معلومات عامة

11 كائناً خرافيا يعكس أكبر مخاوف البشر من المجهول

لكل حضارة نصيبها من الكائنات الخرافية، وخلف كل قصة حقيقة ما، حقيقة تعكس مخاوف أجدادنا من المجهول ومحاولة لتفسيره.

تستخدم العديد من العائلات قصص الكائنات الخرافيّة لتخويف الأطفال ومنعِهم عن القيام بأفعال خاطئة، لكن ما تمثله هذه الكائنات التي يمتد قدمها لآلاف السنين، هو في الحقيقة انعكاس لمخاوفنا وبالأحرى مخاوف أجدادنا من قبلنا، تلك المخاوف والأفكار التي راودتهم كلما كانوا يسمعون صوتاً في الظلام.

لقد ترك القدماء العديد من القصص التي تتحدث عن أبطال وقفوا في وجه الوحوش الخرافية وانتصروا عليها، وتعد هذه القصص الطريقة التي أرادوا باستخدامها التغلب على مخاوفهم ومحاولة منهم للتحكم في عالمٍ فاقت غرابته وحوادثه قدرتهم على الاستيعاب والتفسير.

1. الوينديغو Wendigo

رسمة لـ(الوينيدغو) مثلما تخيله الفنان Matthew Starbuck

رسمة لـ(الوينيدغو) مثلما تخيله الفنان Matthew Starbuck

تبدأ قصة (الوينديغو) في عام 1661، إذ تنطلق مجموعة من المبشّرين الإنجيليين إلى أرض (الجونكون)، و(الجونكون) هم قبيلة من سكان أمريكا الأصليين، قطنوا في الغابات المحيطة بنهر (أوتاوا). تُصاب هذه المجموعة فجأة بالمرض فيتم إرسال مجموعة أخرى لمساندتها ومساعدتها والحلول مكانها.

كان كل ما لدى المجموعة الجديدة من معلومات عمّن سبقوهم أن الأمور قد ساءت وحسب، لكن ما وجدوه حين وصلوا لم يكن في الحسبان، وقد وصفوا الأمر كالتالي: ”لقد أصيب هؤلاء الرجال المساكين بداءٍ يجعلهم نهمين للحم البشري، ما يدفعهم لمهاجمة النساء والأطفال وحتى الرجال والتهامهم بشراسة، فيبدون كمستذئبين حقيقيين. إنهم لا يشبعون وكلما ذاقوا اللحم البشري أرادوا المزيد“.

عُرف عن (الوينديغو) أنهم آكلي لحوم بشر، جالوا في نواحي البحيرات الكبرى، وأنهم ذوي بنية ضعيفة وأجساد نحيلة، حيث تبرز أضلاعهم من تحت جلودهم الشاحبة، وعيونهم غائرة في محاجرها فيبدون كرجال قضوا نحبهم من الجوع ودُفنوا إلى أن بدأت أجسادهم بالتحلل فخرجوا من قبورهم ليجولوا في الأرض مرة أخرى.

إن شهية (الوينديغو) لا يمكن إشباعها، فجوعهم لا ينضب وكلما تناولوا المزيد من اللحم البشري كلما أرادوا أكثر، ومع كل قضمة سيزداد حجمهم إلى أن يصبحوا عمالقة شرهة تبرز رؤوسهم من فوق قمم الأشجار، بانتظار الانقضاض على فرائسهم.

لقد أصرت قبيلة (الجونكون) أن هؤلاء المبشرين قد تحولوا لآكلي لحوم بشر، وأنهم قاموا بافتراس بعضهم البعض، وأن هذا الأمر قد حدث في السابق في صقيع الشتاء، ما دفع القبيلة إلى أن تكون دوماً على استعداد لأمر مماثل فتقيم احتفالات ضخمة، ويبدأ أفرادها بالرقص والغناء ليبعدوا تلك الكائنات عنهم.

