تاريخ

تعرف على (ليودميلا بافليتشينكو)، أخطر قنّاصة أنثى في التاريخ

ليودميلا بافليتشينكو

بالنسبة لمعظم القناصين، قد يكون تلقي تهديدات من طرف العدو أمرا يدعو للقلق ويشجع على الحيطة والحذر، أما بالنسبة لـ(ليودميلا) فقد كان ذلك مدعاة للفخر وشعور غامر بالسعادة، وذلك عندما هددها الألمان النازيون بتقطيعها إلى 309 قطع على قدر عدد الجنود النازيين الذين قتلتهم، فقالت في ذلك متباهية: ”لقد كانوا يعلمون حتى عدد الأهداف التي أحرزتها“.

عاشت (ليودميلا بافليتشينكو) حياتها تستمتع بإخفاق أعدائها وسقوطهم على يدها، وكقناصة في الجيش الأحمر السوفييتي، تمكنت خلال مشاركتها في الحرب العالمية الثانية من قتل 309 جنود ألمانيين، بما في ذلك عدة قناصين آخرين.

ليودميلا بافليتشينكو

صورة: motomechanica/Deviantart

عندما لم تكن تبلغ من العمر سوى 24 سنة، انضمنت (بافليتشينكو) إلى مجموعة تتكون من ألفي امرأة مرشحة للتدرب على القنص بين صفوف الجيش الأحمر السوفييتي، والتي سينجو منها خمسمائة فقط خلال تلك الحرب، وبدل العمل كممرضة في المشافي العسكرية، كسرت (ليودميلا) التقاليد وتقدمت بطلب للمشاركة في ساحة المعارك والقتال المباشر.

صرحت لاحقا في جولة صحفية طافت فيها جميع دول الحلفاء: ”لقد انضممت إلى الجيش عندما كان لا يزال يتم رفض النساء لمجرد كونهن نساء“، ومنه لم يخفها نقص العنصر النسوي في الجيش، ولم يثنها عن مساعيها، بل في الواقع جعلها ذلك تحاول جاهدة تحقيق أهدافها.

خلال معظم حياتها، كانت (بافليتشينكو) دائما تسعى إلى مجاراة الذكور من زملائها ومواطنيها، ويعود الفضل في روحها التنافسية إلى تمكّنها أخيرا من التدرب على القنص ضمن صفوف الجيش الأحمر الروسي.

وتقص علينا بعضا من ماضيها وشخصيتها قبل الانضمام للجيش في قولها: ”عندما جاء ذات مرة صبي من أبناء الجيران يتبجح حول نجاحاته في إصابة الأهداف من أماكن بعيدة، عقدت العزم على أن أبين له أن بإمكان فتاة القيام بالمثل، ومنه تمرنت بشكل مجهد وقاس، لقد تمرنت كثيرا بحق“، وكان هذا قبل التحاقها بمدرسة القناصة بوقت طويل، وقبل أن تثبت أن لديها المهارة اللازمة، ثم عمدت إلى مواجهة تحدي آخر وهو إقناع الجيش بأن يضمها بين صفوفه.

تقول (بافليتشينكو): ”لم يكن الجيش يستعين بالعنصر النسوي آنذاك، لذا وجدت نفسي مجبرة على الاستعانة بكل الحيل المتاحة من أجل النجاح في ذلك“، وفي مرحلة ما من محاولة الجيش إثناءها عن مساعيها وجعلها تنسحب، دفعوا بها إلى الميدان مباشرة وأسندوا إليها مهمة قنص إثنين من الجواسيس الرومانيين الذين ثبت عنهم مساعدتهم وتعاونهم مع الألمانيين.

ليودميلا بافليتشينكو

ليودميلا بافليتشينكو (صورة حقيقية تم تلوينها)

تقول في أولى مهماتها تلك: ”عندما تمكنت من إصابة الهدفين بنجاح، تم قبولي على الفور“، موضحة بأن الهدفين لم يتعديا بالنسبة إليها مجرد تدريب روتيني، وعملية اختبار سهلة المنال.

بعد إستعراضها لمهاراتها المعتبرة في القنص خلال مدة وجيزة جدا، قبل الجيش الأحمر السوفييتي انضمامها إلى صفوفه، وبعد ذلك راحت (بافليتشينكو) تخوض المعركة تلو الأخرى، مثبتة بأنها قناصة ممتازة وموهوبة.

