in

قصة ثوران بركان كراكاتوا الذي أسفر عنه انفجار كان أي أحد واقف في مجاله ليصاب بالصمّ على الفور، حيث ما يزال يعتبر الأسوأ عبر التاريخ

شعر الناس بالزلازل، وتغير أنماط الطقس، وموجات التسونامي العاتية التي تسبب فيها ثوران بركان (كراكاتوا) سنة 1883 في مختلف أنحاء العالم وعلى بعد آلاف الأميال من موقعه.

ثوران بركان (كراكاتوا) سنة 1883

في صبيحة يوم 26 أغسطس سنة 1883 باشر سكان جزيرة (كراكاتوا) في مضيق (سوندا) في أندونيسيا، التي كانت تعرف آنذاك باسم «الهند الشرقية الهولندية»، يومهم صباحاً كسائر الأيام العادية، فتوجه كل واحد إلى حال سبيله بينما راحت أعمدة الدخان تتصاعد من ثلاثة أقماع بركانية ميّزت جغرافية الجزيرة.

كان الدخان حدثاً جديداً، غير أنه لم يكن غير اعتيادي، ذلك أن الجزيرة كانت تتشكل أساساً من ثلاثة براكين نشيطة، وبينما تسبب تصاعد هذا الدخان الجديد في توقف البعض وتأملهم إياه، غير أنه بالنسبة للكثيرين لم يكن مدعاة للقلق ولا مصدراً للذعر.

غير أنه كان يجدر بهم القلق حيال الأمر، فبحلول مساء ذلك اليوم تحول الدخان إلى ثوران نسف بالجزيرة ولم يترك من يابستها سوى 30 بالمائة من مساحتها الأصلية، بينما حوّل البقية إلى مجرد رماد.

بلغت أعداد ضحايا هذا الثوران 36 ألف ضحية بين من قضى نحبه أثناء الانفجار أو خلال موجات التسونامي العاتية التي تلت ذلك، كما شعر حتى الناس في مدينة نيويورك في أمريكا بتبعات هذا الثوران العنيف، ومازال يعتبر مصدر أقوى دوي صاخب تسجله البشرية على الإطلاق.

كان ثوران (كراكاتوا) مدمرا إلى أبعد الحدود، وبعد قرن ونصف من حدوثه؛ مازال يعتبر الأسوأ عبر التاريخ.

ثوران بركان (كراكاتوا) سنة 1883.

عمود دخان منبعث من ثوران أحدث لبركان (كراكاتوا).
عمود دخان منبعث من ثوران أحدث لبركان (كراكاتوا).

كان النشاط الزلزالي الذي قاد إلى حدوث ثوران (كراكاتوا) قد بدأ منذ شهور عديدة قبل حدوث الانفجار. بدأ الأمر في شهر مايو سنة 1883 عندما بدأ البخار والدخان ينبعثان من القمع الشمالي الذي كان يعرف باسم (بيربوواتان). تم تسجيل عدة انفجارات صغيرة بالإضافة إلى موجات مد وجزر في المحيط الهندي. بينما كان علماء الزلازل آنذاك يسجلون التقارير عن كل هذه الأنشطة، غير أن هذه الأخيرة لم تكن مصدر قلق كبير على شاكلة بعض الأحداث الأخرى التي كانت تجري في المنطقة.

في شهر يونيو التالي، حدث ثوران أكبر حجماً مما جعل جزيرة (كراكاتوا) كلها تغرق في الدخان لمدة أسبوع كامل. لقد كان ذلك هو الانفجار الذي يُعتقد أنه تسبب في حدوث الانفجار الثالث الأكثر خطورة، ذلك أنه بمجرد انقشاع الدخان، بدر للأعين عمودان من الرماد البركاني ينبعثان من الجزيرة.

مع بداية شهر أغسطس، أخذ الدخان ينبعث من البراكين في الجزيرة بشكل ثابت، وأصبح الهواء مليئا بالرماد تقريباً دائماً. مع ذلك كان الثوران من هذا النوع قد حدث من قبل على الجزيرة وبدا أن لا شيء يثير القلق بعد.