أحد احتفالات قبيلة (الجونكون) يقومون فيها بإحدى شعائرهم التي تتضمن الرقص

أحد احتفالات قبيلة (الجونكون) يقومون فيها بإحدى شعائرهم التي تتضمن الرقص – صورة: NetGoe/Wikimedia

إنّ أقرب ما يفسر هذه القصص هو فقدان مبعوثي تلك الرحلة لعقولهم بسبب الجوع الشديد ما انتهى بهم لالتهام بعضهم البعض. إنّ فظاعة الأمر وعدم قدرة عقول سكان القبيلة على احتمال حدوث أمر كهذا ورؤيتهم الجوع يحوّل أشخاصاً جيدين إلى وحوش ضارية، دفعهم إلى اختلاق ذلك الكائن المرعب.

2. الكالوباليك Qalupalik

يدرك أطفال شعب (الإسكيمو) تماماً مخاطر اقترابهم من حافة المياه، فهناك تقبع (الكالوباليك) في انتظار فريستها القادمة.

(الكوباليك) مثلما تخيله الفنان Jonathan Wright - صورة: (الكوباليك) مثلما تخيله الفنان Jonathan Wright لصالح موقع Pinnguaq

(الكوباليك) مثلما تخيله الفنان Jonathan Wright – صورة: Jonathan Wright لصالح موقع Pinnguaq

يعلم الأطفال أن (الكالوباليك) قريبة حين يسمعون دندنتها لأغنيةٍ غريبة من تحت سطح الماء، وقد يسمعون صوت نقرٍ على الجليد من تحت أقدامهم حين تكون غير قادرة على تمالك نفسها. حين تصطاد (الكالوباليك)؛ تتحرك بسرعة عالية جداً ثمّ تقفز خارجةً من الماء وتنقض على ضحيتها غارزةً أظافرها الطويلة في جسدها؛ ساحبةً إياها إلى الماء.

إن آخر ما ستراه ضحيتها هو وجه الكائن الذي يشبه وجه امرأة ببشرة خضراء متحللة من فعل البقاء تحت الماء، ثم تحشو (الكالوباليك) جسد الطفل الضحية في جراب على ظهرها وتغطس به إلى أعماق المحيط المتجمد الشمالي، ليشعر الطفل بألمٍ رهيب إذ يملأ الماء رئتاه، ويتجمد الدم في عروقه حرفيّاً، وفي آخر لحظات وعيه سيسمع صوت بكاء وعويل عائلته.

طفلة من الأسكيمو تقف مع والدتها على الجليد

طفلة من الأسكيمو تقف مع والدتها على الجليد – صورة: Wikimedia

تم اختلاق قصة (الكالوباليك) لإبعاد الأطفال عن حافة الماء، ولحمايتهم من خطر الانزلاق والغرق في مياه المحيط المتجمد.

3. المينوتور Minotaur

أطفال أثينا في جحر (الميناتور)

أطفال أثينا في جحر (الميناتور) – صورة: Wikimedia

تبدأ هذه القصة بتقديم 14 طفلاً أثينيّاً كأضحية، إذ يُرسل هؤلاء الأطفال إلى متاهة في جزيرة (كريت) ليتلمسّوا طريقهم في ظلامٍ دامس عبر ممرات موحشة، وليقتربوا مع كل خطوة من الوحش المسمّى (المينوتور)، ومهما حاول الأطفال الابتعاد عن مواجهة (المينوتور) أو أن يلوذوا بالفرار؛ كان يجدهم على الدوام، فيبصرون وجهه الوحشي لبرهة من الزمن قبل أن ينقضّ عليهم ويقطهم لأشلاء ثمّ يبدأ بالتهامهم.

ما تخبرنا به الأساطير أنّ ملك (كريت) قد أجبر سكان أثينا على تقديم الأضاحي كجزية يدفعونها بسبب قتلهم لإبنه، فكانوا يقومون بسحب قرعة في كل عام لاختيار الأطفال الذين يدفعون ثمن اخطاء آبائهم.

