علوم

كيف تزيد الأشجار من التلوث في المدن الحارة؟

نخيل مع الغروب

حين ترتفع درجة الحرارة تصبح النباتات مصدراً كبيراً لتلوث الهواء. فالنباتات والشجيرات تطلق المواد الكيميائية بشكل أكبر عند ارتفاع درجات الحرارة مكونةً بتفاعلها مع غازات عوادم السيارات طبقة من الأوزون الأرضي الضار بالصحة، والذي قد يسبب تهيج الرئتين.

لطالما سمعنا عن الدور الذي تلعبه زراعة النباتات في جعل المدن أكثر اخضرارا ونظافة وسلامة، لكن ما تم اكتشافه مؤخراً يغير هذه الفكرة. فقد كشف تقرير نشرته مجلة (Environmental Science & Technology) في 17-3-2017 يقول إن زيادة درجات الحرارة تؤدي إلى تكون طبقة من الأوزون بمساعدة المواد الكيميائية التي تطلقها الأشجار في المدن الحضرية مما يشكل 60% من الأوزون الأرضي. وهذا بدوره يزيد نسبة التلوث في الهواء.

يرى بعض خبراء التخطيط الحضري الذين لم يشاركوا في هذه الأبحاث كالأستاذ روبرت يونج من جامعة تكساس بمدينة أوستن، أنه على الرغم من كون هذه النتائج مفاجأة وغير متوقعة، إلا أن هناك آثار وتفاعلات متعددة لأي شيء، ولا تعني هذه النتائج أن يتم وقف زرع الأشجار في المدن بل الأحرى أن نتخذ التدابير الصارمة للحد من مصادر التلوث المعروفة كعوادم السيارات وغيرها.

كيف تزيد الأشجار من التلوث

صورة: Christianchen/iStockphoto

فلا يخفى على أحد ما تضيفه الأشجار للمدن من توفير مساحات ظليلة وتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى أكسجين والحد من جريان مياه الأمطار على الأسفلت، إلا أن نفس الأشجار تقوم في المقابل بالتفاعل مع البيئة المحيطة بها وتطلق ملوثات للهواء بوجود الحرارة وغازات العوادم.

ومن هذه الملوثات الأيسوفرين Isoprene والذي يتفاعل مع ملوثات يصنعها الإنسان كأكاسيد النيتروجين مشكلاً طبقة من الأوزون الأرضي (وهي طبقة عديمة اللون يمكنها تشكيل خطورة على صحة الإنسان). كما التربينات العضوية التي تفرزها النباتات وخاصة التربينات الأحادية والتربين الأحادي والنصف حين تتفاعل مع أكاسيد النيتروجين تطلق جزيئات متناهية الصغر شبيه بالفحم تتراكم في الهواء. وفي المدن، تعد السيارات والشاحنات مصادر أساسية لإطلاق أكاسيد الهيدروجين المذكورة آنفاً.

في دراسة حديثة أجرتها جالينا تشركينا Galina Churkina وعدد من زملائها بجامعة هومبولت في برلين Humboldt University of Berlin، قامت بمحاكاة إطلاق التركيبات الكيميائية المكثفة التي تطلقها النباتات في الهواء. وقد اختارت الباحثة منطقة برلين براندبيرج موتروبوليتان لتجري هذه التجربة، واختارت فصلين للصيف كان أحدهما يشهد موجة حارة استثنائية وهو صيف 2006 وصيف ذو درجات حرارة معتدلة وهو صيف 2014.

ففي يوم الصيف الاعتيادي بلغت أقصى درجة حرارة 25 درجة سلسيوس، وتظهر المحاكاة أن المواد التي تطلقها النباتات بفعل الحرارة تسهم في تكوين ما نسبته 6% إلى 20% من الأوزون الأرضي، بالمقابل فهذه النسبة ترتفع بشكل لافت لتصل إلى 60% حين ترتفع درجة الحرارة إلى 30 درجة سلسيوس. وتقول الباحثة أنها وزملائها لم يفاجؤوا بعلاقة النباتات بالتلوث ولكن ما فاجأهم حقاً هو حجم الارتباط بينهما، وتقول إن حملات تشجير المدن لا يمكن أن تكون بمعزل عن حملات مكافحة التلوث، فزراعة الأشجار لن تساهم في تقليل التلوث إلا إذا رافقها تقليص كبير لعوادم السيارات واستخدام أكبر لمصادر الطاقة الخضراء.

في سياق مرتبط، تعاني العواصم العربية من اكتظاظ كبير للبشر والمركبات والمباني بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الحرارة عن 30 درجة خلال بعض الأشهر بصفة متكررة سنوياً وليست استثنائية كما يحصل في أوروبا، ولعل هذه الدراسة تكون ذات فائدة كبيرة للعاملين في التخطيط الحضري في الدول العربية.

لا زالت هناك الكثير من الأفكار التي ترسخت منذ سنين دون تحديث أو مراجعة، فأغلبنا في هذا الجزء من العالم الحار نسبياً نعتقد أن زراعة النباتات تزيد معدلات الأوكسجين، دون أن نعلم أن زراعة النباتات في مناطق تكتظ بعوادم بالمركبات وبوجود درجات حرارة تتعدى 30 درجة خلال أشهر عدة في السنة سيكون له أثر تلوثي وصحي كبير، فالأوزون الأرضي يضر البشر والحيوانات والنباتات نفسها.

مقال من إعداد

mm

فاطمة بنت ناصر

كاتبة ومترجمة من سلطنة عمان، مهتمة بإثراء المحتوى العربي على الإنترنت.

المصادر

عدد القراءات: 549