ثم بحلول الساعة الثانية مساءً، وفي يوم السادس والعشرين من أغسطس، نفث البركان غيمة صلبة من الرماد التي غطت الجزيرة كاملة وامتدت على ارتفاع 30 كيلومتراً في السماء، ومنذ ذلك الحين أصبحت الثورانات مستمرة، مع انفجارات ذات دوي صاخب تحدث مرة كل عشرة دقائق تقريباً بشكل مستمر.

شعرت السفن القريبة التي كانت تحيط بمياه الجزيرة بتبعات هذه الثورانات والانفجارات، وورد في تقارير طواقمها كل ذلك الكم الهائل من الرماد والصخور البركانية الحارة التي كانت تتساقط من السماء وتقع على أسطحها. خلال تلك الليلة، ضربت موجتا تسونامي صغيرتان نسبياً من جزيرة (كراكاتوا) جزيرتي (جافا) و(سوماترا) القريبتان، واللتان كانتا على بعد 40 كيلومتر من البركان.

بحلول صباح اليوم الموالي، نالت الثورانات زخماً أكبر وبلغت ذروتها في شكل أربعة انفجارات قوية جدا. وقع الانفجار الأول في قمع (بيربوواتان) البركاني الشمالي، والثاني من قمع (دانان) وهو القمع الأوسط، وكان الثوران الثالث هو المسؤول عن الكارثة الكبرى.

لقطة من فيلم تم تصويره سنة 1969 يبرزع ثوران بركان (كراكاتوا) سنة 1883.
لقطة من فيلم تم تصويره سنة 1969 يبرز ثوران بركان (كراكاتوا) سنة 1883.

على الساعة 10:02 صباحاً من يوم 27 أغسطس، ثار بركان (كراكاتوا) مصدراً دوياً يعتبر حتى يومنا هذا أقوى صوت تسجله البشرية بقوة 310 ديسيبل، وعلى وجه المقارنة، كان الصوت الصادر من انفجار كلتا قنبلتي هيروشيما وناغازاكي عند حدود 248 ديسيبل.

يعتقد الخبراء أن كل من كان واقفا على بعد 15 كيلومتر عن موقع الانفجار كان ليصاب بالصمّ على الفور، وكان الثوران صاخباً بما فيه الكفاية لدرجة أن سكان (بيرث) في أستراليا على بعد 3 آلاف كيلومتر سمعوه، إلى جانب سكان جزيرة (رودريغز) التي تقع على بعد 4500 كيلومتر.

قُدر حجم الطاقة التي أطلقها ثوران بركان (كراكاتوا) بكونها مساوية لحوالي 200 ميغاطن من الـTNT، وعلى وجه المقارنة أيضاً نذكر أن ”قنبلة القيصر“، وهي أقوى قنبلة نووية حرارية تم تفجيرها على الإطلاق، لم تصدر من الطاقة سوى ما يعادل 57 ميغاطن من الـTNT.

بحلول الساعة 10:41 صباحاً، لم يتبقَ سوى ثلث جزيرة (كراكاتوا)، ولم يتبق من الأقماع البركانية سوى القمع الثالث (راكاتا)، وحتى هو انزلق نصفه إلى قاع المحيط. تسببت الانزلاقات الأرضية في وقوع الانفجار الرابع والأخير، وعلى الرغم من أن الانفجارات كانت مدمرة ومميتة في حد ذاتها، فإنها أطلقت العنان لسلسلة من الأحداث التابعة التي شعر بها الناس على بعد آلاف الأميال، وعلى مدى سنوات من الزمن في المستقبل.

مقال من أسبوعية (هاربر) عن انفجار 1883 المريع.
مقال من أسبوعية (هاربر) عن انفجار 1883 المريع.

كان ارتفاع أمواج التسونامي التي تسبب فيها بركان (كراكاتوا) عند حدود 30 متر، تدمر الخط الساحلي لجزيرة (سوماترا) القريبة بسبب كل تلك الأمواج الهائلة والقوية، وتنقلت موجة ضغط أطلقها الانفجار الرابع على مسافة ألف كيلومتر خارج الجزيرة. أخيراً، بعد يومين على كل هذا الدمار، هدأ البركان، غير أن مساحة الجزيرة التي كان ينتصب عليها تقلصت لمجرد 30 في المائة.

عدد الضحايا المهول:

كانت قائمة الضحايا طويلة جدا ولم تقتصر فقط على سكان جزيرة (كراكاتوا)، وبينما هجرت معظم الأراضي المحيطة بالمناطق المنكوبة تماماً، تولت السلطات الهولندية مسؤولية البحث عن جثث الضحايا.