ولد (المينوتور) وفقاً للأساطير نتيجة علاقة بين ملكة (كريت) وثورٍِ، ودُعي باسم (أستيرون) لكنه لم يحظ بفرصة عيش حياة طبيعيّة، فما فعلته الملكة قد جلب العار على الحاكم بالإضافة إلى خوفه من الغضب الكامن في هذا الوحش، فطلب الملك في نهاية الأمر بحجز (المينوتور) في متاهة وقدّم له الأضاحي البشريّة لكي يحيا عليها.

طبقاً للكاتب اليوناني (بلوتارش) فإن هذا الكائن الخرافي ليس مجرّد خرافة، وأنّ لقصته أصلٌ من الصحة. يقول الكاتب أن الملك (مينوس) كان يقيم في كلّ عام احتفالاً إحياءً لذكرى ابنه (أندروغيوس) ويقوم بتقديم الأطفال كهديّة للفائز بألعاب المهرجان، كان أحد الفائزين جنرالاً يدعى (تاروس)، الذي اقترف فظائع في حق الأطفال وتصرّف بوحشيّة مطلقة، فتحولت القصة لتصوّره كوحش حقيقي.

ثيسوس بعد ذبحه للمينوتور

ثيسوس بعد ذبحه للمينوتور – صورة: RMN-Grand Palais/René-Gabriel Ojéda

هناك قصص أخرى تتحدث عن (ثيسوس)، البطل الذي استطاع قتل (المينوتور)، لكنّ الحقيقة أن أحداً لم يأتي لنجدة الأطفال وإنقاذهم.

4. الباسيليسك Basilisk

لوحة تصور الباسيليسك وتعود للقرن الثالث عشر - العصور الوسطى

لوحة تصور الباسيليسك وتعود للقرن الثالث عشر – العصور الوسطى – صورة: Wikimedia

في عام 1587؛ تخرج فتاة للّعب مع صديقتها في مدينة (وارسو) عاصمة (بولندا)، وبعد أن تتأخر في العودة لمنزلها تخرج والدتها والخادمة للبحث عنها، بعد أن يقلبا كل شبرٍ من المدينة يجدانها أخيراً في قبو أحد المنازل المهجورة مستلقية هي وصديقتها أسفل الدرج وجسداهما ساكنان تماماً، وبينما تبقى والدتها أعلى الدرج تهبط الخادمة لتفقدهما لكن قبل أن تصل إلى القبو تتوقف فجأة متجمدةً في مكانها.

انتشرت شائعات في المدينة تقول بأن الطفلتين والخادمة تجمدوا بسبب التحديق في عيون كائن مرعب يدعى (الباسيليسك)، ذلك الوحش القادر على انهاء حياة أيّ شخص بنظرة واحدة. قد يكون الأمر مجرد حالة من التوهم الجماعي، حيث رأى سكان المدينة ما أرادوا رؤيته، لكن ما لا يمكن تجاهله هو وجود شيء ما في قبو ذاك المنزل وحاجة الناس لنظرية ما لتفسره.

الباسيليسك وهو يرهب راعٍ شاب

الباسيليسك وهو يرهب راعٍ شاب – صورة: Oliver Herford/Wikimedia

إن سكان (وارسو) ليسوا أول من شهِد وجود (باسيليسك)، إذ طبقاً للرومان، فقد عاش هذا الكائن الخرافي بكثرة في «شحّات» أو «قوريني» Cyrene التي تقع في الجبل الأخضر في ليبيا، وهي مدينة قديمة أسسها الإغريق. تأتي قدرة (الباسيليسك) على القتل بنظرة واحدة بسبب سميتّه الشديدة، وهو يترك أثراً ساماً خلفه أينما ذهب، وحسب الكاتب الروماني (بلينيوس الأكبر) فما من أحدٍ يستطيع القضاء على هذا الكائن، فإن تم طعنه سينسل سمّه على السلاح ويقتل حامله.

الإحتمال الأكبر هو أن يكون (الباسيليسك) نسخة مبالغاً فيها عن كائن موجود حقاً وينتشر في ليبيا وهو الكوبرا، حيث تستطيع الكوبرا قذف السُّم من فمها لمسافات بعيدة والأغلب أن الناس بدأوا بسرد القصص والمبالغة فيها إلى أن أصبح هذا الكائن قادراً على القتل بنظرة واحدة.

