ميديا

هل بياناتك الشخصية في خطر مع فايسبوك هذه الأيام؟

في يوم الأربعاء الفارط، خرج (مارك زوكربرغ) المدير التنفيذي ومؤسس موقع التواصل الاجتماعي الأكبر والأشهر على الإطلاق (فايسبوك) عن صمته أخيرا حول فضيحة مؤسسة (كامبريدج أناليتيكا) التي تهدد سمعته وسمعة شركته؛ ليقول بأن فايسبوك يتخذ خطوات وتدابير وقائية من أجل تأمين البيانات التي يمنحها مستعملوه لأطراف ثالثة على المنصة، هذه البيانات التي قد تمت سرقتها مسبقا، وتعرضت للغسيل والتصنيف وأعيد بيعها للأسف.

وفي هذه الفضيحة استعملت شركة جمع البيانات (كامبريدج أناليتيكا) بيانات مستخلصة باستعمال تطبيقات أطراف ثالثة على منصة موقع فايسبوك من أجل تصنيف 50 مليون مواطن أمريكي واستهدافهم بإعلانات ترويجية لحملة (دونالد ترمب) الانتخابية في سنة 2016.

قال (زوكربرغ) في تصريح له بأن شركته كانت قد اتخذت خطوات وتدابير صارمة من أجل تفادي حدوث سيناريوهات مشابهة مرة أخرى، كما تعهد بأن تتخذ شركته الخطوات المناسبة في المستقبل من أجل منع تطبيقات الأطراف الثالثة من بيع البيانات التي تجمعها من مستعملي الموقع، فورد في تصريحه على صفحته الرسمية في الأربعاء الفارط:

”أولا: سنعمل على التحقيق في جميع التطبيقات التي كان لها حق الولوج إلى قدر كبير من المعلومات قبل أن نقوم بإحداث تغييرات جذرية على مستوى منصتنا للحدّ من حرية الولوج لذات البيانات التي كانت هذه التطبيقات تتمتع بها في سنة 2014، كما سنجري تدقيقا شاملا في أي تطبيق يتخذ نشاطات مشتبهة، وسنقوم كذلك بحضر أي مطور برامج من استعمال منصتنا في حال رفض الانصياع لأمر التدقيق والفحص، وإذا ما اكتشفنا أن أي مطور أساء استعمال بيانات شخصية على المنصة، سنقوم بحضره على الفور مع إعلام جميع من تأثروا بسوء استعماله لبياناتهم من مستعملي الموقع والمنصة“.

(أليكسندر نيكس) المدير التنفيذي لشركة (كامبريدج أناليتيكا) في مكتب الشركة بـ(مانهاتن) في (نيويورك)

(أليكسندر نيكس) المدير التنفيذي لشركة (كامبريدج أناليتيكا) في مكتب الشركة بـ(مانهاتن) في (نيويورك).

قد يبدو هذا كفكرة جيدة وصائبة، لكن الواقع يملي بأن الأوان قد فات على هذه الإجراءات والتدابير، فإن تعرضت بياناتك للسرقة مسبقا، فلا يملك فايسبوك أية آليات أو أية سلطة لجعل الناس يحذفونها، فإن تعرضت بياناتك للتجميع من طرف تطبيقات أطراف ثالثة، فعلى الأرجح أنها الآن قد تم بيعها، وغسلها، ثم إعادة إدخالها مجددا في فايسبوك.

يقول (وودرو هارتزوغ)، مؤلف (مخطط الخصوصية: معركة التحكم في تصميم التكنولوجيات الجديدة) Privacy’s Blueprint: The Battle to Control the Design of New Technologies: ”يجب عليك أن تتعامل مع واقع أن هذه المعلومات قد تم استخراجها منك حرفيا“.

وهذا بسبب كون العديد من تطبيقات الأحاجي والمسابقات، واختبارات الشخصية، التي خوّلها فايسبوك من استعمال منصته منذ سنوات قليلة في الماضي لم تكن مجرد تطبيقات ألعاب على الإطلاق، فعلى ما يبدو كانت عبارة عن واجهات شركات ”تعدين البيانات والتنقيب عنها“، بالطبع بمقدور الفيسبوك أن يحظرها الآن من استعمال منصته، لكن العديد من تلك التطبيقات التي كانت ناشطة بين سنتي 2011 و2015 قد اختفت الآن وتوقفت عن الاشتغال، كما أن الكثير منها قد يكون باع البيانات التي استخرجها منك (ومن أصدقائك حتى لو لم يستعملوا هذا التطبيق) إلى وكلاء وسماسرة جمع البيانات الذين يصنفون الملفات حول الأشخاص من أجل إعادة استعمالها في استهدافهم في الحملات الإعلانية المختلفة.

