ميديا

هل دمرت الإنترنت الإعلام والصحافة أم أنها جعلتها أفضل؟

هل دمرت الإنترنت الإعلام والصحافة

قبل حوالي 100 عام من اليوم كانت الحياة مختلفة للغاية، وواحدة من أهم النواحي التي تغيرت في حياتنا هي القدرة على الوصول إلى المعلومات، فحتى ذلك الوقت كانت الصحف والمجلات والإعلام المطبوع هي الطريقة الوحيدة للحصول على الأخبار والمستجدات والمعلومات العامة، وعلى الرغم من وجود ”الصحافة الصفراء“ منذ قرون، فالصحافة الحقيقية كانت لا تزال قوية كفاية بفضل نظام الاشتراكات لتتمكن من العمل الحقيقي بدلاً من الاعتماد على العناوين المضللة والمواضيع غير المهمة (ولو كانت شعبية).

عبر القرن الأخير تغير شكل الإعلام تماماً، فبعد أن كانت الصحافة المطبوعة هي الشيء الوحيد المتاح فقد فقدت هيمنتها لصالح الإذاعة أولاً مع ظهور أول محطة إذاعية عام 1920، ومن ثم بدأ النفوذ ينتقل للتلفزيون الذي بات المهيمن الجديد لفترة ممتدة من الزمن، لكن في النهاية وجهت الإنترنت الضربة القاضية للتلفاز، وعبر العقد الأخير نمت لتصبح المنفذ الأول والأكثر استخداماً للأخبار على صعيد عالمي.

لكن ما مدى تأثير هذا التغير الكبير على العمل الصحفي؟ ما مدى تأثيره على المصداقية والدقة وشمولية التغطية الإعلامية؟ السؤال قد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى وقد يظن الكثيرون أن التأثير إيجابي أو سلبي بشكل حاسم (تبعاً لوجهات نظرهم الخاصة) لكن النظرة الحيادية للموضوع تكشف نواحياً إيجابية وأخرى سلبية للتغيير الكبير في الوسط الإعلامي عبر الزمن.

هنا سأحاول قدر إمكاني (ومن منفذ إعلامي لم يكن ليكون موجوداً لولا التطور الكبير والإنترنت) البحث في النواحي الإيجابي وتلك السلبية التي تأثر بها الإعلام عبر العقود الماضية.

هل جعلت الإنترنت الصحافة أفضل؟

من السهل العثور على العديد من الحجج التي يمكن ذكرها لتوضيح التأثير الإيجابي للتمدد الإعلامي عبر الزمن (بما في ذلك ظهور وانتشار الإنترنت) على المحتوى الإعلامي وجودته. فمن حيث المبدأ هنالك نواحٍ لا بد من التسليم بكون الإنترنت قد قدمت فائدة كبيرة بها سواء لوسائل الإعلام أو متابعيها على حد سواء، ولعل أهم هذه النواحي هي:

– الوصول الأسهل والمجاني للأخبار:

عندما كانت الصحافة والإعلام المطبوع هما المسيطران كان وضع الأخبار مختلفاً للغاية عن وضعه الحالي، فالأخبار كانت تأتي عادة من مصدر وحيد هو الصحيفة التي توزع في المنطقة والتي غالباً ما كانت وحيدة في معظم المناطق، هذا الأمر يعني أن الوصول للأخبار من قبل القراء كان محصوراً بمتابعة الصحيفة بشكل دائم ومستمر مع تذكر الأحداث بشكل دائم نظراً لعدم إمكانية العودة لها إلا عبر الذهاب للمكاتب العمومية وتصفح الأرشيفات، وهذا طبعاً في البلدان المتقدمة، بينما في معظم بلدان العالم الأخرى فالأحداث كانت تنشر في الصحف لتموت في اليوم التالي.

