in

تعرّف على هذه الشخصيات التاريخية المرموقة والشهيرة، والتي لاقت نهايتها لأسباب مُذلة ومهينة

يرتبط نمط معيشتك بشكل وثيق مع طريقة وفاتك، فإن كنت تحيا حياة بعيدة عن المخاطر وتلتزم روتيناً صحيّاً محدداً، فعلى الأغلب أن تموت نتيجة وفاة طبيعية حين تتقدم في السن، فيما إن كنت تكثر من تناول الدهون أو السكريات أو تدخن وتشرب بشراهة متجاهلاً أهمية الحفاظ على صحتك، فمن الأرجح أن تموت نتيجة سكتة قلبية أو دماغية، كما يمكن لعملك أن يلعب دوراً في إنهاء حياتك، فهناك العديد من المهن الخطيرة كالعمل في البناء أو في مصانع المعادن الثقيلة، والتي يذهب ضحيتها مئات الأشخاص سنويّاً.

ما سنتحدث عنه اليوم هو أشخاص مهمين لاقوا نهاياتٍ غير متوقعة على الإطلاق.

1. دراكو

رأس دراكو محفور ضمن المحكمة العليا
تمثال لرأس دراكو موجود ضمن المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية. صورة: Tes

كانت اليونان القديمة تحكم قبل (دراكو) عن طريق قوانين شفهية وحزازاتٍ دمويّة بين العائلات وقد استمر ذلك طويلاً حتى منتصف القرن السابع قبل الميلاد إذ ظهر (دراكو) المشرّع الأول والذي استبدل هذا النظام العرفي بتشريع مكتوب واجب النفاذ يعمل القضاة على تطبيقه وإلزام الناس به، وقد كان (دراكو) في حقيقة الأمر أول مشرعٍ منتخبٍ في أثينا لكنّ منتخبيه لم يكونوا على دراية بالقوانين الصارمة التي كان مشرعهم سيفرضها عليهم لاحقاً، وقد وصل الأمر إلى أن أجترّ من اسمه لاحقاً كلمة (دراكوني) والتي تعني قوانين بلا تسامح.

إن تشريعات (دراكو) أو ما عُرف بالقانون (الدراكوني) عنت أن باستطاعة كل مواطن يوناني أن يعرف حقوقه عوضاً عن الاتكال على مزاج أو طبع القاضي وبالطبع على مدى قوة ذاكرته في استعادة الطريقة التي يجب التصرف بها في قضية ما، كما خطتّ تشريعات (دراكو) الحد الفاصل الذي ميّز ما بين جريمة القتل العمد والقتل الغير متعمد، ما عدا ذلك فإن تشريعاته لم تتجاوز أو تغير من أفكار عفا عليها الزمن مثل عقاب سارق الكرنب والذي تمثل في إعدام الشخص، أو عقاب تأخر سداد دين شخص أعلى مرتبة اجتماعية من المستدين والتي تمثلت في تخويل الدائن إلى استعباد المستدين، في الحقيقة كانت عقوبة معظم الجرائم هي الموت ولم تستبدل هذه العقوبات حتى القرن السادس قبل الميلاد من قبل (سولون) وهو مشرع وشاعر ورجل قانون أثيني.

بالرغم من شهرة (دراكو) آنذاك فنحن نكاد لا نعرف شيئاً عن تفاصيل حياته، والمعلومتان الأكيدتان هما دوره الكبير في إيجاد الدستور المكتوب لليونان القديمة، والطريقة التي مات بها.

نظر سكان أثينا إلى (دراكو) نظرةً ملؤها الحقد والكراهية، لكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة لسكان جزيرة (أجنيطس–Aegnia) حيث تمتع هناك بشعبية كبيرة، شعبية أدت في نهاية الأمر إلى موته، إذ أنه وبينما كان في زيارة للجزيرة في إحدى المرات ليتم تكريمه وقف على المسرح ليخطب بالناس، فرموا قبعاتهم ومعاطفهم عليه، وهي الطريقة التي كان يظهر فيها الناس مدى احترامهم. وفقاً لموسوعةٍ بيزنطية تعود للقرن العاشر ميلادي فإنه ومن كثرة ما رُمي عليه من ملابس فقد اختنق (دراكو) تحتها وقد دفن بعدها في نفس المسرح الذي قتل عليه. لا نعلم اليوم عدد الأشخاص الذين قضوا نحبهم نتيجة قوانين (دراكو) الجائرة.

2. فيثاغورث

فيثاغورث
تمثال فيثاغورث في الكولوسيوم الروماني. صورة: Wikipedia

يجلب اسم (فيثاغورث) التثاؤب إلى أفواه طلاب المدارس المرغمين على دراسة نظرياتها في علم المثلثات، لكن تذكره فقط برجل المثلثات هو حطّ من مكانة هذا الإنسان العظيمة.

ولد (فيثاغورث) في جزيرة (ساموس) اليونانيّة، وكان والده إما صاقل مجوهرات أو تاجراً غنيّاً. غادر (فيثاغورث) موطنه الأم عام 530 قبل الميلاد إما هرباً من المسؤوليات الملقاة على عاتقه كفيلسوف، أو بسبب استبداد الحاكم في تلك الفترة والذي كان يدعى (بوليكراتس)، عاش (فيثاغورث) بعد أن هرب في كهفٍ سريٍّ درّسّ فيه دون معمعة، وهناك بدأ بإنشاء مدرسته (Semicircle). تميّزت هذه المدرسة بطابع الأديرة والأخويات، حيث أقسم روادها قبل الانضمام إليها قسم (فيثاغورث) وقد درسوا الفلسفة والدين جنباً إلى جنب.

دُعيت أكثر عقائد (فيثاغورث) تأثيراً بـ (metempsychosis) أو «التقمص» وتضمنت الإيمان بأن الأرواح خالدة وبكونها تنتقل من جسدٍ لآخر عند الموت. نُسِب له أيضاً اكتشاف كون أنّ الكواكب والنجوم تتحرك ضمن معادلات رياضيّةٍ محددة وقد عُرفت هذه الظاهرة باسم (Harmony of the Spheres)، لكن أهم منجزات هذا المفكر والمبدع هو ما قدمه لعلم المثلثات وما يعرف اليوم بنظرية (فيثاغورث) والتي تنص على أنه في المثلث القائم مربع طول الضلع القائمة يساوي إلى مجموع مربع طولي الضلعين الباقيتين.

