in

كيف تنجو من حادثة تحطم طائرة؟

يسافر جواً حوالي ثمانية مليون شخص منا كل يوم حول العالم، حيث يبلغ الرقم الإجمالي السنوي لعدد المسافرين في الرحلات الجوية أزيد من 3 مليارات مسافر، كما من المحتمل أن يقضي كل واحد منا خلال فترة حياته ما معدله 12 يوماً كاملاً في الجو.

وعلى الرغم من أن فرص وقوع حوادث تحطم الطائرات هي في الواقع 1 في كل 1.2 مليون رحلة جوية، فإن حوالي 30 في المائة منا ما زال في الواقع يعاني من القلق عندما يتعلق الأمر بالسفر جواً. قد يكون ذلك بسبب أنه على الرغم من أن الاحتمالات ضعيفة جدا، فإنه قد وقع 23 ألف حادث تحطم طائرة منذ فجر الطيران، وقد شهد العقد الماضي وحده 1770 حادث تحطم طائرة نجم عنه أكثر من 11 ألف وفاة.

لذا، هل تقوم شركات الخطوط الجوية بكل ما في وسعها للحفاظ على سلامة ركابها؟ أم أنها تقوم بالعكس تماماً عندما يحدث الأسوأ وتبدأ الطائرة في السقوط؟

هل يتعذر عليك إكمال قراءة كل المقال الآن؟ يمكنك حفظه في المفضلة والعودة إليه لاحقا..

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف»، سنعمل على تبيين ما هو حقيقي وما هو ليس كذلك فيما يتعلق بهذا الأمر، تابع معنا القراءة:

عندما تبحث على محرك البحث غوغل عن مصطلح ”وضعية الاستعداد“، التي يتخذها المسافرون على متن الطائرات استعدادا للهبوط الاضطراري أو التحطم، ستظهر لك من بين نتائج البحث الكثير والكثير من الأفكار التي تقول بأن الوضعية تم تصميمها من طرف شركات الخطوط الجوية إما لقتل المسافرين أو لحفظ أسنانهم من أجل التعرف على جثثهم لاحقاً، لذا ما الذي جعل من هذه النظرية شائعة مؤخراً؟ وكيف يفترض بها أن تكون حقيقية؟

وضعية الاستعداد للهبوط الاضطراري.
وضعية الاستعداد للهبوط الاضطراري.

يقول البعض أنه في حالة حادث تحطم طائرة، صممت وضعية الاستعداد المعروفة من أجل قتل المسافرين، من خلال كسر أعناقهم وقصم ظهورهم بفعل الارتطام بالمقاعد المصفوفة أمامهم. قد تتساءل عزيزي القارئ: لماذا قد ترغب شركة طيران في القيام بأمر شنيع كهذا؟

الجواب هو أنك في حالة موتك في حادثة تحطم طائرة، سيتعين على شركة الخطوط الجوية حتماً الدفع مقابل دعوى القتل الخطأ التي ستُرفع ضدها، أما إن نجوت من حادث تحطم طائرة مع عدة إصابات، هنا تواجه شركة الخطوط الجوية مبالغ تعويضية ضخمة، وهنا تأتي الوقائع لتوضيح الأمور: فبالنسبة لشركات الخطوط الجوية يأتي تركك لتموت في حادثة التحطم أقل تكلفة من مساعدتك على النجاة، لأنها في هذه الحالة الثانية ستُجبر على دفع مبالغ ضخمة كتعويضات على الجروح والإصابات التي تسببتها لك، وذلك لأن قيمة الدعوى القضائية عن قتل الخطأ تكون أقل حجماً بمبلغ يتراوح بين 3 إلى 40 مليون دولار عن الدعوى القضائية لتعويض الخسائر والإصابات.

لا توجد أية حالات مؤكدة تشهد على أن شركات الخطوط الجوية قد ركزت على هذا الأمر من قبل، لكن التاريخ يستظهر بوضوح كيف تقوم الشركات الكبرى باختيار الفوائد المالية على أمن وسلامة زبائنها، من أمثلة ذلك شركة فورد للسيارات في سنة 1970 عندما صممت موديل (بينتو)، وهي سيارة تبين عند إنتاجها أنها كانت تعاني من عيب خطير يهدد سلامة راكبيها، وبعد تقييم المصنّع لتكلفة استرجاعها من أجل تصحيح الخطأ وجعلها أكثر أماناً، اكتشف أن الأمر يتطلب 113 مليون دولار، وفي الجانب الآخر تبين له أن تعويضات أية خسائر محتملة للزبائن قد تنجم عن حوادث على علاقة بالعيب التصنيعي تتراوح عند حدود 43 مليون دولار، ومما يثير الدهشة أن الشركة اختارت عدم استرجاع سياراتها لجعلها أكثر أماناً.