الأمر المحيرّ هو ندرة وجود الكوبرا في منطقة (وارسو) وإصرار سكان المنطقة على رؤيتهم للوحش في عام 1587، إذ أنهم بعد سماعهم قصة الفتيات والخادمة أرسلوا أحد المحكومين عليهم ويدعى (يوهان فاورر) إلى عرين (الباسيليسك) بعد أن قاموا بتغطية جسد الرجل بمرايا، فتمكن في نهاية المطاف من إخراج الكائن من مخبأه بمجرفة، ووفقاً لكلام طبيب شهد الحادثة فقد وصف (الباسيليسك) كالتالي: ”لقد رأيته بأم عيني، كان له رأس ديك وعرف كالتاج فوق رأسه، وعيون علجوم، وتكسو جسده الحراشف، وله ذيلٌ معقوف. تستطيع أن تلمح في كل شبرٍ من جسده صفةً لأحد الحيوانات السامّة.“

5. النيان Nian

النيان - رسمة لـ Alina Chau من كتاب Lunar New Year

النيان – رسمة لـAlina Chau من كتاب Lunar New Year

كان هناك يومٌ مشؤوم من كل عام لدى شعب الصين قديماً، إذ ينزل (النيان) في ذلك اليوم من قمة جبله باحثاً عن الطعام مثيراً الرعب في قلوب البشر، لا يمكن لأحدٍ أن يقف في وجه هذا الكائن، فقد كان خالداً لا يقهر، لا يستطيع أي سلاح أن يخترق جسده ولا يفنى مهما مضى من عقود، وما كان بإمكان سكان المنطقة إلا إغلاق أبوابهم ونوافذهم والاختباء تحت أسرّتهم، والدعاء كي لا يجدهم هذا الوحش.

راقب السكان الوحش من أماكن اختبائهم بينما تجوًل بين بيوتهم بوجهه المسطح الذي يشبه الأسد وأسنانه الحادة وقرونه الضخمة، وقد كان حجمه كبيراً يفوق حجم أكبر الفيلة، وإن حالف الحظ السكان فسيكتفي الوحش باقتحام مخازنهم وأكل ماشيتهم، لكنه إن عثر على أحدٍ منهم فسيمزقه بقرونه نازعاً أحشاءه ملتهماً إياه لقمةً لقمة، وكان طعامه المفضل هو الأطفال الصغار.

روّع (النيان) أهالي الصين القديمة لعقود طِوال، إلى أن قام رجلٌ مسن بإخافة هذا الوحش، ثمّ كشفَ للناس كونه إلهاً متنكراً وشرح لهم كيفية إبقاء هذا الكائن بعيداً: ”إن (نيان) هو شيطان لا يمكن قتله، لكنكم قادرون على إبقائه بعيداً فإخافته لأمرٌ سهل، فهو يكره اللون الأحمر وترعبه الأصوات المرتفعة والكائنات الغريبة، ولذلك عليكم أن تقوموا اليوم بنشر اللون الأحمر في كل مكان، علّقوا على أبوابكم لافتاتٍ حمراء اللون وأحدثوا أصواتاً عالية، اقرعوا الطبول واعزفوا الموسيقى، وأشعلوا ألعاباً ناريّة، ولحماية أطفالكم ألبسوهم أقنعة وأعطوهم فوانيس مضاءة“.

رجلٌ متنكر في زيّ (نيان) خلال احتفال الربيع

رجلٌ متنكر في زيّ (نيان) خلال احتفال الربيع – صورة: Falling Outside The Normal Moral Constraints من فليكر

لا يزال الصينيون إلى يومنا هذا يشعلون الألعاب الناريّة ويقرعون الطبول بالإضافة لتغطية مدنهم باللون الأحمر وذلك في «احتفال الربيع» من كل عام، وطبقاً للأساطير فإن هذا الاحتفال هو ما يُبقي هذا الكائن الخرافي بعيداً عن اجتياح منازلهم والتهام أطفالهم، وإن حصل ونسي الناس في يومٍ من الأيام تقاليدهم تلك وتوقفوا عن الاحتفال فإن (النيان) سيعود.