تمنى العديد من الأشخاص الانضمام إلى مدرسة (فيثاغورث)، لكن هذا المبدع لم يكن يقبل بانضمام أي أحد إلى صفوف رواد المدرسة، وقد حدث في إحدى الأيام أن رُفض أحد النبلاء وكان يدعى (كايلون)، لم يتلقى هذا النبيل خبر رفضه برحابة صدر وقام بتحريض جمعٍ من الناس ضد (فيثاغورث). بدأ هذا الجمهور مطاردة الرجل إلى أن وصلوا إلى حدود حقل فاصولياء، وقد كان (فيثاغورث) يرفض تناول هذه النبتة كون حباتها تشبه في شكلها هيئة الجنين، وهكذا ومن مبدأ أخلاقي، فقد كان بالطبع يرفض دهسها ما منعه من الهرب عبر الحقل وبينما وقف عاجزاً وصل الحشد الغاضب وقام بدهسه.

3. هرقليطس

هرقليطس
لوحة تصور هرقليطس تعود للقرن السابع عشر. صورة: Wikipedia

ولد (هرقليطس) وتوفي في مدينة (أفسس) في آسيا الصغرى (535ق.م. – 475 ق.م.) وهو فيلسوف يوناني عاش قبل كلٍّ من (سقراط) و (أفلاطون). كلّ ما لدينا من معلوماتٍ عن حياته أتت إما من سير ذاتية يونانية قديمة والتي غالباً ما تضمنت إشارات له وأقوالاً مأثورة والتي وجدت بدورها في نصوص متنوعة، أو من أعماله التي كتبها ولربما كانت هذه هي الطريقة التي كان سيوّد أن يُتذكر بها. نحن نعلم أنه كان طفلاً معجزة اختار أن يعبر عن أفكاره بصراحة، وقد نظر (هرقليطس) إلى كلٍّ من (هيسود) و(فيثاغورث) على أنها شخصان مثقفان يفتقدان إلى رؤية العالم على حقيقته. كما قال أن كلا الشاعرين (هوميروس) و(أرشيلوشوس) يستحقان الجَّلد.

نظر (هرقليطس) إلى العالم من حوله ورأى أضداداً متمازجة وقد قال في ذلك: ”الطريق للصعود إلى الأعلى، والطريق للهبوط إلى الهاوية واحد“. كما كان لأفكاره الرائدة والتي فرقت بين الشخص العادي والفيلسوف (الذي يفهم العالم بشكل أفضل) دور كبير في التأثير على (أفلاطون) وكهفه أو ما دُعي بـ ”أسطورة الكهف“.

لقد نظر (هرقليطس) إلى البشرية بدونية واحتقار وقد قال: ”عيوننا وآذاننا لن تعلمنا شيئا إن كنا نغرق في وحل نفوسنا الجاهلة“. عبدّت أفكاره الطريق أمام ظهور مدرسة فلسفيّة جديدة وهي المدرسة الرواقيّة، وهي مذهب فلسفي يدعو في مضمونه للتوحد مع الطبيعة والتمسك بالفضيلة والتحلي بالصبر.

عانى (هرقليطس) طوال حياته من داء الاستسقاء، وهو توّرم في أعضاء الجسم وأنسجته نتيجة تجمع داخل نسيجي للسوائل أسفل الجلد، وقد حاول فيلسوفنا هذا أن يعالج نفسه بنفسه، وتختلف الروايات عن الطريقة التي استخدمها لكن وفي نهاية الأمر فأن النتيجة واحدة آلا وهي موته. تقول إحدى الروايات أنه قام بتغطية نفسه بالروث ومن ثم استلقى تحت الشمس حتى يجف لكنه علق والتهمته الكلاب لاحقاً، فيما تتحدث رواية أخرى أنه دخل إلى إحدى الحظائر وقام أيضاً بتغطية نفسه بالروث لكنه وفي هذه المرة بقي داخل الحظيرة وأدى تعرضه الطويل لأبخرة مخلفات البقر إلى موته. ولقد تذكره (ديوجين لايرتيوس) هكذا: ”أتساءل دوماً كيف استطاع (هرقليطس) احتمال معانته مع المرض وكيف أنه عاش تعيساً ومات تعيساً حينما ملئ المرض جسده بالماء واطفأ النور في عينيه ليحل مكانه الظلام“.

4. إسخيلوس

اسخليوس
تمثال لـ اسخليوس. صورة: Wikipedia

ولد (إسخيلوس) عام 524 قبل الميلاد وتوفي في عام 456، كان كاتباً مسرحيّاً يونانيّاً عظيماً بشهادة من (أرسطو)، وقد حَوّلت أعماله المسرح اليوناني وأضافت إليه. رفع (إسخيلوس) العدد المسموح به من الشخصيات وعمل على تحقيق تواصلٍ فيما بينهم على المسرح بعد أن كان من غير المسموح تفاعل أي شخصية سوى مع الكورس.

اختص (إسخيلوس) في كتابة التراجيديا وقد أبدع في ذلك وتقول الأساطير أن موهبته أتت كهدية في حلم من قبل إله المسرح (دايونسيس–Dionysus) حينما كان كاتبنا يغط في النوم في كرم العنب الذي عمل فيه بالقرب من (أثينا). وصل إلينا من أعماله (الفُرس–The Persians) وتعد من أكثر أعماله إثارة للاهتمام حيث تحدثت المسرحية عن مشاكل معاصرة في وقت اقتصرت فيه مواضيع المسرحيات على قصص الآلهة والأبطال القدماء والمعارك التي خاضوها. ولم ينجو من ثلاثياته سوى (أورسيتا–Orestia) والتي تضمنت: أغاممنون و الخوئفوري أو حاملات قربان الخمر و اليومنيديات. ذاع سيط أعماله في حياته كما كان لها تأثير لاحق بعد موته وقد تركت انطباعاً على الكتاب المسرحين وألهمتهم عبر التاريخ بيد أن أعماله لا تزال تؤدى حتى يومنا هذا حول العالم.