سيارة فورد (بينتو) المثيرة للجدل.
سيارة فورد (بينتو) المثيرة للجدل.

نتج عن هذا الاختيار المادي البحت، الذي فضل فيه المصنّع المال على سلامة زبائنه، بين 27 إلى 180 وفاة، لذا بتنا نعلم أن الفوائد المالية قد تكون أحيانا الخيار الأمثل للشركات الكبرى.

لكن قبل أن نذهب أبعد من ذلك، دعونا نلقي نظرة على العلم وراء وضعية الاستعداد الخاصة بالهبوط الاضطراري لنرى ما إن كانت هنالك دلائل تفيد بأنها تجدي نفعاً أصلاً:

تم تصميم هذه الوضعية بشكل رسمي من أجل حماية الركاب ومنحهم أفضل الفرص في النجاة أثناء وقوع حوادث سقوط وتحطم الطائرات، وقد تم إدخال وضعية الاستعداد مثلما نعرفها اليوم أول مرة بعد كارثة (كيغوورث) للخطوط الجوية سنة 1989، وقد كان هذا حادثة تحطم طائرة تضمنت 118 مسافراً، الذين لاق منهم 47 حتفهم، ومن بين المسافرين الـ79 الناجين؛ عانى 74 من إصابات خطيرة.

اكتشف تحقيق أجري على حيثيات حادثة التحطم أن وضعية الاستعداد التي ينصح بها آنذاك قد تكون قادت إلى التسبب ببعض الإصابات للمسافرين الذين اتبعوها، حيث تسببت وضعية الاستعداد التقليدية للمسافرين على متن الدرجة الاقتصادية في كسور على مستوى الساقان والذراعان والصدر نتيجة الارتطام بالمقعد التالي.

بعد هذه الكارثة، أصدرت إدارة الطيران الفدرالية الأمريكية تعليمات جديدة في سنة 1994 تضمنت تحديثا لوضعية الاستعداد، وهي النسخة التي نعرفها اليوم، والتي تنصح المسافرين بوضع الرأس والذراعين على موضع رأس المقعد التالي، كما تنصحهم بأن سيقانهم يجب أن تكون موضوعة بشكل جيد على أرضية الطائرة وبعيدا بقليل عن حافة المقعد الذي يجلسون عليه.

كان هذا التحديث يهدف إلى جعل الوضعية أكثر كفاءة وفعالية في إنقاذ حياة الركاب وتقليص حجم الإصابات، من خلال الحد من حركة الجسم التي قد تنجم جرّاء الارتطام وبعده.

منذ ذلك الحين، ظهرت عدة تقارير أرجعت الفضل لوضعية الاستعداد في إنقاذ حياة المسافرين وتقليص حجم الجروح والإصابات التي يتعرضون لها، وقد كان أحدث دليل على هذا من تجربة تحطم طائرة (بوينغ 727) أجريت في سنة 2012، حيث كانت الطائرة مسيّرة بدون طيار، وتم إسقاطها عمداً في صحراء المكسيك بينما كانت على متنها دمى لاختبار آثار التحطم في ثلاثة وضعيات مختلفة:

  1. في وضعية الاستعداد مع شد حزام المقعد.
  2. مع شد حزام المقعد دون وضعية الاستعداد.
  3. بدون وضعية الاستعداد وبدون شد حزام المقعد.

أظهرت النتائج أن الدمى التي لم تكن أحزمة الأمان مشدودة لديها ولم تكن متخذة لوضعية الاستعداد، كانت لتهلك على الفور عند حادثة التحطم لو كانت بشراً، أما الدمى التي كانت أحزمة الأمان مشدودة لديها بدون اتخاذ وضعية الاستعداد فكانت لتنجو لكن مع تعرضها بإصابات خطيرة، غير أن الدمى التي كان عندها حزام الأمان مشدوداً وجعلت في وضعية الاستعداد المنصوح بها كانت لتنجو حتماً.