6. الكمّير Chimera

وحش أنثى، يتنفس النار، برأس أسد وجسد ماعز وذيل ثعبان.

وحش أنثى، يتنفس النار، برأس أسد وجسد ماعز وذيل ثعبان.

عند النظر للـ(كمير) من زاوية معينة فستعتقد أنك تقف أمام أسد عادي، إلى أن يستدير فترى حقيقة ما هو عليه، خليط عجيب من الوحوش المصهورة في جسد واحد، حيث يبرز رأس عنزة من منتصف الجسد، وينتهي بذيلٍ على هيئة ثعبان بجلد أخضر مغطى بحراشف، وله عينان صفراوتان ولسانٌ يقطر سمّاً.

إنّ هذا الكائن أكثر من مجرد مظهر مرعب، فهو أيضاً لا يُقهر، إذ أن العنزة في المنتصف تنفث لهباً قادراً على تحويل أي شخص إلى رماد في ثوانٍ.

طبقاً للأساطير اليونانيّة فـ(الكمّير) هو نتيجة لعلاقة بين ثعبانٍ متوحش يدعى (تيفو) وعروسته نصف البشرية، لكنّ الحقيقة هي أن أصل القصة يأتي من «الحيثيين» Hittites وذلك قبل أن يبدأ اليونان بسرد نسختهم من الحكاية، فقد كائن الكائن طبقاً للأساطير الحيثيّة يحمل رأس امرأة بدل عنزة، وتمتع بجناحيّ صقر، لكن استطاع اليونان في نهاية الأمر تغيير القصة وجعل الكائن أكثر وحشيّة.

طبق يوناني قديم صنع في 350-340 قبل الميلاد

طبق يوناني قديم صنع في 350-340 قبل الميلاد

تعّد (الكمير) إحدى أشهر الوحوش التي حاول أبطال تلك العصور إثبات أنفسهم وشجاعتهم أمامها لكنهم غالباً ما فشلوا في ذلك، ولعل أشهر القصص التي تتحدث عن هذا الكائن هي قصة (بيليروفون) Bellerophon الذي قاداً هجوماً ضد (الكمير) ممتطيّاً حصانه المجنح (بيغاسوس) Pegasus، استطاع (بليروفون) غرسَ رمحه في حنجرة العنزة قبل أن تحرقه بالنيران، وحين نفثت كرة اللهب أُذيب معدن الرمح وملأ حنجرتها ما أدى لأختناق الكائن وموته.

7. الكراكن Kraken

لوحة تمثّل انقضاض الكراكن على سفينة واستعداده لسحبها تحت سطح البحر

لوحة تمثّل انقضاض الكراكن على سفينة واستعداده لسحبها تحت سطح البحر – صورة: Pierre Denys de Montfort/Wikimedia Commons

أصرّ الأسقف النيرويجي (إريك بونتوبيدون) في القرن الثامن عشر على أنّ (الكراكن) حقيقي، بدليل أنه كان قد شوهد عدداً لا يحصى من المرات من قبل الصيادين، وبالأخص في أيام الصيف الحارّة. وقال الأسقف: ”أكد الصيادون أنّ (الكراكن) يقبع في عمق البحر ويبعد عن الشاطئ عدداً من الأميال“.

قبل أن يخرجَ الوحش إلى سطح الماء تبدأ الكائنات البحرية بالفرار، وكأنها تشعر بالخطر المحدق، ويبدأ جسمٌ أسود بالصعود إلى السطح من الأعماق، وتوجب على الصيادين الذين أرادوا النجاة بحياتهم أن يبتعدوا قدر الإمكان عن هذا الوحش.