يقال أن موهبة (إسخيلوس) لم تكن مجرد هدية من الآلهة بل أنها قد أتت نتيجة عمله كجندي وقد ألهمه تحديداً مشاركته في الحرب على الفرس حيث انتصر اليونانيون في معركتي «ماراثون» و«سالاميس»، كما ألهمه أيضاً انضمامه إلى مجتمع سريّ دعي بـ (أسرار اليوسيس) والذي كان يقيم في كل عام مراسم لـ عبادة (ديميتر) Demeter و(برسفوني) Persephone في مدينة (إلفسينا) في اليونان القديمة، وقد قدّم هذا المجتمع للأعضاء الفرصة لاكتساب معرفة سريّة من خلال طقوسه الدينيّة، وقد اتهم (إسخيلوس) في إحدى المرات بإفشائه أسرار الجماعة وتضمينها في مؤلفاته فثار عليه جمعٌ من الناس استطاع بالكاد الهرب منهم.

إن موت (إسخيلوس) لم يرتبط بنشر أسرار أحد أو بمطاردات شائقة ومع ذلك كان موتاً دراميّاً يليق به بالفعل. لكن قبل أن نتحدث عن حادثة موت (إسخيلوس)، عليك أن تعرف أن الطيور الجارحة تشتهر بالتهامها للسلاحف، وتقوم بذلك عن طريق حمل السلحفاة والارتفاع بها عن سطح الأرض ومن ثمة تركها حتى تسقط على الأرض وتنكسر قوقعتها، وهنا يأتي دور كاتبنا، فبينما كان يتنزه في إحدى الأيام عبر الأرياف المحيطة بمدينة (جيلا)، انعكست الشمس من على رأسه الأصلع، ولسوء حظه، صدف تواجد صقر جائع يهمّ بتحضير غدائه، وقد اعتقد هذا الطائر أن رأس (إسخيلوس) هو الصخرة المناسبة لكسر قوقعة سلحفاته، وهكذا أفلت الصقر السلحفاة على رأس الرجل وقد كان الصقر دقيقاً للغاية وبالفعل تحطمت قوقعة السلحفاة وكذلك جمجمة (إسخيلوس).

5. سيجورد الجبار

توفي (سيجورد) جراء حادث غريب فعلاً، حيث توفي على يد الشخص الذي قتله بنفسه.

ولد (سيجورد آيشتاينسون) والملقب بالجبار عام 875م وتوفي في 892م وهو الإيرل الثاني لـ (أوركني–Orkney). كان (سيجورد) مقاتل فايكينغ وجزءاً أساسيّاً من فتوحاتهم في شمالي (إسكتلندا) في نهايات القرن التاسع.

حكم النروج في تلك الفترة ملكٌ يدعى (هارالد فيرهير–Harald Fairhair)، وكان هذا الملك قد سئم من الفايكينغ المنفيين الذين اعتادوا على إمضاء الشتاء في جزر (أوركني) و(شيتل لاند) الواقعتان في شمالي (إسكتلندا)، ومن ثمّة نهب النرويج في الصيف، وهكذا قرر الملك محاربتهم.

أراد (فيرهير) قهر المنفيين والسيطرة على الجزر وكان له ذلك وأكثر فإنه وبالإضافة إلى تحقيقه لمبتغاه فقد سيطرة على جزرٍ أخرى كذلك، وبعد انتهاء المهمة أعطى الملك لقب (إيرل أوركني) إلى الرجل الذي كان بمثابة ذراعه اليمنى طوال الوقت (روجنفالد آيشتاينسون) وقد أتى هذا اللقب بمثابة محاولة للتخفيف عن ولإرضاء (آيشتاينسون) والذي كان قد فقد ابنه في المعركة.

لم يكن لدى (روجنفالد آيشتاينسون) أية رغبة بالاحتفاظ باللقب وهكذا قام بالتنازل عنه لصالح أخيه (سيجورد) والذي كان قد عمل في العنبر الأمامي في سفينة الملك. ورد في (The Orkneyinga saga) وهي عبارة عن سرد تاريخي لتاريخ كلٍّ من جزيرتي (أورركني) و (شيتل لاند)، أن (سيجورد) جعل من نفسه قائداً جباراً حيث سيطر على (كيثنس) ومعظم أراضي (إسكتلندا) و(موراي) و(روس). وقد جعلت منه هذه الانتصارات رجلاً ذا شعبية وأكسبته لقبه «الجبار».

تمتع (سيجورد) غالباً بحب وتقدير الناس لكن ليس في (أسكتلندا)، فقد نظر سكانها له باحتقار لكونه قهرها، كما نشأت عداوة بينه وبين أحد نبلائها وهو (مائيل بريجتي) والملقب بـ «ذو السن الناتئ». وقد اتفقا فيما بينهما على إجراء معركة مصغرة مؤلفة من أربعين جندي لكلٍّ منهما وذلك لتسوية الخلاف. تصف ملحمة Orkneyinga الحدث: ”كانت معركة عنيفة، لكن لم يمض وقتٌ طويل حتى سقط (بريجتي) واتباعه فقام (سيجورد) بقطع رؤوس الخاسرين وتعليقها على أحصنته متباهياً“.

لكن غطرسة (سيجورد) هذه أودت بحياته، إذ أنه وبينما كان يمتطي الحصان، أراد أن يهمزه ليسير فاصطدمت قدمه عن طريق الخطأ برأس (بريجتي) وانغرس سن الأخير في فخذ (سيجورد) مسبباً له جرحاً عميقاً التهب لاحقاً ما أدى إلى موته.

6. وليم الفاتح

وليم الفاتح
وليم الفاتح. صورة: Photos.com/Jupiterimages

بدأ (وليم) حياته عام 1028م كابنٍ غير شرعي لدوق (نورماندي) وابنة دباغ، لكن ولكونه الابن الوحيد للدوق فقد حمل اللقب بعد وفاة والده المفاجئة عام 1035م.

