعض أن ذلك السيناريو سيؤدي إلى تقسيم اليابان إلى جزئين، اليابان الشمالية الشيوعية واليابان الجنوبية الديموقراطية، أي تماماً كما حدث في ألمانيا التي انقسمت إلى قسمين غربي وشرقي. وبذلك، كانت اليابان لتصبح مفصلاً محورياً في الحرب الباردة.

في المقابل، يقول بعض المؤرخين أن الدمار الحاصل في هيروشيما وناغازاكي أدى لبروز ”وصمة نووية“ فيما يخص استخدام وتوظيف الأسلحة النووية مجدداً. وفعلاً، أدت تلك الوصمة المتعلقة باستخدام الأسلحة النووية إلى تجنب استخدامها مجدداً من طرف الولايات المتحدة في حربها ضد فيتنام والدول الأخرى. وكما قالت الباحثة السياسية (نينا تانينوالد): ”إن الخوف من العواقب الكارثية التي نتجت عن إلقاء القنابل هو من أهم الأسباب التي جعلت قادة الولايات المتحدة يتجنبون استخدام الأسلحة النووية بعد عام 1945… الامتناع عن استخدام الأسلحة النووية لم يكن ليحدث من الأساس لو لم تلق الولايات المتحدة القنبلة النووية على اليابان“.

هناك تقرير لوكالة الاستخبارات الأمريكية من عام 1966 حول إمكانية استخدام الأسلحة النووية في فيتنام، ورد فيه تحذيرٌ بخصوص هذا الشأن، حيث ذُكر أن حلفاء الولايات المتحدة سيشعرون بالعداوة والاشمئزاز إذا خرقت الولايات المتحدة تلك الوصمة المعيبة بخصوص الأسلحة النووية، واستخدمتها في حربها ضد فيتنام.

وهكذا، وفي شيء من السخرية، كان إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناغازاكي الشيء الوحيد الذي منع العالم من الوقوع في فخ الأسلحة النووية. ولو لم يحدث ذلك، لشهدنا وقائعاً أخرى وحروباً مختلفة سيتم استخدام الأسلحة النووية فيها بلا شك، وسيكون العالم أخطر بكثير، وربما كنا سنواجه حرباً نووية بكل معنى الكلمة.

وبمناسبة الحديث عن ”عالم بديل“، إليكم مسلسلاً بعنوان The Man in the High Castle، وهو مسلسل تلفزيوني أمريكي صدر الموسم الأول منه عام 2015، وهو مقتبس عن رواية تحمل الاسم ذاته. يحكي المسلسل عن مخطط زمني مختلف انتصرت فيه دول المحور، ألمانيا النازية والامبراطورية اليابانية، في الحرب العالمية الثانية، واجتاحت جيوش الدولتين العالم بأسره. تدور أحداثه في الولايات المتحدة التي قُسّمت إلى شطرين، الشرقي التابع لألمانيا النازية، والغربي التابع لليابان. المسلسل من نمط الخيال العلمي/تشويق، وإن كنتم من محبي هكذا مسلسلات، ننصحكم ألا تفوتوا فرصة مشاهدته. إليكم فيديو العرض الترويجي للموسم الأول:

جاري التحميل…

0