in

دخلك بتعرف قصة الغواصة التي أغرقها طوربيدها الخاص

الغواصة الأمريكية USS Tullibee

عانت غواصات الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية من العديد من المشاكل، أبرز هذه المشاكل كانت تتعلق بصواريخ الطوربيد المخصصة لمحاربة السفن والغواصات الأخرى، حيث كانت هذه الطوربيدات تنفجر في بعض الأحيان قبل الوصول لهدفها، أما بعضها الأخر فكان يُعاني من مشاكل على مستوى مقياس العمق، لكن المشكلة الأكثر شهرة هي ميل هذه الطوربيدات إلى تغيير مسارها على شكل دائرة عائدةً لِتُصيب الغواصة التي أطلقتها.

في البداية، كانت الطوربيدات عند بداية اختراعها لا تسير سوى في مسارٍ مُستقيم بشكلٍ مشابه لطلقات البنادق، لكن في أوائل القرن العشرين وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى تم تزويد الطوربيدات بالقدرة على تعديل مسارها باتجاه الهدف، حتى لو كانت قد أُطلِقَت في البداية إلى موقعٍ مختلف، وكان يتم ضبط زاوية تصحيح المسار هذه، التي سُميت بزاوية مدوار الطوربيد، ميكانيكياً بينما الطوربيد مازال في الأنبوب.

بفضل هذه التقنية أصبح بإمكان الطوربيد السير بمسارٍ مستقيم بعد إطلاقه وذلك لمسافةٍ قريبة محددة مُسبقاً، وعند وصوله إلى هذه النقطة المحددة تبدأ زاوية مدوار الطوربيد بالعمل جاعلةً الطوربيد يدور مغيراً مساره، وعند الوصول إلى الاتجاه المرغوب حينها يُكمل الطوربيد طريقه كي يُصيب الهدف المحدد.

المشكلة الكبرى التي واجهت الغواصات التي شاركت في الحرب العالمية الثانية هي أنّ الطوربيدات لم تتوقف عن الدوران بعد إطلاقها، مما يجعلها تعود أدراجها إلى الغواصة التي أطلقتها، مسببةً كوارث جمة في حال عدم تمكن طاقم الغواصة من التعامل مع هذه الحالة بشكلٍ سريع، حيث أنّه يوجد 30 حالة مُسجلة على الأقل لطوربيدات قامت بدورانٍ كامل وعادت لتسير باتجاه الغواصات التي أطلقتها، اثنتان من هذه الحوادث تسببت بوقوع ضحايا.

غرقت الغواصة الأمريكية USS Tullibee في التاسع والعشرين من شهر يوليو من عام 1944، ولم ينجُ سوى فردٌ واحد من طاقمها، بينما فارق باقي الطاقم بأكمله الحياة، وقد أصبحت هذه الغواصة أول غواصة أمريكية تغرق خلال الحرب العالمية الثانية بسبب طوربيدها الخاص.

الغواصة الثانية التي غرقت بسبب طوربيدها الخاص أيضاً كانت تُسمى USS Tang، وما جعل هذه الحادثة مهمة للغاية أنّ هذه الغواصة كانت من أنجح الغواصات الأمريكية التي شاركت في الحرب العالمية الثانية، فعلى الرغم من أنّها عملت لمدة قصيرة فقط لم تتعدّ الشهرين قبل غرقها، إلا أنّ طاقم هذه الغواصة نجح بإغراق قرابة 33 سفينة بالإضافة إلى أطنانٍ من الحمولة.

الغواصة الأمريكية USS Tang.
الغواصة الأمريكية USS Tang.

كانت هذه الغواصة عند وقوع الحادثة مكلفة بمهمتها الخامسة، والتي كان يُفترض أن تكون الأخيرة، حيث كانت تتجه نحو ما يُعرف اليوم بمضيق تايوان في بحر الصين الجنوبي، عندما صادفت في ليلة 23 من شهر ديسمبر من عام 1944 قافلةً كبيرة للعدو مكونة من ثلاثة سفنٍ ناقلة للنقط، وسفينة ناقلة للجنود، وسفينة شحن والعديد من الحراس والمرافقين.

قام طاقم هذه الغواصة باقتحام تشكيلة العدو هذه وبدؤوا بإطلاق الطوربيدات، حيث استهدفوا في البداية سفينة الشحن، ثم استهدفوا سفن نقل النفط، وقد أصابت كافة أهدافها مسببةً احتراق بعض السفن وغرق سفنٍ أخرى.