قطعة مرجان بحري هائلة الحجم قذف بها انفجار (كراكاتوا) من البحر إلى إحدى الجزر القريبة.
قطعة مرجان بحري هائلة الحجم قذف بها انفجار (كراكاتوا) من البحر إلى إحدى الجزر القريبة.

خلال الأشهر التي تلت ثوران بركان (كراكاتوا) —وكذا خلال السنوات الموالية— ظلت طواقم السفن ومسؤولو السواحل يعدّون أكواماً من الهياكل العظمية التي تطفو فوق سطح البحر ملتصقة بالصخور البركانية ومغطاة بالرماد البركاني. بعد عام من وقوع الانفجار، لفظت أمواج البحر مجموعة من الهياكل العظمية على سواحل جنوب إفريقيا في نفس الهيئة تقريباً.

استغرق الأمر بضعة سنوات من المسؤولين الهولنديين حتى يتمكنوا أخيراً من إصدار حوصلة عن عدد الضحايا الكامل عند حدود 36417 ضحية، ولم يكن جميع هؤلاء الضحايا من سكان الجزيرة البركانية، حيث أفاد المسؤولون في جزيرة (سوماترا) القريبة عن مقتل 1000 نسمة، كما لم ينجُ أي من سكان جزيرة (سيبسي) المجاورة والبالغ عددهم ثلاثة آلاف نسمة، وبقي كل من نجا من الانفجار يشعر بتبعاته على مدى سنوات كاملة، حتى في أماكن بعيدة جدا على شاكلة كاليفورنيا الأمريكية، حيث تسبب ثوران بركان (كراكاتوا) في تغيير المناخ في المنطقة.

بلغت نسبة هطول الأمطار على (سان دييغو) و(لوس أنجلوس) أرقاما قياسية لم يسبق لها أن شهدتها، وظلت السماء فوق السواحل الشرقية حمراء وكأنها تشتعل ناراً.

عمد الكثير من الفنانين إلى تصوير تلك الظاهرة السماوية التي تبدو فيها السماء وكأنها تحترق، وتقول بعض النظريات أن تلك السماء الحمراء في لوحة (ذا سكريم) من إبداع الفنان (إدفارد مونش) هي استظهار لمنظر السماء فوق النرويج آنذاك.

السماء الحمراء مثلما ترى في الساحل الشرقي.
السماء الحمراء مثلما ترى في الساحل الشرقي.

بعد مضي سنوات على وقوع الانفجار، حدثت تغييرات غريبة في أنماط الطقس حول العالم أيضاً، كما حدثت اضطرابات على مستوى الملاحظة البصرية للسماء والأجرام السماوية، حيث أفادت بعض التقارير عن تحول لون القمر إلى اللون الأزرق أو الأخضر أحيانا بينما تحول لون الشمس إلى اللون الزهري، ويعود كل هذا الأمر إلى الدخان البركاني المنبعث من ثوران (كراكاتوا) سنة 1883.

على مر السنوات القليلة اللاحقة منذ ثورانه الهائل ذلك، أفادت التقارير بأن بركان (كراكاتوا) مازال نشيطاً وتم على إثر ذلك تشكيل عدة لجنات لتأكيد ذلك ولمراقبة نشاطه منذ ذلك الحين.

حتى سنة 1927، استمرت الثورانات البركانية في إعادة توزيع وهيكلة الأرض حول جزيرة (كراكاتوا) غير أن ولا واحد منها كان أقرب للمقارنة بثوران سنة 1883. تشكلت جزيرة ثانية من رماد هذا الانفجار القوي، والتي تعرف اليوم باسم ”طفل كراكاتوا“، أو باللغة المحلية (آناك كراكاتوا).

كل سنة منذ سنة 2009 إلى غاية سنة 2012، كان بركان (أناك كراكاتوا) المتشكل حديثاً يثور في عدة مناسبات، وقد تضرر بفعل انهيار كبير وقع له سنة 2018، أما اليوم، فيبلغ طول هذا البركان 1.5 كيلومتر وارتفاعه 400 متر ومازال يثور بين الحين والآخر، والمخيف في الأمر أنه ينمو بمعدل خمسة أمتار كل سنة.

جاري التحميل…

0