أصبح (وليم) ملك إنكلترا عام 1066م وذلك بعد أن تغلب على منافسه (هارولد غودوينسون) إذ كان الملك السابق قد سمى كليهما كورثة للعرش. تبع تتويج (وليم) فترة من العنف في إنكلترا حيث بدأ بالعمل على تثبيت حكمه بلا هوادة وبشتى الطرق، ولعل أسوأ الأعمال التي أتى بها حينها هي حادثة (the Harrying of the North) حيث ثار عليه نبلاء (ساكسون) لكنهم خسروا أمامه بطريقة وحشية، ولم يتوقف (وليم) عند حد قمعهم فقد عمل على إحراق جميع الأراضي التي كان قد امتلكها هؤلاء النبلاء وذبح واتباعه كل من وقف في طريقهم، وقد أطلق بعض المؤرخين على هذه الحادثة مسمى ”المذبحة“ كما وصف كتاب السير الذاتية ما حدث باللطخة التي ستلوث روح (وليم) للأبد. كان تدميره للأرياف جائراً لدرجة أن ضربت المجاعة أهل المنطقة، كما أنه عمل على تسييج مساحات شاسعة من أجل الصيد وفرض قوانين جائرة على اتباعه، وشجعّ على نشوب تمييز عنصري بين (الساكسون) و(النورمان).

اجتاح (وليم) في عام 1087م مدينة (مانتيز) بالقرب من (باريس)، وبينما كان يسير متمختراً ممتطياً حصانه، انهك الحصان نتيجة وزن (وليم) والذي كان قد وصِف بأن احشائه امتدت فوق السرج لشدة ضخامتها، تعثر الحصان بإحدى قطع الخشب المحترقة وقام بقذف (وليم) من على ظهره ما أدى إلى تمزق احشاء الملك الداخلية، وقد تم حمله ونقل إلى مدينة (رون) حيث أمضى ستة أيام يعاني آلاماً مبرحة إلى أن استسلم في نهاية الأمر للموت وكان ذلك عام 1087م.

7. هنري الأول

هنري الأول ملك انجلترا
هنري الأول ملك انجلترا. صورة: Wikipedia

كان (هنري) أحد أبناء (وليم الفاتح) لكنه لم يكون الوريث المباشر له بل استلم زمام الحكم بعد موت أخيه بطريقة مثيرة للريبة، حيث أصيب الوريث الشرعي بسهم مرتد كان قد أطلقه السير (والتر تايرل) على شجرة حينما كانا يصطادان في (نيو فوريست).

ورث (هنري) قسوة أبيه، لكنه على عكس والده، فقد أثبت نفسه كحاكم، وكان قد قضى على العديد من الثورات التي قامت ضده والتي قادها اخاه الأكبر (روبرت كيرتهاوس). كان (روبرت) قد ثار سابقاً على والده في أثناء حكمه، لكنه لم يهزم تماماً حتى جاء أخوه ودمر جيوشه وأبادها في معركة (تينشبراي) وقام على إثر المعركة بسجن أخيه في (كارديف كاسل).

كان دائماً ما يتم استدعاء (هنري) من إنكلترا إلى (نورماندي) لإدارة الأمور هناك، وهكذا قام بتطوير نظام بيروقراطي يضمن استمرارية سلطته في أثناء غيابه وقد ساعد هذا النظام الحكّام الذين أتوا من بعده وألهمهم.

ضربت الفاجعة (هنري) حينما غرق ابنه الوحيد والوريث الشرعي له عام 1120م في ”كارثة السفينة البيضاء“ ما أجبره على تسمية ابنته كوريثة له وقد نشبت حرب أهليّة دمويّة عقب موته حول من سيستلم زمام الحكم بالرغم من أن رعيته كانوا قد أقسموا على دعم ابنته ومساندتها وقد عُرفت هذه الحقبة بحقبة اللاسلطة «Anarchy».

وصِف (هنري) في سجل أحداث حياته بكونه حكيماً للغاية، عميق الرؤيا وبعيد البصر، متميز في النزاعات التي يخوضها، ومعروفٌ بصنائعه وعظيم في غناه. لكن الحقيقة أن موته أثبت العكس!

أحب (هنري) ممارسة الصيد مثل أبيه، وقد خرج في نوفمبر عام 1135م في رحلة صيد في (ليون-لا-فوريه) في فرنسا وكان في صحة جيدة آنذاك، وجلس لاحقاً لتناول العشاء واختار طبقاً من surfeit of lampreys وهي سمكة تشبه سمكة الجريّث، وقد كان (هنري) مولعاً بهذا الطبق بالرغم من تحذير الأطباء المستمر له ومنعهم إياه تناولها. لم يستمع (هنري) الحكيم لهم وتسبب ذلك في موته.

8. الملك الانجليزي (جون الأول)

جون الأول
ملك انجلترا جون الأول. صورة: National Gallery of Art, Washington, D.C., Rosenwald Collection

إنه لمن الخطأ تسمية (جون) بأنه ”شخصية تاريخيّة مجيدة“، لكنه إن لم يكن شيئاً فقد كان بالفعل ”شخصيّة“. عاش (جون) حياته غافلاً عن العيوب الكامنة فيه وعن أوجه القصور والأخطاء التي ارتكبها.

كان (جون) متعطشاً لسلطة تفوق قدرات تحمله وإمكانياته، سلطة لم يكن قادراً على اكتسابها أو تحقيقها ولكن ذلك لم يُثنيه عن المحاولة. وقد حاول الاستيلاء على عرش أخيه (ريتشارد قلب الأسد) حينما كان الأخير واقعاً في الأسر، لكن (جون) لم ينجح في مسعاه ولم يصل إلى كرسي الحكم حتى عام 1199م.

لم يرتح (جون) على كرسيه طويلاً حيث لم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدأ سكان فرنسا بالتمرد في المناطق التي كانت تحت حكمه وحاولوا أيضاً أن يعزلوا (جون) ويولوا الحكم لابنه (ريتشارد). وقّع (جون) في عام 1200م معاهدة سلام جائرة بحقه بالرغم من كونه قطب القوة بين الطرفين الموقعين وقد اكسبه توقيع المعاهدة لاحقاً لقب (سوفت سورد).