وقد استعرض هذا الدليل نفسه في أرض الواقع مؤخراً خلال حادثة تحطم طائرة (هادسون) الشهيرة في سنة 2009، حينما أُجبر الربان على الهبوط بها في النهر بعد دقائق من إقلاعه، وهي الحادثة التي بلغت نسبة الناجين فيها رقما قياسياً بنسبة 100 في المائة، ويعود الفضل في انعدام حالات الوفاة في هذه الحادثة لاستخدام وضعية الاستعداد.

وفي مثال آخر، وقع حادث تحطم طائرة كان معظم الركاب فيه إما نائمين أو يقرأون شيئاً ما، باختصار لم يكونوا على دراية بأن الطائرة على وشك السقوط، ما عدا راكب واحد كان مستيقظاً، وعندما نظر خارج النافذة أدرك أن التحطم وشيك فاتخذ وضعية الاستعداد، ومما لا يثير الدهشة أنه كان الناجي الوحيد من حادثة التحطم هذه.

كما توجد أدلة عن حالات عديدة أخرى تدعم إيجابية استخدام وضعية الاستعداد، لكن إن لم يكن هذا كافيا لإقناعك فالأرقام تعبر عن نفسها، حيث أظهرت دراسة موضوعها الرحلات الجوية التجارية بين سنتي 1983 و2000 أنه قد وقع 568 حادث تحطم في الولايات المتحدة وحدها، وقد تضمنت هذه الحوادث 53487 شخصاً، الذين نجا منهم 51207 شخصاً، وهي نسبة 95 في المائة.

إذا ما تم تصميم وضعية الاستعداد لقتل المسافرين، فإن نسبة النجاة من الحوادث كانت لتكون أقل بكثير من هذا الرقم، وإذا كنت ترغب في أن تكون ضمن هذه النسبة، فمن الأفضل لك أن تأخذ بعين الاعتبار اتخاذ وضعية الاستعداد في رحلاتك الجوية القادمة.

وبينما تملك كل شركة طيران نسخة مختلفة بشكل طفيف عن الأخرى حول وضعية الاستعداد، ننصحك بتذكر الآتي:

أولا: أن تميل إلى الأمام وتجعل صدرك منخفضاً قدر الإمكان:

الميل إلى الأمام
صورة: قناة Debunked على يوتيوب

وفي حال كنت تسافر على الدرجة الاقتصادية تذكر جعل ذراعيك ورأسك في ملامسة المقعد أمامك، وتذكر شد حزام مقعدك جيداً، مثلما هو موضح في الصورة أدناه، وهذا ما من شأنه منع جسمك من التقدم نحو الأمام والارتطام بالمقعد أمامك بقوة:

وضعية الاستعداد
صورة: قناة Debunked على يوتيوب

ثانيا: احم رأسك من خلال جعل ذراعيك خلفه دون تشبيك أصابعك لضمان حماية على جانبي وجهك تقدمها ذراعاك:

حماية الرأس أثناء اتخاذ وضعية الاستعداد
صورة: قناة Debunked على يوتيوب

ثالثا: في كارثة (كيغوورث)، قُتل الكثير من المسافرين بعد أن سقطت أمتعتهم الثقيلة من حاوياتها العلوية على رؤوسهم، لذا اجعل أياً من أمتعتك الثقيلة وغير الثابتة في مكانها تحت المقعد الموجود أمامك، وتذكر أن تضع دائماً قدميك على أرضية الطائرة بثبات، وهو ما سيمنع انزلاقها [قدماك] تحت المقعد أمامك وتعرضها لكسور قد تمنعك لاحقاً من الهروب من الحطام في الوقت المناسب.

وضع الأمتعة تحت المقعد التالي.
وضع الأمتعة تحت المقعد التالي. صورة: قناة Debunked على يوتيوب

كما قد تأخذ بعين الاعتبار موضع جلوسك في الطائرة، حيث تفيد «شركة (بوينغ) لصناعة الطائرات» و«إدارة الطيران الفدرالية الأمريكية» أن بعض المقاعد أكثر أمانا من بعضها الآخر.

وقد اكتشفت دراسة أجرتها مجلة Popular Mechanics أن 45 في المائة من الناجين من حوادث تحطم الطائرات كانوا يجلسون في مقدمة الطائرة، بينما 56 في المائة من الناجين كانوا يجلسون على المقاعد الجانبية بجانب الأجنحة، وكان 69 في المائة من الناجين، وهي أكبر نسبة على الإطلاق، تجلس في مؤخرة الطائرة، لذا نعتقد أنه ليس دائما من الجيد السفر على الدرجة الأولى.