في أول يوم لها في أرض المعركة، تمكنت من إصابة وقتل جنديين ألمانيين تم إرسالهما لاستكشاف المنطقة التي كلفت بحراستها. وخلال كل الشهور اللاحقة، بقيت ثابتة ومركزة على واجبها أشد تركيز، فشاركت في معركتين كبريين، كانت المعركة الأولى هي معركة (أوديسا) التي تمكنت خلالها من قتل 187 جنديا ألمانيا، وكانت المعركة الثانية هي معركة (سيفاستبول) التي رفعت خلالها حصيلة أهدافها المؤكدة وضحاياها إلى 257 جنديا ألمانيا.

بالإضافة إلى عمليات القنص الاعتيادية، أوعز إلى (ليودميلا بافليتشينكو) كذلك بمهمات أكثر خطورة، على غرار أخطر مهمة على الإطلاق المتمثلة في القنص المضاد.

ينخرط الجنود عادة في عمليات القنص المضاد في مواجهات ثنائية، فيطلقون النار على بعضهم البعض مرارا وتكرارا دون المجازفة بالكشف عن مواقعهم إلى أن يسقط أحد طرفي المواجهة، وخلال مسيرتها المهنية كلها كقناصة، لم تخسر (بافليتشينكو) مواجهة واحدة على الرغم من كونها شاركت في بعض منها دامت حتى ثلاثة أيام بلياليها، فقالت عنها بأنها ”كانت واحدة من أشدّ التجارب التي خضتها في حياتي“.

ليودميلا بافليتشينكو

لوحة فنية لـJesusFood/Deviantart

عندما حققت (بافليتشينكو) 100 عملية قتل مؤكدة تمت ترقيتها إلى رتبة رقيب أول، وتواصلت ترقيتها من رتبة إلى رتبة إلى أن وصلت في نهاية المطاف إلى رتبة ملازم.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت (بافليتشينكو) قد قتلت 309 جنود ألمانيين، وكان 36 منهم قناصين أسقطتهم خلال مواجهات القنص المضاد الثنائية، وخلال حياتها كقناصة تعرضت للإصابة عدة مرات، لكنها في المرة الرابعة التي أصيبت فيها إصابة بليغة عمد الجيش إلى إعفائها من المشاركة في المعارك والقتال المباشر، وتم إيعازها بمهمات تدريب القناصين الجدد في الجيش.

على الرغم من إصابتها، بدأ قادة (بافليتشينكو) يخشون أن يتقرب منها ضباط العدو لإغرائها بالانضمام إلى صفوفهم، فعندما سحبت من أرض المعركة كان واضحا أن الألمان كانوا على دراية بهويتها، فقد كانوا خلال الكثير من المناسبات يوجهون إليها رسائل تذيعها مكبرات الصوت، فكانت الرسائل تبدو كالآتي: ”تعالي إلينا يا (ليودميلا بافليتشينكو)، سنعطيك الكثير من الشوكولاتة وسنجعلك تتقلدين رتبة ضابط ألماني“، وبالطبع قابلت (بافليتشينكو) عروضهم تلك كلها بالرفض.

(بافليتشينكو) خلال جولتها في الولايات المتحدة مع السيدة الأولى آنذاك (إليونور روزفلت).

(بافليتشينكو) خلال جولتها في الولايات المتحدة مع السيدة الأولى آنذاك (إليونور روزفلت).

بعد انتهاء الحرب، شاركت (بافليتشينكو) في جولات بين بلدان الحلفاء كانت تجري فيها اللقاءات الصحفية، وعندما وصلت إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، أصبحت أول مواطن سوفييتي يرحَّب به داخل البيت الأبيض، وبينما كانت هناك نشأت بينها وبين السيدة الأولى (إليونور روزفلت) علاقة صداقة قوية.

فسرعان ما ارتبطت الإثنتان بفضل تشارك آرائهما حول حقوق المرأة، ولشدة إعجاب السيدة الأولى بها، رافقتها خلال جولتها حول الولايات المتحدة.

بقيت الاثنتان على اتصال وثيق خلال السنوات التالية، وعندما زار الرئيس الأمريكي (تيودور روزفلت) وزوجته السيدة الأولى (إيليونور) العاصمة الروسية (موسكو) بعد 15 عاما، التقت الصديقتان مرة أخرى.

بعد انتهاء الحرب، عمدت (ليودميلا بافليتشينكو) إلى إنهاء دراستها في جامعة (كييف)، ونالت شهادة ماستر في التاريخ الذي خلّدها بدوره ضمن لائحة أفضل القناصين، وأخطر قنّاصة أنثى تعرفها البشرية.

عدد القراءات: 4٬638