قبل 15 أو 20 عاماً كان الوصول إلى المعلومات بسهولة أمراً أقرب للخيال

قبل 15 أو 20 عاماً كان الوصول إلى المعلومات بسهولة أمراً أقرب للخيال

وصول التقنيات بشكل متتالٍ ومن ثم الوصول إلى عصر المعلومات الحالي والإنترنت، فالأخبار لم تعد تنسى، ولم تعد الأخبار الصغيرة حتى تذهب إلى قبورها المبكرة بمجرد تحول الصحيفة إلى أداة لتنظيف زجاج السيارة أو حماية الأرضية من تناثر الدهان أثناء صيانة المنزل. فأي خبر بات قابلاً للبحث عنه والوصول إليه في أي وقت يخطر بالبال، كما أن الأخبار لم تعد محدودة بالصحيفة المحلية او حتى الإذاعة أو التلفزيون المحلي بل بات من الممكن الوصول إلى الأخبار من أي مكان من العالم.

المجانية كانت خطوة كبرى كذلك، فبينما كانت الصحف تكلف المال مقابل الحصول عليها، ومن ثم اتبعت المحطات التلفزيونية هذا الأسلوب كذلك (على الأقل في العالم الغربي) فالأخبار على الإنترنت بدأت مجانية واستمرت بذلك حتى الآن، ومع أن الإعلانات ليست أمراً محبباً أو مفضلاً لدى أحد من القراء، فغالباً ما تكون خياراً أفضل بكثير من الدفع مقابل الحصول على الأخبار بالأخص في حال كان المستخدم يفضل الحصول على أخباره من مصادر متنوعة وليس من مصدر واحد فقط.

– سهولة البحث والتأكد من المصادر بالنسبة للصحفيين:

العمل الصحفي اليوم (على الأقل في مجال التأكد من الأخبار) بات أسهل من أي وقت سابق، فالحاجة للاستشهاد بمقالات منشورة مسبقاً لم يعد يحتاج لتصفح عشرات أو مئات الصفحات بحثاً عن خبر يرتبط بالموضوع مثلاً، فالبحث بات أسهل بكثير بوجود الإنترنت حيث بات من الممكن الوصول للمحتوى المرتبط والمهم بسهولة باستخدام محرك بحث وبضع كلمات دلالية فقط، وبالتالي فأغلب العمل الصحفي التراكمي بات أسهل مع كون الحصول على المصادر والتأكد منها أسهل من أي وقت سابق.

الموضوع هنا لا يتعلق بالمصادر التي تعتمد على أخبار سابقة فقط، بل على المواضيع العلمية والمعلومات العامة مثلاً، فما كان يحتاج لقراءة عدة كتب وربما يستغرق أياماً حتى لاستخراج معلومة وحيدة ضمن مجموعة من المعلومات، بات ممكناً بمجرد كتابة بضعة كلمات في محرك بحث والوصول إلى مصدر موثوق للمعلومة المطلوبة.

قبل بضعة ساعات من بدأ كتابتي لهذا المقال مثلاً، احتجت للبحث عن سرعة الصواريخ البالستية القصوى لاستخدامها كوحدة مقارنة لسرعة أخرى، دون الإنترنت كنت سأحتاج للذهاب إلى مكتبة عمومية لست واثقاً من وجودها أصلاً في مدينتي ومن ثم تصفح الفهارس للوصول إلى كتاب بتحدث عن الصواريخ مثلاً، ومن ثم البحث عن الصواريخ البالستية وسرعتها والتأكد من كون الكتاب حديثاً كذلك. هذا الأمر ليس متعباً ومستهلكاً للوقت فقط؛ بل أنه قد يكون بلا جدوى تماماً.

لكن بوجود الإنترنت فقد احتجت لأقل من دقيقة لكتابة كلمات البحث ومن ثم تتبع عدة روابط للوصول لمعلومة مؤكدة وهي أن الصواريخ البالستية تصل لسرعة 15 ماك (حوالي 18,500 كيلو متر بالساعة).

سهولة الوصول للمعلومات اليوم باتت تسمح بتضمين المزيد من المعلومات المتعلقة بأي موضوع عند الحديث عنه، فبدلاً من الأخبار ذات النبرة الواحدة والمأخوذة من مصدر وحيد فقط، بات من الممكن مقارنة الأخبار بما سبقها والحصول على معلومات متعلقة بها تفيد بوضع الخبر ضمن منظوره وأبعاده الحقيقية بدلاً من أن يكون مجرد كلمات بسيطة كتلك التي تظهر في موجز الأخبار أو الأخبار العاجلة مثلاً. هذا الأسلوب يسمح بإيصال المعلومة إلى جمهور أكثر تنوعاً وأقل تخصصاً في المجال حتى، فالأخبار الرياضية مثلاً لم تعد حكراً على المتابعين الشغوفين فقط، وكذلك الأخبار التقنية بحد ذاتها باتت أقرب لفئات أوسع من الجمهور.