إن نظرَ أحدهم خلفه فسيشاهد ما يصفه (بونتوبيدون) بالتالي: ”سيرى الناظر وحشاً يصعد إلى السطح، يمتد ظهره لميل ونصف الميل ليبدو للوهلة الأولى كمجموعة من الجزر الصغيرة تحيط بها أعشابٌ بحريّة، ثمّ ستبدأ قرون الوحش بالظهور لتعلو أكثر فأكثر حتى تصل في بعض الأحيان لارتفاع صارية سفينة متوسطة الحجم“.

يسحب هذا الوحش السفن بواسطة مجساته العملاقة، وإن ترك إحدى السفن وشأنها فستُغرقها الدوامة التي يخلفها خلفه حين هبوطه للأعماق.

كراكن يقبض على سفينة ويحاول جذبها

كراكن يقبض على سفينة ويحاول جذبها – صورة: Wikimedia

إن هذا الكائن الأسطوري هو قَطعاً أكبر وأشرس وحوش البحر، فحين يظهر على السطح يمتد على مساحة تقارب امتداد سطح عشرة سفن قتاليّة تقف جنباً إلى جنب.

هناك وثائق تتحدث عن وجود (الكراكن) منذ القرن الثالث عشر، وقيل أن أحد أبطال (الفايكينغ) ويدعى (أورفار أودر الآيسلندي) قد خُيّلَ له أن واحداً من تلك الكائنات جزيرة، فاقترب منه، وكاد أن يبتلع كاملاً.

لعل (الكراكن) هو أكثر المخلوقات الأسطورية التي لا تزال ترافقنا وتُثير خيالنا كلما فكرنا في أسرار البحار، ولعل الصيادين النرويجين أصابوا جزءاً من الحقيقة في ذلك، حيث عُثر على حبار ينمو إلى حجم يصل لـ300 كغ، ومن الأرجح أن صديقنا العملاق هو نسخة مبالغ فيها من ذاك الحبّار، ومن يعلم، قد يكون (الكراكن) قابعاً في أعماق البحار المجهولة منتظراً أن يتم اكتشافه.

8. الغروتسلانغ «الثعبان العظيم» Grootslang

(الغروتسلانغ) في وكره مثلما تخيله أحد الفنانين.

(الغروتسلانغ) في وكره مثلما تخيله أحد الفنانين – صورة: Jeff McArthur/Wikimedia

طبقاً للأساطير في جنوب إفريقيا فإن (الغروتسلانغ) يعّد من أول الكائنات التي خلقتها الآلهة حين لم يكن الإنسان أكثر من طينة بدائية تنتظر أن تتشكل، أوجدت الآلهة ثعباناً قوياً وضخماً أكبر من الفيلة وأذكى من البشر، لكنها أدركت متأخرة الخطأ الفادح الذي ارتكبته، فقد كانت حديثة العهد في أمور الخلق، فلم تفكر في خطورة خلق كائن بتلك القوة وذلك الذكاء.

فبدأت بمحاولة تصحيح خطئها، فشرعت بفصل قوة هذا الكائن وتوزيعها على فصيلتان جديدتان وهكذا خلقت الفيلة والأفاعي، لكنّ إحدى تلك الكائنات استطاعت الإفلات من قبضة الآلهة ونتج عن ذلك فصيلة كاملة من الوحوش دعتها الآلهة بـ”الخطأ المميت“.

الأفعى المشبكية من فصيلة البايثون، إحدى أكبر الثعابين الموجودة على سطح الأرض، لكن حجمها يبقى صغيراً مقارنة مع حجم (الغروتسلانغ) المفترض

الأفعى المشبكية من فصيلة البايثون، إحدى أكبر الثعابين الموجودة على سطح الأرض، لكن حجمها يبقى صغيراً مقارنة مع حجم (الغروتسلانغ) المفترض.

أخبر السكان الأصليين في (الكونغو) الأوروبيين حين بدأوا بالانتقال إلى أراضيهم أنّ (الغروتسلانغ) لا تزال تختبأ في جحورٍ تمتد لأعماق تصل حتى 70 كيلومتراً داخل الأرض، وأن هذه الكائنات تعيش ضمن مجموعات وتحرس مواقع وجود الألماس بشراسةٍ وجشع.