كان لضعف مهارات (جون) العسكرية ولتنازلاته ومواقفه الضعيفة نتائجَ كارثيّة، فقد أدت في نهاية الأمر لخسارته كلّاً من (نورماندي) و(آنجو) و(مين) وأجزاءً من (بواتو) وذلك قبل نهاية عام 1206م وقد أضافت هذه الخسائر لألقابه لقباً وهو (لاكلاند). جمع (جون) أموالاً هائلة عن طريق فرض ضرائب عقوبات كما استغلّ صلاحياته الإقطاعيّة ضد الآخرين وكلّ ذلك بهدف تجهيز حملة عسكريّة لاستعادة الأراضي التي كان قد خسرها، لكن سلوكه الاستبدادي هذا أدى إلى قيام حربٍ أهليّة عام 1215م ما اضطر (جون) لتوقيع ما عُرف بالوثيقة العظمى (الماجنا كارتا ) ما افقده المزيد من الشعبية والتي كانت في الأساس إلى زوال، وقد نصّت الوثيقة العظمى على إعطاء داعمي ورعايا (جون) المزيد من القوة والصلاحيات وإكسابهم العديد من الحقوق التي بدورها تقلّص من مقدار قوة وسلطة (جون) نفسه.

وهكذا أصبح (جون) رائداً في الديموقراطية بالرغم عن أنفه، لكن لم يمض وقت طويل حتى خرق (جون) معاهداته وتجاوز وعوده التي نصت عليها (الماجنا كارتا) ما سمح للحرب بالاندلاع من جديد، دون أمل بخبوّها أو انحسارها.

أما بالنسبة لقصة موته فقد ألتقط (جون) مرض الزحار عام 1216م، وقد شاءت المفارقة أن كانت الحرب في ذلك الوقت قد بدأت تميل لصالح (جون) لكن أتى شهر أوكتوبر وأقعدَ المرض (جون) فلم يعد يقوى على مغادرة قصر (نوورك) في (نوتنغهامشير)، توفي الملك في 18 أو 19 من شهر أوكتوبر في نفس العام بسبب التهابات معوية وإسهال حاد.
عَمل المؤرخ (ماثيو باريس) على ترك رثاء يليق بـ (جون) فكتب في ثلاثينيات القرن الثالث عشر: ”لقد ازداد الجحيم سوءاً حين وصل الملك (جون) إليه“.

9. إدوارد، الأمير الأسود

بورتريه للأمير الأسود، إدوارد
بورتريه للأمير الأسود، إدوارد. صورة: Wikipedia

كان (إدوارد) الملقب بالأمير الأسود رجلاً يضرب فيه المثل في البطولة ومهاراته قي الفروسية، وهو نجل الملك (إدوارد الثالث) والذي كان بدوره محارباً عظيماً ومحبوباً وعاش حياةً طويلة، ما حرم ابنه من أن يصبح ملكاً.

كان (إدوارد) من طليعة المحاربين في معركة (كريسيي)، وهي تعتبر إحدى أهم وأشهر المعارك التي انتصر فيها الإنكليز في «حرب المئة عام» ضد الفرنسيين، حيث هُزم جيش الفرنسيين الذي ضم ما يقارب ثلاثين ألف جندي على يد أربعة عشر ألف جندي إنكليزي. انضم (إدوارد) في عام 1348م إلى فرسان الرباط The Order of Garter، وهي أعلى رتبة ضمن أوسمة الفرسان المحاربين. لم تتوقف إنجازات الأمير الأسود هنا، فقد أنقذ في عام 1349م والده في (كاليه) في فرنسا، وحارب إلى جانبه في معركة (ونتشيلسيا) في القناة الإنكليزيّة، كما هزم الجيش الفرنسي في معركة (بواتييه) وأسر على إثرها الملك الفرنسي. لم يكن هذا الأمير يكتفي بمعاركه بل كان يشارك أيضاً في معارك الآخرين، فقد أعاد لملك قشتالة الإسباني المخلوع (بيدرو) عرشه بانتصاره على أعداء الملك في معركة (ناجيرا).

بالإضافة لانتصاراته العسكرية العديدة فقد أضاف (إدوارد) لرصيد إنجازاته فوزه بالعديد من البطولات في جميع أنحاء إنكلترا مظهراً للعالم قوته ومهاراته في الفروسيّة.

إن كان هنالك رجلٌ كُتب له أن يموت في ارض المعركة فهو (إدوارد)، لكن شاء القدر أن يموت الأمير الأسود بفعل الزحار، فبعيد انتصاره في إسبانيا، التقط (إدوارد) مرض الزحار وتسبب ذلك في معانته على امتداد حياته، حيث أضعَف المرض جهازه المناعي ولم تعد صحته كما كانت عليه قبل عام 1367م. نُقش على قبر (إدوارد) كلماته التالية: ”كما أنت الآن كنتُ أنا، وكما أنا الآن ستصبح أنت“.

10. شارل الثاني، ملك نافارا

الملك كارلوس الثالث
الملك شارل الثالث (كارلوس بالإسبانية). صورة: Wikipedia

عُرف (شارل الثاني) بلقب (شارل السيء)، ولد ونشأ في فرنسا وحينما بلغ السابعة عشرة من عمره أصبح ملكاً على (نافارا) بسبب قرابته من العائلة الحاكمة، لكنه لم يكن قادراً على فهم اللغة المحكية في تلك المقاطعة الإسبانية.

اعتبر (شارل) مملكته (نافارا) وسيلة سريعة لإيصاله إلى العرش الفرنسي، أو على الأقل، إلى مركز نفوذ فيها. وكان (شارل) حاقداً على فرنسا لإقصائها والدته عن كرسي الحكم بعد وفاة والدها (لويس العاشر) وهكذا قرر الانتقام.

تزوج (شارل) من ابنة الملك الفرنسي (جون الثاني) ومن ثم قام باغتيال الوريث الوحيد للملك وهرب إلى روما وتوسلّ طالباً مساعدة البابا هناك. قابلَ أثناء وجوده في روما دوق لانكستر ويُدعى (هنري)، وأعطاه وعداً بأنه سيقوم بمساعدته في حرب المئة عام ضدّ فرنسا، لكن (شارل) عاد ليغير ولائه مجدداً في عام 1355م، ليُلقي الملك (جون) في نهاية الأمر القبض عليه عام 1356م، لكن وقبل أن تتم معاقبة (شارل)، عاد مركز القوة ليصبح بين يدي إنكلترا وهكذا قام الإنكليز بتحريره.

استمر (شارل) بنقل ولائه من طرف لآخر ما اكسبه لقب ”السيء“ في نهاية الأمر، وذلك لكونه كلما غيّر ولائه لطرف ما، بدأ ذبح أعدائه من الطرف الآخر.

