علوم

هل الامتحانات الصعبة مناسبة لطفلك؟

طفل في المدرسة

ينتقد العديد من الآباء والأساتذة الفحوص المعيارية التي تم اعتمادها مؤخرا من قبل المدارس الابتدائية، حيث أنهم يجدونها شديدة الصعوبة. يقول أحد الآباء: ”المعلمون في مدرسة طفلي أرسلوا معه نموذجا من الأسئلة، ربما ليغيظوا الأهل أو ليوضحوا لهم أن الحصول على علامة تامة، شبه مستحيل“.

على مايبدو أن الآباء عندما يقومون بحل هذه الأسئلة، فأنهم يركزون على أصعب ما فيها. وينتقدون هذه الأسئلة من مبدأ إن كان الكبير قد أخطأ في هذه الأسئلة؛ فمن المؤكد أنها شديدة الصعوبة على طفل في العاشرة من عمره.

لكن ما مقدار الصعوبة التي يجب أن تكون عليه امتحانات الأطفال؟!

لنرى ما رأي خبراء علم النفس بهذا الخصوص! فإذا نظرنا للفحوص المعيارية على أنها مقياس لنوع من القدرات الكامنة لدى الطفل، حينها نكون قد استعنا بفرع قديم من علم النفس وهو ”القياس النفسي“ والذي سيقدم لنا بعض المساعدة.

كيف تكون الامتحانات مناسبة؟

لتكون الامتحانات جيدة يجب ألا تكون شديدة الصعوبة، لو أجاب معظم الممتحنين على معظم الأسئلة إجابة خاطئة، فسنحصل على ما يسمى ”تأثير الأرضية“، أي أن المعطيات التي حصلنا عليها عديمة القيمة فهي جميعها بالحد الأدنى، وبالتالي لن نستطيع التمييز بين قدرات الممتحنين، فجميعم حصلوا على نفس النتيجة وهي الأدنى.

لنفترض أننا بدأنا حصة الرياضة بتمارين القفز العالي، وبدئنا التمارين بالقفز من على ارتفاع مترين (قريب من الرقم القياسي العالمي). في نهاية الحصة سنجد أن الأطفال جميعهم قد حصلوا على نفس النتيجة، وهي ولا قفزة ناجحة على الإطلاق! وبالتالي لم نستطيع أن نعرف من منهم جيد برياضة القفز العالي.

رياضة القفز العالي

رياضة القفز العالي

ولكن في نفس الوقت لكي تكون الامتحانات جيدة يجب ألا تكون سهلة للغاية. فإذا أجاب جميع الممتحنين على الأسئلة بطريقة صحيحة، حصلنا على ما يسمى ”بتأثير السقف“، أي أن المعطيات التي حصلنا عليها عديمة القيمة فهي جميعها بالحد الأعلى. هنا أيضاً لم نحصل على الغاية المرجوة من الامتحان.

الغاية الأساسية وراء إجراء الامتحانات هو التمييز بين قدرات الأشخاص. ففي المفاهيم السكيومترية (اختبارات القياس النفسي) فإن قيمة الاختبار تكمن في التلاؤم بين صعوبة الاختبار وبين المهارات المراد قياسها.

فإذا أردت مثلاً قياس مهارة أطفال في سن السادسة في الرياضيات، وقمت بتقديم نماذج امتحانية ذات مستوى يفوق قدرات هؤلاء الأطفال بمراحل عديدة، فجميعهم سيحصلون على صفر وستكون قمت بامتحان عديم الفائدة والقيمة.

إذا، لكي يكون الامتحان حاسماً وبناءا في التمييز بين قدرات الممتحنين؛ يجب أن يحتوي على بعض النقاط الصعبة والتي قد يصعب على البعض حلها بشكل صحيح. وليكون الامتحان أكثر حسماً يجب أن يكون عدد الأسئلة الصعبة فيه تقارب النصف. والأسئلة التي تكون قادرا على الإجابة عليها بشكل صحيح تكون الأكثر تقيما وتعليما.

هل علينا أن نقيم أطفالنا؟ ونقيم قدراتهم ونسبر معلوماتهم من خلال امتحانات؟ ولكن أليس هذا هو الهدف من الامتحانات؟ هل الامتحانات انتقاص من قيمة العملية التعليمية للطفل، أم أنها تحدي يجب أن يخوضه؟ هذه تساؤلات يطرحها علماء النفس، والعديد من الدراسات تجرى في هذا المجال للحصول على أفضل طريقة ممكنة تمكن أطفالنا من خوض تجربة المدرسة بأفضل النتائج.

إذا ما هي آلية الامتحان الانسب للأطفال؟

إذا كنت تتبنى هذا المنظور النفسي الذي تكلمنا عنه، فقد بات جلياً أن الوسيلة التي نتبعها، هي وسيلة غير مفيدة ابداً لقياس القدرات الفردية للأطفال. فالنموذج التقليدي للامتحان سيحوي في البدء على مجموعة من الأسئلة التي ستكون سهلة للغاية لمعظم الأطفال، ثم يليها أسئلة تكون على قدر لا يستهان به من الصعوبة والتي سيكون معظم الأطفال عاجزين عن الإجابة عليها بشكل صحيح. وهكذا ابتعدنا عن التنوع ولجئنا إلى الأقصى في السهولة والصعوبة. والأهم من ذلك أن هذا النمط من الامتحانات مضرة لنفسية الطفل.

منذ مئة سنة مضت؛ وعندما بدأنا أسلوب الامتحانات الكتابية لقياس القدرات، كان من الصعب تجنب تلك الأسئلة التي تكون بلا فائدة وبلا غاية أو قيمة علمية مرجوة منها. وهذا ببساطة لأنه كان يجب على جميع الأطفال بمختلف قدراتهم حل نفس النموذج الامتحاني.

لكن الآن، وبعد ظهور التكنولوجيا، وبعد أن أصبحت الامتحانات متاحة على الكومبيوتر، وبطريقة ألغوريتمية بات بالإمكان معرفة الأسئلة التي تعكس القدرات الحقيقية لكل طفل. وبالتالي جعل النموذج الامتحاني أقصر، وأكثر دقة، وأقل تركيزا على تجربة الفشل أو الأسئلة غير المفيدة للطفل، مما يسمح للأطفال بعيش تجربة امتحانية بناءة. ولكن هذا لا ينفي فكرة أنه يجب على النموذج الامتحاني أن يحتوي على أسئلة الأغلبية غير قادرين على حلها.

وفي الختام، سواءً كانت الامتحانات تقيس قدرات الطفل التي لا علاقة لها بفحوى المادة العلمية للمنهاج التربوي (مثل مجرد القدرة الحفظية للقيام بهذا الامتحان، أو القدرة على ممارسة القواعد النحوية والإملائية أثناء حل أسئلة الامتحان)، أو أن الامتحانات يتم توظيفها بطريقة تسبب ضرراً نفسياً للطفل، لكن لا بد وأننا بتنا متفقين على أنه لا يجب علينا أن نركز على الأمور الصعبة في المنهاج لكتابة النموذج الامتحاني، فهذا لن يكون نموذجا مفيدا للطفل بالتأكيد.

مقال من إعداد

mm

عبد الباسط ناعورة

من سوريا، طالب هندسة حواسيب، عملت بتدريس اللغة الإنكليزية وعملت بمجال الدعم النفسي وحماية الطفل.

المصادر

عدد القراءات: 1٬100

تدقيق لغوي: آنا درزي.