من الجدير التنويه إلى أن الكثير من وكلاء وسماسرة البيانات ينتمون إلى فئة ”شركاء التسويق“ الذين يتعامل معهم موقع فايسبوك، والذين يمكّنون المعلنين من استهداف الأشخاص بناء على البيانات التي تحصلوا عليها أو جمعوها.

يعني هذا أن بياناتك الشخصية قد تم استخلاصها منك من طرف تطبيق ”مخادع“ من طرف ثالث غير فايسبوك، وتم بيعها بعد ذلك إلى واحد من سماسرة البيانات، الذي يكون الآن يستعمل هذه البيانات على موقع فايسبوك نفسه، ولمجرد كون هذه البيانات المسروقة قديمة نوعا ما لا يعني أنها عديمة القيمة، أو أنها بلا فائدة.

خرق خطير تعرضت له بيانات ملايين مستعملي منصة الفايسبوك

يقول (ألان ميسلوف)، باحث لدى جامعة (نورث إيسترن) الذي درس نشاطات سماسرة البيانات على منصة فايسبوك: ”كان بيع البيانات في أساسه منافيا لسياسات موقع فايسبوك منذ إطلاقه، لكن الكثير من تلك التطبيقات التي استعملت المنصة كانت سريعة الزوال والاختفاء، وعلى حد علمنا، كانت هناك القليل من القوانين لتحكم هذا الجانب الحساس“.

على سبيل المثال: لو أنك قمت بإلغاء الإعجاب بجميع الصفحات التي كنت تتبعها، وحذفت كل صورك ومنشوراتك، وقمت بكل شيء تقريبا من أجل التخلص من بياناتك على موقع فايسبوك، فإن سماسرة البيانات مايزال بإمكانهم الحصول على تلك البيانات ”المحذوفة“، ثم يقومون بإعادة إدخالها إلى المنصة على شكل ملف CSV من أجل مواصلة استهدافك في حملاتهم الإعلانية -هذا إن لم تحذف حسابك على الموقع بالكامل-، وبالطبع لا يمكن لموقع فايسبوك أن يتحكم فيمن يستعمل هذه البيانات في مكان آخر غير منصته على الإنترنيت.

يعلم كل من (مارك زوكربرغ) وشركة فايسبوك بأن هذا الأمر حقيقة وواقع، فلو تجرب سحب قابلية تطبيق طرف ثالث من الولوج لبياناتك الشخصية، ستظهر لك رسالة قصيرة يخبرك فيها فايسبوك بأن ”التطبيق مازال يحتفظ بنسخة عن البيانات التي شاركتها معه“.

على سبيبل المثال، لنفترض أنك منحت حق الولوج لبياناتك لفائدة تطبيق يحمل اسم ”vonvon“، فأنت بذلك تخوله من الدخول لحالتك واهتماماتك العاطفية، وتاريخ توظيفك، وتحديثات منشوراتك، وتاريخ تعليمك، والأحداث التي شاركت بها، ومدينتك الأم، ومدينتك الحالية، وصورك، وتوجهاتك السياسية والدينية، وفيديوهاتك، ومواقعك، والإعجابات التي منحتها للأشخاص أو الصفحات.

وبمجرد أن تحاول إزالة ربط هذا التطبيق عن حسابك، تتفاجأ برسالة يخبرك فيها فايسبوك بأن احتمال امتلاك التطبيق لبياناتك تلك حتى بعد حذفك له كبير جدا، ويتبع ذلك بـ”لمزيد من التفاصيل حول حذف هذه البيانات، نرجوا منك الاتصال بتطبيق vonvon، أو زيارة سياسة الخصوصية الخاصة بـvonvon“.

وهو أمر مستحيل بالتأكيد، لأنك بمجرد محاولتك الاتصال به ستجد أن هذا التطبيق ليس شركة حقيقية، وسياسة خصوصيته لا تتعدى كونها عبارة عن رابط يقود لما يدعى بـ”دليل التطبيق الاجتماعي“، الذي لن تجد له أثرا هو الآخر حتى لو تفحصت تطبيق (آلة العودة للخلف) The WayBack Machine -التي تحدثنا حولها في مقال سابق يمكنك الاطلاع على المزايا التي توفرها بتفصيل أكثر من هنا– تجد بأن هذا الرابط لم يكن نشطا منذ إطلاقه، وهو الأمر الذي يدعو إلى القلق.

لذا، بالطبع من المريح معرفة أن موقع فايسبوك يحاول الآن جاهدا اتخاذ الخطوات والإجراءات المناسبة للحؤول دون سوء استعمال البيانات التي نضعها عليه، لكن الأوان قد فات قليلا على ذلك.