عاد (شارل) في نهاية الأمر إلى (نافارا) وكان ذلك في عام 1362م، ومن هناك بدأ بإعداد الخطط والحبكات ضد الملك الفرنسي.

مرض (شارل) في ديسمبر عام 1387م، وقد قام طبيبه بعلاجه عن طريق لف جسمه بالكامل بشاشٍ مغطس بالبراندي (مشروب كحولي) وأوكلت مهمة اللف لإحدى الخادمات اللواتي ما إن انتهت من مهمتها، حتى رغبت بتجميل مظهر ملكها العام عن طريق إزالة الزوائد من الشاش، ولكنها، وخوفاً من أن تؤذيه إن استخدمت المقص، قررت استخدام شمعة لتحرق الزوائد، وما إن بدأت بذلك حتى اشتعل الشاش بفعل المشروب الكحولي واحترق (شارل) حتى الموت. قال العديد من معاصريه أنه استحق ذلك.

11. مارتن الأول، ملك أراغون

مارتن الأول
لوحة تصوّر مارتن الأول. صورة: Wikipedia

كان (مارتن) ملكاً على أراغون وفالينسيا وساردينيا وكورسيكا، ولوقتٍ قصير على صقلية أيضاً. وقد أطلق عليه العديد من الألقاب منها «الإنساني» و«الأكبر» و«الكنسي»، كما كان محارباً متحمساً وخاض العديد من الحروب والمعارك في حياته.

لم يتوانَ (مارتن) عن وضع الحد فورياً لأي مقاومٍ أو معارض لحكمه، وقد كان ذلك متوقعاً من رجلٍ أراد إمساك زمام الأمور فوق أراضيه الواسعة، وقد كان جيداً في وضع الحدود، لكنه لم يتوقف عند محاولة الحفاظ على ما يملك فحسب بل سعى وراء المشاكل وبدأ بإطلاق الحملات في أنحاء أفريقيا الشمالية ضدّ المغاربة.

اشتهر ملوك العصور الوسطى بشهيتهم الكبيرة، وقد عملوا دوماً على إقامة ولائم ضخمة ضمت ما لذ وطاب من الأطعمة، وقد ضرب المثل بمدى مقدرة هؤلاء الحكام على حشو أفواههم والكميات الهائلة التي كانوا يتناولها من الطعام مرة واحدة، ولم يختلف الملك (مارتن) عنهم في ذلك.

ففي إحدى المرات، وحينما كان يبلغ الملك الرابعة والخمسين من عمره، دُعي إلى إحدى الولائم في برشلونة وبدأ التهام أوزة كاملة كان يعزم على إنهائها لوحده. نجح الملك في مهمته هذه، ولكن عقب وضْع آخر لقمة في حلقه، أصيب بتوعك صحيٍّ ”مفاجئ“ واضطر إلى الانسحاب إلى غرفته حتى يرتاح من عسر الهضم، لكنه وفي نفس الوقت لم يرغب بأن يخرب هذا التوعك سهرته فطلب حضور المهرج الخاص به إلى غرفته لتسليته. سأل الملك (مارتن) المهرج أين كان وأجاب الأخير: ”في كرم العنب المجاور، حيث رأيت غزالاً صغيراً معلقاً من ذيله بشجرة، وكأن أحداً يعاقبه على سرقة التين“. كان هذا الجواب نكتةً مضحكةً للغاية بالنسبة للملك، لدرجة أن استمر في الضحك ثلاث ساعاتٍ متواصلة ثم وقع على الأرض ميتاً. لا يتفق جميع المؤرخون على هذه القصة ويقول البعض أنه توفي بفعل الطاعون أو أنه سُمم.

12. الملك (هنري الخامس)

الملك هنري الخامس
الملك هنري الخامس. صورة: Wikipedia

تعدّ مسرحية (شيكسبير)، والتي تدعى (هنري الخامس)، إحدى أشهر مسرحياته التي تقع تحت النوع الأدبي التاريخي، وهي تصور انتصار الملك (هنري) على الفرنسيين في معركة (أجينكورت) عام 1415م، ولا يزال الإنكليز يشيدون بهذا الملك وانتصاراته حتى اليوم.

إنّ (هنري الخامس) هو ابن (هنري الرابع) وهو النبيل الذي أزاح ابن أخيه (ريتشارد الثاني) من على عرش إنجلترا ليأتي محله. كانت مواهب (هنري الخامس) العسكرية عاملاً أساسياً لاحتفاظ والده بالعرش المتنازع عليه، وكان قد أخمد انتفاضتي (غليندر) و(بيرسي) واستحسن الثناء على ذلك.

رافق حفلُ تتويج (هنري الخامس) في عام 1413م عاصفةً ثلجيةً قويّة وقد انقسمت الآراء حينها حول ما إن كانت تلك العاصفة إشارة ذات مضمون إيجابي أو سلبي، ولحسن الحظ، فقد أثبتت كونها إشارة حسنة، إذ جلبت دبلوماسيّة (هنري) السلام لإنكلترا، ومكنته حملاته ضد الفرنسيين خلال حرب المئة عام من الزواج من ابنة ملك فرنسا (شارل السادس) عام 1420م والذي لم يكن لديه أي أولاد، ما جعل (هنري) الوريث الشرعي له. وقد بدا ذلك كنهاية محتملة للحرب الدموية التي كانت قد أنهكت كلا الطرفين، لكنه ولسوء الحظ توفي بعدها بعامين في 1422م وعاد النزاع ليشب من جديد.

لعل الشيء الوحيد المشترك بين (هنري الخامس) والملك (جون السيء) هو الطريقة التي ماتا بها، حيث أن الفرنسيين في عهد (هنري) لم يكونوا سعداء بأن يحكموا من قبل رجلٍ قتل العديد منهم، وهكذا قامت الثورات ضده في بعض المناطق ما اضطره أن يبدأ حملات ليحبط إثرها هذه الثورات، لكنه وفي إحدى المرات التي خرج فيها إلى الشمال الفرنسي، التقط مرض الزحار ومات بعدها بشهورٍ قليلاً وهو يعاني آلاماً شديدة.

