معلومات عامة

عندما استخدم الاتحاد السوفييتي القنابل النووية لإيقاف حرائق وكوارث حقول الغاز

اشتعال حقول الغاز

عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية برمي قنبلتيها النوويتين الوحيدتين (حتى حينها) على اليابان، كانت قد فتحت الباب أمام عالم جديد تماماً تضمن بناء عشرات آلاف الأسلحة النووية الفتاكة عبر العقود، لكنه فتح الباب أمام الطاقة النووية القابلة لإفادة البشرية بشكل حقيقي بدلاً من التدمير فقط.

ما نقصده هنا هو محاولات استخدام الأسلحة النووية لغايات مفيدة حقاً بدلاً من أن تكون مجرد أدوات دمار شامل متروكة جانباً فقط، وبالطبع فقد كان السوفييت هم الرواد في هذا المجال مع تجارب عديدة غريبة في المجال بداية من حفر الأنفاق وحتى محاولات صنع سدود أو تحويل مجاري أنهار، ومع أن معظم هذه الأفكار كانت تفشل بشدة لأن الفائدة كلها تضيع من تحول الأماكن التي تمت التجارب فيها إلى مراكز نشاط إشعاعي قاتل، فقد كان هناك بعض التجارب التي من الممكن القول عنها أنها ناجحة للغاية.

في الحالة هنا سنتحدث عن محاولات ناجحة على الرغم من غرابتها لإيقاف واحدة من أسوأ الكوارث الممكنة (اشتعال حقول الغاز) بواحدة من أكثر الرق غير التقليدية (تفجير القنابل النووية).

تمت جميع المحاولات التي تضمنت استخدام هذه الفكرة ضمن الاتحاد السوفييتي السابق، لكن على عكس الكثير من المشاريع السوفييتية فقد حققت هذه التجارب نجاحاً فعلياً.

المحاولة الأولى: إخماد نيران حقول الغاز في Urtabulak

في حال لم تكن تعرف عن الموضوع بشكل كبير، فاشتعال النيران ضمن حقول الغاز أو النفط تعد كارثة بيئية كبرى واستنزافاً كبيراً للثروات الباطنية، والأسوأ هو كون هذه الكوارث صعبة التعامل معها للغاية، حيث أن إخماد حريق في حقل نفطي أو حقل غاز مهمة صعبة للغاية، وفي حال ترك دون إخماد فاللهب من الممكن أن يستمر لسنوات طويلة، لذا وعندما اشتعلت حقول الغاز في Urtabulak (جنوب أوزبكستان الحالية) وفشلت الطرق التقليدية للإخماد، بدأ السوفييت بالتفكير خارج الصندوق.

بعد ثلاثة سنوات من الجهود الفاشلة لإخماد النيران في حقل الغاز، التفتت الحكومة السوفييتية إلى علماءها للمساعدة في الإخماد، وأتت فكرة تفجير قنبلة نووية قرب الحقل لإيقاف التسريب.

قد تبدو الفكرة غريبة للغاية لكن مبدأها بسيط للغاية: انفجار القنبلة سيولد موجة ضغط كبير جداً وكافٍ لإغلاق فوهة الحقل بشكل كامل ومنع الغاز من الخروج وبالتالي إخماد النيران المشتعلة منذ سنوات، والتي كانت تستهلك حوالي 10 مليون متراً مكعباً من الغاز كل يوم.

في خريف عام 1966 بدأت عملية حفر لبئرين ضيقين للغاية في أقرب مكان ممكن من الفوهة المشتعلة، تم تصميم هاتين الحفرتين بحيث تكونان مائلتين نسبياً لتكون نهايتهما على بعد حوالي 35 متراً فقط من الفوهة، ومن ثم تم إنزال رأس نووي يمتلك قوة تدميرية بقيمة 30 كيلوطن عبر الحفرة، ومن ثم تم سد الحفرة بالإسمنت لمنع وصول تأثيرات انفجار القنبلة إلى السطح قدر الإمكان.

إخماد نيران حقول الغاز في Urtabulak

إخماد نيران حقول الغاز في Urtabulak – صورة: SPL/mediadrumworld.com

بعد تفجير القنبلة تحت الأرض وعلى عمق قرابة 1400 متراً، وحصل ما هو متوقع: أدى الضغط الكبير المتولد من الانفجار إلى سد الفوهة بشكل كامل، وخلال 23 ثانية فقط كانت ألسنة اللهب قد توقفت بشكل كامل وتمت السيطرة على الكارثة البيئية الكبرى.

هذه المحاولة كانت أول مرة يستخدم فيها سلاح نووي لإيقاف نيران تشتعل في حقل نفطي أو غازي، وبالطبع كان نجاحها يعني أنها لن تكون الأخيرة.

المحاولات اللاحقة

بعد أشهر فقط من المحاولة الأولى الناجحة للغاية، حصلت مشكلة مشابهة في حقل غاز Pamuk القريب، حيث امتدت النيران إلى عدة فوهات معاً وكان التسريب كبيراً للغاية وأكبر من المرة السابقة، لذا وبعد النجاح الأول تقرر تجربة الطريقة الجديدة مجدداً، لكن هذه المرة مع قنبلة أكبر بقدرة تدميرية بقيمة 47 كيلوطن وعلى عمق أكبر: 2440 متراً.

على عكس المحاولة الأولى حيث احتاج الأمر لثوانٍ فقط قبل أن يظهر النجاح، فقد احتاجت المحاولة الثانية لقرابة أسبوع لإيقاف تسرب الغاز بشكل كامل، وعلى الرغم من التأخير فقد كان الأمر نجاحاً مظفراً دون شك.

بعد النجاح للمرة الثانية، اكتسب السوفييت ثقة كبيرة للغاية بهذه الطريقة المبتكرة لإيقاف التسرب في حقول الغاز، وعلى مدار السنوات التالية تمت تجربة الطريقة في العديد من المناسبات مع تسريبات غاز مختلفة في آسيا الوسطى وأوكرانيا وسواها.

لاحقاً عام 1981 جرت آخر تجربة لهذه الطريقة على السواحل الشمالية للجزء الأوروبي من روسيا حيث كان التسريب مستمراً منذ عامين، ولحله تم تفجير قنبلة نووية بقدرة تدمير بقيمة 37.6 كيلوطن على عمق 1511 متراً، لكن على عكس المحاولات السابقة لم يتم سد التسريب حقاً ووضع اللوم على عدم القدرة على تحديد المكان الدقيق للتسريب تحت الأرض حينها.

بعد الفشل عام 1981 توقفت المحاولات مؤقتاً، ومع كارثة مفاعل (تشيرنوبل) النووي عام 1986 كان من الواضح أن هذه التجارب لن تستأنف استخدامها في أي وقت قريب، حيث تم دق المسمار الأخير في كفن هذه التجارب الغريبة عام 1989 عندما أوقف الاتحاد السوفييتي تجاربه على الأسلحة النووية.

المصادر

عدد القراءات: 2٬593