غالباً ما يُعتقد أن السكان استخدموا هذه الحيلة لإبقاء المستعمرين بعيداً عن أراضيهم وثرواتهم الباطنية، ويقال أن إحدى أشهر هذه الكائنات لا تزال تختبئ في كهف في (ريتشترسفيلد) في جنوب أفريقيا منتظرةً أي أحمق يتجرأ على الاقتراب من جحرها، ويُذكر أنها تمضي وقتها في استدراج الفيلة وطحن عظامهم وابتلاعهم دفعةً واحدة، ما يجعلها إحدى أشرس الكائنات الخرافية.

9. العدار Hydra

رسم للعدار ذو التسعة رؤوس للعبة Dungeon and Dragons

رسم للعدار ذو التسعة رؤوس للعبة Dungeon and Dragons – صورة: LadyofHats/Wikimedia

إن فرصة النجاة أمام العدار تكاد تنعدم، فدمه يطفح بالسّم حتى أنّ أنفاسه باتت سامّة وبما أن عرينه مغلق فإنَّ تنفس الهواء هناك كافٍ لقتل أيّ شخص، إذ تمتلئ الرئتان بحمض الأسيد فيموت محترقاً من الداخل للخارج، وإن استطاع أحد ما تجاوز الهواء الأسيدي سيجد نفسه في مواجهة وحش عملاق يشبه التنين وبتسعة رؤوس، وهو بالطبع غير فانٍ، فحين تقطع أحد رؤوسه سينمو مكانه اثنان، والطريقة الوحيدة لمنع ذلك هي كيّه بالنار، لكن سيبقى رأس أخير لا يُقطع ولا يموت.

وصِفت رؤوس العدار بكونها تشبه رأس الأفعى ولذلك يعتقد الكثيرون أن هذا الوحش هو إسقاط لمخاوف البشر الأزليّة من الأفاعي، ويدّعي بعض الكتّاب أن هذا الوحش قد بدأ بالفعل كأفعى برأس واحدة لكن خللاً ما قد حدث فتطور ليصبح هذا الكائن العجيب.

هرقل والعدار

هرقل والعدار – صورة: Wikimedia

ذُكر العدار في أسطورة (هرقل)، إذ كان التخلص من هذا الكائن هو مهمته الثانية، وساعده ابن أخيه (أيولاوس)، الذي استخدم الجمر لكيّ الرؤوس التي يقطعها (هرقل) إلى أن بقي الرأس الخالد، فاستخدم البطل سيفاً أهدته إياه الآلهة (أثينا) لقطع الرأس الاخير، ومع ذلك لم يمت الرأس المقطوع، فقام (هرقل) بدفنه تحت جلمود كبير محتجزاً إياه على قيد الحياة للأبد!

10. أبو الهول The Sphinx

صورة لأبو الهول في مصر - التقطت حوالي 1867-1899

صورة لأبو الهول في مصر – التقطت حوالي 1867-1899

واحدة من أقدم الأساطير عبر التاريخ هي أسطورة أبو الهول، التي تعود لعام 9500 قبل الميلاد.

يشتهر أبو الهول كمعلم سياحي هام في مصر، وهو عبارة عن رأس بشري مزيّن بتاج فرعوني على جسد أسد. صورّ المصريون هذه الكائنات على أنها وحوش ضخمة وقوية ونحتوا وجوه ملوكهم كرؤوس لها للدلالة على ألوهيتهم، على الجانب الآخر صوّر اليونان أبو الهول ككائن شرير لا يرحم ذو ذكاءٍ متقد، وجعلوا ذيله على هيئة ثعبان وأعطوه أجنحة.