إن المفارقة في هذه القصة هي أن الملك الفرنسي توفي بعد (هنري) ببضعة شهور ما كان سيسمح له بأن يصبح ملكاً على فرنسا وإنكلترا لو لم يصب بالزحار!

13. ملك اسكتلندا (جيمس الثاني)

الملك جيمس الثاني
الملك جيمس الثاني

أصبح (جميس) ملكاً في عمر السادسة، وكان ذلك بفضل سوء حظ أفراد عائلته الذين ماتوا واحداً تلو الآخر. توفي شقيقه التوأم وهو في السنة الأولى من عمره، ثم اغتُيل والده في الوقت الذي كان لا يزال فيه (جيمس) طفلاً ولم يكن من الممكن أن يستلم زمام الحكم. وهكذا وضع ابن عمه (آرتشيبالد دوغلاس) في منصب حاكم فخري ريثما يصل (جيمس) إلى السن الملائمة، لكن لم يمض وقتٌ طويل حتى توفيّ (دوغلاس) وكان ذلك في عام 1439م.

تشاطر نبلاء (اسكتلندا) السلطة بعد وفاة (دوغلاس) وقاموا بعدد من المؤامرات منها اغتيال الإيرل السادس لعائلة (دوغلاس) وأخيه الأصغر في عام 1440م بعد أن قاموا بدعوتهم إلى العشاء باسم الملك. وكان (جيمس) قد حاول التشفع من أجل الإبقاء على حياة الفتيان والذي كان أحدهما يبلغ السادسة عشرة والآخر الثانية عشرة من العمر لكنه لم ينجح.

بعد أن استلم (جيمس) نصاب الحكم وجلس على عرشه، قام بمساعدة عائلة (دوغلاس) لتحقيق انتقامها، وبالأخص من عائلة (ليفينغستونز) والتي ألقي على عاتقها لوم التشجيع على المؤامرة، لكن الملك وفي عام 1452م انقلب على عائلته وبدأ يشكك في أقرب الناس إليه، حيث قام في إحدى المرات بطعن الإيرل الثامن ستاً وعشرين مرة بعد أن شك بأن الأخير يحيك مؤامرة ضده.

لكننا وبتجاهل قصة القتل المجنونة السابقة، بإمكاننا القول أن (جيمس) كان ملكاً محبوباً وذا شعبية كبيرة بين عامة الشعب، إذ أنه قام بتشجيع التعليم وانشأ جامعة (غلاسغو) كما طوّر العلاقات الدبلوماسيّة مع (فلاندرز) من خلال زواجه من (ماري من خيلدرز)

كان لدى (جيمس) ولعٌ بالمدافع والمدفعيات وقد كلفه ولعه هذا حياته، إذ أنه وفي أثناء حصاره قصر (روكسبيرغ) عام 1460م، والذي كان آخر معاقل المقاومة الإنكليزيّة في أعقاب حروب الاستقلال، قرر (جيمس) استعمال أعدادٍ كبيرة من المدافع التي استوردت من (فلاندرز)، وفي اليوم الثالث من شهر أغسطس، وقف الملك بالقرب من أحد المدافع والذي كان يطلق عليه لقب الأسد، وحين اشتعل فتيل المدفع، ووفقًا للمؤرخ المعاصر (روبرت ليندساي) من (بيتسكوتي)، فإن عظم فخذ الملك قد شُرخ إلى نصفين نتيجة تطاير إحدى قطع السلاح، وقد سقط الملك على الأرض وتوفي على الفور.

14. فرانسيس بيكون

فرانسيس بيكون
بورتريه فرانسيس بيكون. صورة: Wikipedia

كان (بيكون) شخصيةً موسوعية، وقد نشر العديد من الأعمال المؤثرة في مجالات الفلسفة والقانون والدين، ويعتبر من أكثر الأشخاص ثقافة في عصره، التحق بجامعة (ترينتي) في كامبريدج في سن الثانية عشرة ، كما التحق بجامعة (بواتييه) لاحقاً.

وقع (بيكون) تحت محط أنظار الملكة (إليزابيث الأولى) حينما كان في (كامبريدج) وقد أطلقت عليه الملكة لقب
بعد عدة سنوات من السفر إلى القارة وتوسيع نطاق تعلمه، تم قبول (بيكون) كمحامٍ وذلك في عام 1582م. كما أصبح عضوًا في البرلمان.

كان (بيكون) سياسيًا صريحًا وليبراليًا، ووضعته معارضته للضرائب المرتفعة والحقوق الإقطاعية للحكام في صراع مع الملكة. لكن وبوفاة (إليزابيث الأولى) ووصول (جيمس الأول) للحكم، سطع نجم (بيكون) ويعود الفضل بذلك لدعمه اللامتناهي لسياسات الملك الغريبة، كما كوفئ بأن مُنح رتبة فروسية عام 1603م ثم أصبح رئيس مجلس اللوردات لكن رتبته هذه سُحبت منه بسبب الديون الضخمة التي لم يكن (بيكون) يدفعها.

كان من بين الأمور العديدة التي تميّز بها (بيكون) هي تفوقه في الحقل العلمي كما يعزى إليه الفضل في وضع حجر الأساس للمنهج التجريبي وهو مبدأ علمي مبني على مبدأ إسناد المعارف إلى التجارب والاختبارات الملموسة، وقد ساهم عمل (بيكون) في هذا المجال في نحت المنهج العلمي إلى ما هو عليه في يومنا هذا.

مات (بيكون) وهو يقوم بإحدى تجاربه، لكنها لم تكن بالتجربة العظيمة أو المهمة والتي قد يفخر المرء بأن يموت لأجلها، تبدأ هذه التجربة على طريق (هايغيت) حينما كان (بيكون) يسافر في شمالي (لندن) وقد ألهم فجأة لاحتماليّة أن يكون الثلج قادراً على حفظ اللحوم بشكل جيّد، فأوقف عربته وترجل منها من أجل شراء طير من أحد المنازل ثم قام بذبحه وملئه بالثلج، لكن وكما يخبرنا (جون أوبري)، فإن الثلج كان بارداً للغاية في ذلك العام، وقد وقع (بيكون) في براثن المرض وحُمل إلى قصر (أورنديل) حيث مات هناك بسبب ذات الرئة في التاسع من أبريل عام 1626م.

