علوم

لم لا نستطيع التعرف على روائحنا الخاصة؟

ممارسة الرياضة
صورة: DigBoston من فليكر

لا يستطيع البشر التعرف على روائح أجسادهم، حتى عندما تكون كريهة. إليك السبب:

هل جلست يوما أمام شخص و شعرت أنه فقد حاسة شمه بسبب الرائحة الكريهة المنبعثة منه؟ لعلك تتساءل، ما الذي يجعل الشخص غير قادر على تمييز رائحته الخاصة؟ خصوصا إذا كانت سيئة.

يشار علميا إلى هذه الظاهرة بإسم ”التعب الشمي”، أو ”التخدير الشمي“، أو ”عمى الروائح“. قد يبدو لك أنه مرض أو تشوه خلقي، لكن القدرة على تمييزنا لبعض الروائح (رائحتنا الخاصة مثلا) يمكن أن تتضاءل مع مرور الوقت.

تتموقع خلف التجويف الأنفي بحوالي 7 سنتيمترات، أعلى ووراء مناخير الأنف، مجموعة مميزة من الخلايا تسمى ”النسيج الظهاري الأنفي“، متصلة بالبصلة الشمية داخل الدماغ بواسطة الخلايا العصبية الشمية، وفي نهاية كل خلية عصبية توجد خلية مستقبلة.

عندما تتصل خلية مستقبلة بجزيئة ميكروسكوبية تجوب الهواء، أو جزيئة محطمة بفعل مضغ الطعام مثلا، يتشكل رابط يسمى إتحاد البروتونات الترابطي، مما يسبب إشارة كهربائية تنتقل إلى النيوترونات في الدماغ، تلك الإشارة التي يتلقاها الدماغ هي حاسة الشم.

هناك حوالي 350 جين من أصل 1000 جين شمي خاص بالمستقبلات الشمية، كل مستقبل يتفاعل مع مجموعة من الجزيئات المتشابهة هيكليا، مثل القهوة، والطماطم، والعطور …الخ، عندما تتفاعل مجموعة مختلفة من المستقبلات تترجم إلى نوع مختلف من الروائح، وبهذه الطريقة يميز دماغنا أعدادا لا نهائية من الروائح.

ملاحظة: كان يعتقد أن البشر بإمكانهم تمييز 10.000 رائحة مختلفة، لكن اكتشفت الدكتورة ”ليزلي فوسهال“ من جامعة ”روكفالار“ مؤخرا أن البشر بإمكانهم تمييز 1 ترليون رائحة على الأقل، وقد استخدمت 128 نوع من جزيئات الرائحة فقط لتحقيق ما يقارب 1 ترليون تقريبا من الروائح.

الآن، وعندما عرفنا أن دماغنا يستقبل قدرا لا يستهان به من الروائح، يمكننا فهم الضعف الشمي بصورة أفضل.

عندما تتصل جزيئة رائحة ما بالمستقبل الشمي، يسبب هذا اندفاع الصوديوم والكالسيوم نحو الخلية، مما يحدث فرقا كهربائيا عبر غشاء الخلية، ينتقل هذا الاندفاع عبر ممرات تسمى CNG (بوابات ايون النوكليوتيدات الدورية). يسبب هذا التدفق السريع سلسلة من المواد الكيميائية والتي تسبب بدورها إغلاق قنوات CNG، وعليه لن تستطيع جزيئات الروائح المتشابهة التفاعل مع المستقبلات، أي لن ترسل إشارات كهربائية للدماغ للتعرف على الرائحة.

روائح كريهة

بصورة مبسطة، يحدث التعب الشمي عندما نحاول شم رائحة معينة، وتكون المستقبلات المرتبطة بجزيئات تلك الرائحة والمسؤولة عن إنشاء الدفع الكهربائي ”CNG“ مغلقة بشكل نهائي، أي يستحيل تحفيزها، مما يتركنا مع المستقبلات التي تتفاعل مع جزيئات روائح أخرى فقط، أي مَيْلُنا للتعرف على أنواع جديدة من الروائح يزيد أكثر، أما الروائح القديمة (المعتاد عليها) تزول تدريجيا بمرور الوقت، وبذلك يصبح لدينا عمى للروائح.

يدفع هذا بنا للتساؤل: كيف يمكن عكس تأثير عمى الروائح؟ حسنا، ليس هذا بالأمر الهين.

ربما قد لاحظت يوما أن محلات العطور تحتوي على صحون من القهوة التي من المفروض أن تعيد تشكيل الخلايا الشمية عندنا. قد يبدو هذا منطقيا جدا، فإذا كانت جزيئات الروائح القديمة العالقة تسبب التخدير الشمي، فهذه الرائحة الجديدة (القهوة) يجب أن تزيل الجزيئات القديمة بكل بساطة.

هناك حوالي 28 نوع من جزيئات القهوة المختلفة باختلاف روائح القهوة، فإذا كانت روائح أقوى من الأخرى المسببة للتخدير الشمي ربما ستساعد على إعادة تنظيم الخلايا العصبية. لكن الدراسات أشارت إلى أن تأثير رائحة القهوة على خفض تأثير التكيف الشمي و تأثير الجزيئات الأخرى المسببة له ليست أفضل من أخذ نفس عميق من الهواء النقي.

طريقة أخرى لعكس تأثير التعب الشمي عبر إعادة المستقبلات الشمية إلى حالتها الأصلية بالاستعانة برائحة البشرة، تتم هذه الطريقة عبر إستنشاق أجزاء من البشرة الخالية من الروائح تماما، وهكذا يصبح الجهاز العصبي أكثر إدراكا لهذه الرائحة. لكن هذا لا يبدو عقلانيا ومنطقيا، بالأضافة أنه لا توجد دراسات وبحوث كافية لإثبات فعالية هذه الطريقة.

في النهاية، كوننا نعاني من التخدير الشمي له فوائده التي لا يمكن انكارها، فهو قد يغنينا عن التأثر بالكثير من الروائح المزعجة كرائحة الثوم أو البصل مثلا. أما إذا كنت تريد عكس تأثير التعب الشمي، وتريد التعرف على روائح جسمك (الجيدة والسيئة)، يؤسفنا أن نقول أن ذلك مايزال عير ممكن بسبب عدم توفر البحوث والتجارب العلمية المناسبة، وهذا يتركنا مرة أخرى مع السؤال الكلاسيكي ”هل رائحتي مزعجة؟“ ونأمل أن يجيبنا شخص ما بصدق دون تحفظ أو خوف من خدش مشاعرنا.

مقال من إعداد

mm

جوزيف لعلاوي

طالب عشريني أدرس في جامعة الجزائر العاصمة، أهتم بالتصوير الفوتوغرافي والتصميم والفنون. مدافع شرس عن حقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير.

المصادر

عدد القراءات: 2٬502