(أوديب) في مواجهة أبو الهول

(أوديب) في مواجهة أبو الهول

لعلّ أشهر القصص المعروفة عن هذا الكائن هي تلك التي تأتي من قصة (أوديب) ورحلته إلى طيبة، تقول القصة: ”…وبينما اتجه (أوديب) إلى طيبة، واجهه أبو الهول طارحاً عليه أحجيته الشهيرة: ’ما الذي يسير في الصباح على أربع، وفي المساء على اثنين، وفي الليل على ثلاث؟‘ لقد كان الوحش على ثقة بأن (أوديب) سيفشل وسينتهي أمره كوليمة له، وحينما أجاب: ’الإنسان‘ لم يحتمل الوحش وجود شخص يضاهيه ذكاءً، فقتل نفسه“.

لا يوجد ما يؤكد لنا إلى ماذا كان يرمز أبو الهول، لكنّ هناك بعض النظريات التي تقول أنه رمز مصري للقوّة والمدخل إلى الحياة الآخرة، وبالمقارنة مع الأساطير اليونانيّة التي تؤكد أن الطريقة الوحيدة لهزيمة هذا الوحش هي التفوق عليه بالذكاء، فبإمكاننا أن نستنتج أن أبو الهول هو إشارة لمحاولة الإنسان الدائمة للتفوق على الموت.

11. بولغسار Pulgasari

البولغسار كما ظهر في الفلم الترويجي في كوريا الشمالية عام 1985

البولغسار كما ظهر في الفلم الترويجي في كوريا الشمالية عام 1985

خلّدت كوريا الشماليّة (البولغسار) في واحد من أكبر أفلامها الترويجية عام 1985، حيث قامت الحكومة في عهد (كيم جونغ إيل) باختطاف مخرجين كوريين ليخرجا فلماً يتحدث عن وحش يشبه (غودزيلا) ويحمل رسالةً شيوعيّة.

تصوّر الأساطير الأصلية (البولغسار) كمخلوق صُنع من قبل ناسك بوذي، فحين أمر الحاكم الظالم بإرسال جميع النّسك إلى السجن، اختبأ أحدهم في خزانة أخته، ولتمضيّة الوقت بدأ بصناعة مخلوق صغير من حبوب الأرز المطهوّة.

فوجئ الناسك حين دبتّ الحياة فجأة في مخلوقه الصغير، لكن لم يلبث الكائن أن شعرَ بالجوع، فبدأ الناسك الطيب بإطعامه إبراً حديديّة –الشيء الوحيد الذي استطاع إيجاده في الخزانة– وبدأ الكائن يكبر أكثر فأكثر مع كل إبرةٍ يتناولها إلى أن أصبح بحجم البناء، واستمر بالشعور بالجوع فبدأ باستهلاك كلّ ما وجده أمامه من معادن، وبشكله الذي يشبه الدب وحجمه الهائل ووجود القطع الحديديّة التي تبرز من كل جزء في جسده، بدأ هذا الوحش بترويع سكان المدينة.

حاول الجيش أن يقف في وجه (البولغسار)، لكن لم يقوى أي رمح أو سيف على اختراق جسده، وبعد أن فقد الحاكم الأمل في إيقاف الوحش؛ أمر رجاله بأن يضرموا النار فيه، لكنّ ذلك زاد الأمر سوءاً فقد جعلت النار الوحش في حالة من الهيجان وبدأ بالجري في أنحاء المدينة، فاشتعل كل ما فيها إلى أن احترقت بالكامل.

دعي الوحش بـ不可杀 التي تُلفظ (بو كي شا)، وهي جملة صينيّة تعني ”لا يمكن قتله“، ومع مرور الوقت أصبح الاسم يُلفظ (بولغازال) ليصبح في النهاية (بولغسار).

ملصق الفيلم الكوريّ الذي صورّ البولغسار عام 1985

ملصق الفيلم الكوريّ الذي صورّ البولغسار عام 1985

إن (البولغسار) لا يقف عند كونه فلماً ترويجيّاً لأفكار كوريا الشماليّة، فإن أسطورة هذا الكائن تعد من الموروث التاريخي للحضارة الكوريّة، الأسطورة التي لسخرية الموقف تحذّر من الفساد والاستبداد الحكومي.

المصادر

عدد القراءات: 10٬246