في الليلة التالية صادفت هذه الغواصة قافلةً يابانية مكونة من حاملات طائراتٍ جاهزة للاستخدام، وسفن نقلٍ تحمل طائراتٍ جديدة مخزنة على متنها، أطلق طاقم الغواصة عدة طوربيدات باتجاه هذه القافلة وأسرعوا في الهرب من سفينةٍ مُدمرة وسفينتين مرافقتين كانت تلاحق الغواصة.

بطريقةٍ ما غير معروفة تدمرت السفينة المدمرة وغرقت، إما نتيجةً لإصابتها بأحد الطوربيدات التي أطلقتها الغواصة أو إصابتها بأحد الصواريخ التي تُطلقها السفن المرافقة لها، أما طوربيدات الغواصة فقد أصابت أهدافها كاملةً ولم يتبقى من القافلة سوى سفينةٍ نقل واحدة، لذا قرر قائد الغواصة (ريتشارد أو كاين) تغيير مسار الغواصة والعودة باتجاه القافلة بهدف تدمير سفينة النقل هذه وإتمام المهمة على أكمل وجه.

في هذه النقطة لم يكن مُتبقياً لدى طاقم الغواصة سوى طوربيدين من أصل 24 طوربيداً كانت الغواصة مُحملة بها بالأصل، لذا قام الطاقم بإطلاق هذين الطوربيدين باتجاه سفينة النقل من مسافة 800 متر تقريباً، الطوربيد الأول شُوهد وهو ينطلق بمسارٍ مستقيم إلى الأمام، أما الطوربيد الثاني والأخير فقد تعطل بعد انطلاقه ودار بشكلٍ منحرف باتجاه اليسار ليُصيب الغواصة من الخلف.

في مقابلةٍ لاحقة تحدث (كلايتون أوليفر ديكر) أحد الناجين من هذه الحادثة قائلاً: ”نجا أحد الرجال الذين كانوا موجودين على الجسر وقال أنّ الطوربيد الأخير انطلق من الأنبوب وسار قرابة 300 متراً ثم قفز خارج الماء وهو يتحرك بشكلٍ راقص، وعندما عاد إلى الماء كان منحرفاً إلى اليسار بشكلٍ قوي، حيث دار باتجاهنا وأصاب الغواصة أمام غرفة الطوربيدات تماماً مسبباً إغراقنا مباشرةً، حيث بدأنا نغرق من مؤخرة الغواصة“.

لقد كان الانفجار الناجم عن اصطدام الطوربيد بالغواصة قوياً للغاية وتسبب باندفاع كافة أفراد الطاقم في الهواء مما أدى لاصطدامهم بالجدران الفولاذية والحواجز، حيث أنّ أولئك الذين كانوا على الجسر أُصيبوا في رؤوسهم، كما أُصيب الكثيرون بكسورٍ في أعناقهم وظهورهم.

انخفضت الغواصة حتى عمق 180 قدماً، وتدافع أفراد الطاقم إلى غرفة الطوربيدات الموجودة في الأمام وذلك بهدف استخدام صندوق الهروب. وبهدف منع وقوع الأسرار العسكرية بيد العدو بدأ أفراد الطاقم بحرق وتدمير كافة المستندات، لكن في ذات الوقت قام قاربٌ برمي بعض قذائف الأعماق مما تسبب بحريقٍ كبير في الغواصة، بدأ بإحراقها والتسبب بذوبانها.

نجح 13 رجلاً من أفراد الطاقم فقط بالهروب من غرفة الطوربيدات، وثمانية من هؤلاء الرجال نجحوا بالوصول إلى سطح المياه، و5 فقط تم إنقاذهم، كما نجح أربع من أفراد الطاقم من الهروب عبر الجسر وذلك قبل غرق الغواصة، وتم إنقاذهم بعد حوالي 8 ساعات، لكن 78 شخصاً من أفراد الطاقم فارقوا الحياة نتيجة هذه الحادثة.

من أصل 24 طوربيداً كانت هذه الغواصة تحملها في مهمتها الأخيرة أصابت 22 أهدافها مُتسببة في غرق 13 سفينة، فقط طوربيد واحد أخطأ هدفه أما الطوربيد الأخير فقد أصاب الغواصة ذاتها مُتسبباً بغرقها، وتقديراً لجهود طاقهما تم منح قائد هذه الغواصة بعد نجاته من الحادثة وسام الشرف، كما تم منح هذه الغواصة وسام التكريم الرئاسي مرتين خلال مسيرتها، كما مُنحت أربع نجوم حربية.

جاري التحميل…

0