قام الكثير من الأشخاص من مستعملي الموقع بمنح بياناتهم لمئات -إن لم تكن آلاف- التطبيقات، التي لم يعد إلا قليل منها موجودا حقا الآن، والتي لم يوجد معظهما إلا لغرض وحيد وهو سرقة بياناتك الشخصية منك، فلا يوجد ما يمكن لفايسبوك أن يقوم به في سبيل تغيير ذلك.

ناهيك عن شخصية (مارك زوكربرغ) التي باتت هي الأخرى تحوم حولها الشكوك مرة أخرى، خاصة بعد إعادة تداول فضائح الرسائل النصية الآنية المسربة من محادثات خاصة له مع أحد أصدقائه آنذاك، وتفيد هذه الرسائل أنه بعد وقت وجيز من إنشائه لموقع فايسبوك، قال (مارك زوكربرغ) في رسالة نصية له مع أحد جهات اتصاله حول الأشخاص الذين يستعملون منصته بأنهم ”أغبياء خرقى“ Dumb Fucks لكونهم وضعوا ثقتهم فيه وائتمنوا عليه بياناتهم الشخصية، وقد تم مشاركة هذه الرسالة النصية آلاف المرات منذ تسريبها في سنة 2010، كما أنه يجب أن يعلم أكثر من غيره أنه بمجرد تسرب البيانات الشخصية ووصولها لأيدي الأطراف الثالثة، من المستحيل تقريبا حذفها أو جعلها تختفي من حوزتهم بطريقة ما.

(مارك زوكربرغ) مؤسس شركة فايسبوك ومديرها التنفيذي.

(مارك زوكربرغ) مؤسس شركة فايسبوك ومديرها التنفيذي.

وكان موقع التكنولوجيا (سيليكون ألاي إنسايدر) Sillicon Alley Insider قد تحصل على نسخ من بعض هذه الرسائل، ونشرها في سنة 2010 على شكل نصوص لمحادثة بين (مارك زوكربيرغ) وأحد أصدقائه آنذاك، ووضحت هذه الرسائل كيف كان يخطط للتعامل مع موقع (هارفرد كونيكت) Harvard Connect:

  • الصديق (رُفض الإفصاح عن هويته): هل قررت أخيرا ما ستفعله بالمواقع؟
  • زاك: أجل، سأضاجعها.
  • زاك: ربما في الأذل.
  • زاك: *الأذن.

وفي مثال آخر عن محادثة مسربة من طرف نفس الموقع، شرح (زوكربرغ) لأحد أصدقائه آنذاك أن إدارته لموقع الفايسبوك منحته حق الولوج لأي معلومة يرغب فيها حول أي طالب من طلبة جامعة (هارفرد):

  • زاك: أجل، إن كنت ترغب في أية معلومة حول أي كان في (هارفرد) كل ما عليك فعله هو إطلاعي فقط.
  • زاك: أملك حوالي 4000 إيمايل، وصورة، وعنوان وإلخ
  • الصديق: ماذا؟ كيف تمكنت من الحصول على كل هذا؟
  • زاك: قام المستعملون بإدخالها في الموقع بكل بساطة.
  • زاك: أنا لا أعرف السبب.
  • زاك: يبدو أنهم يضعون ثقتهم فيّ.
  • زاك: أغبياء خرقى.

وفقا لمصدرين موثوقين، هناك الكثير من الرسائل النصية القصيرة غير المنشورة التي هي على نفس القدر من الإحراج، والتي بإمكانها إحداث ضرر كبير بسمعة (زوكربرغ) وموقعه (فايسبوك).

لكن في حوار معه، صرّح (جيم براير): ”بناء على كل ما شهدته في سنة 2006، وبعد أن تعاملت بشكل كبير مع (مارك زوكربرغ)، لم ولن تتزعزع ثقتي فيه كمدير تنفيذي للشركة“، وأضاف (براير)، وأحد المستثمرين الذين حققوا ثروات طائلة بالاستثمار في شركة فايسبوك، ”إنه شخص لامع، وتماما مثل أي شخص منا فقد كان قد اقترف أخطاء في الماضي“.

عندما سئل (زوكربرغ) حول هذه الرسائل النصية الآنية المسربة، أجاب بأنه: ”يتأسف بشكل كبير على تلك الرسائل المشينة“، وأضاف: ”إذا كنت ستعمل على بناء خدمة ذات تأثير كبير ويعتمد الكثير من الناس عليها، فعليك هنا أن تنضج كثيرا، أليس كذلك؟“، وأعقب: ”أعتقد أنني كبرت ونضجت وتعلمت الكثير من أخطائي“.

عدد القراءات: 833