15. مدام (بلانشارد)

مدام بلانشارد
مدام بلانشارد. صورة: Wikimedia Commons

كان لدى (صوفي بلانشارد) (1778- 1819) شغف كبير بعلم الطيران وقد كانت زوجة رائدٍ في مجال المناطيد وهو (جان بيير بلانشارد)، الحقيقة أن مدام (بلانشارد) لم تكن سعيدةً بمشاهدة زوجها يعمل وحسب، بل أرادت المشاركة على الرغم من أنها عانت توتراً عصبياً دائماً، وكانت تخاف بسهولة وتهلع من الأصوات المرتفعة وركوب عربات الأحصنة، ومع ذلك، وجدت نفسها في قمة الاسترخاء والراحة، وخالية من القلق كلما تنقلّت جواً. صعدت أول مرة منطاداً مع زوجها (بيير) في (مرسيليا) في عام 1804م، وقد أصبحت بذلك أول امرأة تعمل كعاملة مناطيد احترافية. لكن ولسوء الحظ، فقد سقط (جان بيير)، وهو أول شخص على الإطلاق يعمل بمجال المناطيد كمحترف، من منطاده بعد إصابته بنوبة قلبية في عام 1809م. مع ذلك، رفضت (مدام بلانشارد) أن تتراجع عن أداء العمل الذي أحبت أو تسمح للحادثة التي وقعت لزوجها أن تثير هلعها.

حققت (مدام بلانشارد) 60 صعوداً، وقد تجاوزت شعبيتها الضخمة وشهرتها الكبيرة تقلبات الحكم في فرنسا وقد أطلق عليها (نابليون بونابرات) بعد الثورة الفرنسيّة لقب ”الملاحة الجوية للإحتفالات الرسمية“ ومن بعده سماها (لويس الثامن عشر) ”الملاح الجوي الرسمي لاستعادة النظام“ وذلك بعد إعادة الحكم الملكي في فرنسا. لقد اشتهرت (مدام بلانشارد) في جميع أنحاء أوروبا بل وتم في عام 1810م إلقاء اللوم عليها لعدم وجود جمهور في الحفل الأوبرالي لـ (كارل ماريا فون ويبر) في (سيلفانا، فرانكفورت).

لم تكتفي (مدام بلانشارد) بالقيام باستعراضات تظهر للناس مدى روعة مشاهدة أحدهم يطير في منطاد، بل قامت بتأدية العديد من الحيل المتقنة على متنه، وكان أحدها إلقاء كلاب مظليّين من سلة المنطاد.

في 6 يوليو 1819م وخلال صعودها بالمنطاد لتبدأ استعراضها فوق حدائق (تيفولي) في باريس، اشتعل منطادها الذي يعمل على غاز الهيدروجين، وعلقت (صوفي) في حبال المنطاد وسقطت لتلاقي حتفها.

16. كليمنت فلانديغهام

كليمنت فلانديغهام
كليمنت فلانديغهام. صورة: Wikipedia

ولد (كليمنت فلانديغهام) عام 1820م في (ليزبون – أوهايو)، وتلقى تعلميه في المنزل من قبل والده والذي كان كاهناً للنظام المشيخي (النظام المشيخي يشير إلى عدة كنائس مسيحية تتبع تعاليم العالم اللاهوتي البروتستانتي (جون كالفين) وتُنظّم تحت حكم مجالس الشيوخ بشكل ديمقراطي). تمتع (فلانديغهام) بحسٍّ عالٍ للعدالة، وثقة كبيرة بمعتقداته ما أدى إلى فصله من كليّة (جيفرسون) بسبب نزاع شبّ بينه وبين رئيس الكليّة. لكنه أصبح لاحقاً محاميّاً وافتتح مكتبه الخاص في دايتون في أوهايو، ودخل في المجال السياسي بعدها مباشرةً. لكن معتقداته مهما كانت قوية، لم تكن محقةً دائمًا فقد كان معاديًا بشدة لإلغاء قانون التمييز العنصري، وصوت ضد إلغاء القوانين التي تقيّد الحقوق المدنيّة للأمريكيين من أصل أفريقي.

أصبح (فلانديغهام) عضوًا في الكونغرس عام 1858م، وقد كان أحد المسؤولين الحكوميين الذين قاموا باستجواب (جون براون) بعد حادثة «هاربر فيري» (وهي محاولة قام بها جون بروان بقيادة حراك مسلّح مؤلف من الرقيق في جنوب الولايات، وقد سيطروا على ترسانة الولايات المتحدة في هاربر فيري. كما يطلق على هذا التمرد اسم تجربة الأداء للحرب الأهليّة). كان (فلانديغهام) مؤيدًا صريحًا لحقوق الدولة، وأصبح واحدًا من أعلى الأصوات المعارضة في الحزب الديمقراطي ضد (أبراهام لِنكولن) أثناء الحرب الأهلية الأمريكية. وقد أدى موقفه المناهض للحرب إلى أن اتهمه العديد من منتقديه بأنه يريد انتصار الكونفدرالية بالحرب، وقد صُوّت على خروجه من الكونغرس بهامش كبير في عام 1862م.

في النهاية وبعد أن تعب (لنكولن) من المناوشات المستمرة مع (فلانديغهام)، قام بإرساله إلى الكونفدرالية كأسير حرب. وبعد انتهاء الحرب الأهلية، عاد (فلانديغهام) إلى ممارسة عمله كمحامي بدوام كامل، وقد حافظ على موقفه المعادي لحقوق الاقتراع والمساواة للأميركيين الأفارقة.

في عام 1871م، كان (فالانديغهام) يمثّل في المحكمة عميلًا متهماً بإطلاق النار على شخص ما في شجار. وقد كانت حجته في الدفاع عن موكله بكونه أطلق النار على المتوفى عن طريق الخطأ، وفيما قرر (فلانديغهام) تقديم عرض عملي لكيفية حدوث ذلك، ولسوء حظه، فهو لم يدرك أنّ البندقية كانت ملقمة، وأطلق النار على نفسه في بطنه، ما أدى إلى مقتله على الفور. رغم أن تمثيليته العملية كانت عملية أكثر بكثير مما توقعه (فلانديغهام)، إلا أنها نجحت في تبرئة موكله من تهمة القتل.

جاري التحميل…

0