– سرعة أكبر لنقل الأخبار ومدى أوسع:

في المرحلة الأولى من الإعلام المطبوع، كان نقل الأخبار أمراً صعباً للغاية مع كون هذه الأخبار تنقل شفاهاً وببطء أو أنها تنقل عن طريق مراسل موجود في مكان الحدث، لكن كذلك ببطء، ومع كون أفضل الحالات هي ورود الخبر ونشره بعد عدة ساعات (في حال ورد الخبر قبل دقائق فقط من بداية الطباعة)، بينما كانت الأخبار العادية تحتاج يوماً أو يومين لتنشر أو أنها قد تحتاج لأسابيع حتى في حال كانت بعيدة كفاية.

مع كون كل شيء متصل بالإنترنت اليوم، فالوصول الواسع هو أمر مضمون

مع كون كل شيء متصل بالإنترنت اليوم، فالوصول الواسع هو أمر مضمون.

لاحقاً أفاد اختراع الهاتف بشكل كبير بسرعة نقل الأخبار من مكان لآخر، لكن التأخير بقي موجوداً من ناحية؛ كما أن نقل الأخبار المصورة كان مستحيلاً في البداية ومن ثم أصبح ممكناً لكنه يحتاج لعربة بث أو إلى تصوير الخبر ومن ثم نقل وسيلة التخزين فيزيائياً إلى مقر القناة التلفزيونية. هذا الأمر لم يكن مناسباً تماماً وجعل التلفاز محدوداً للغاية في مجال السرعة مقارنة بالحالة اليوم، فمع وجود الإنترنت بات نقل الخبر بسرعة يتطلب دقائق فقط دون وجود أي مراسلين حتى، كما أن أي خبر يتطلب الصياغة من الممكن أن ينشر خلال أقل من نصف ساعة من حدوثه بوجود محرر سريع كفاية.

وجود الإنترنت لم يسرع نقل الأخبار بشكل مباشر فقط، بل جعل مدى نقل الأخبار غير محدود نظرياً، فمن الممكن نقل الأخبار بسرعة كبيرة من أي مكان في العالم، وعند حدوث أي أمر مؤثر على النطاق العالمي بات من الممكن أن يصبح متاحاً على مختلف وسائل الإعلام المتعددة خلال دقائق وبأسوأ الحالات خلال ساعات. اليوم ومن خلال شاشة الهاتف الذكي من الممن متابعة أحداث مؤتمر علمي لناسا مثلاً وبشكل مباشر، أو حتى متابعة أحداث مؤتمرات الألعاب مثل E3 أو المؤتمرات التقنية مثل CES أو WWDC وغيرها.

– كلفة أقل ومجال أوسع للعمل الصحفي:

تعد تكلفة البدء بمؤسسة إعلامية كبيرة للغاية، لذا ففي حالة المؤسسات الإعلامية التقليدية فمن الضروري وجود داعم ثري للغاية بحيث يتحمل الخسائر في الفترة الأولى من العمل، كما أن التشغيل بحد ذاته يكلف الكثير من المال أيضاً عدا عن التكلفة الأولية، فالصحف تحتاج للمال لطباعة أخبارها وصنع النسخ وتوزيعها لاحقاً، كما أن الإذاعة تحتاج لاستديوهات متقدمة وعزل صوتي عدا عن تكاليف البث سواء كان محلياً أو عالمياً عبر الأقمار الصناعية.

المحطات التلفزيونية هي الأكبر تكلفة بالتأكيد، فبالإضافة لتكلفة الوسائط المعروضة من مسلسلات وأفلام مثلاً، فالاستديوهات التلفزيونية مكلفة أكثر كما أن التصوير والمونتاج والصوت وحتى مكياج المقدمين يكلف مالاً إضافياً عدا عن التكاليف الكبيرة لمحطا البث المحلي أو البث عبر الأقمار الصناعية أو عبر خدمات الكوابل.

بالنسبة للكثير من وسائل الإعلام اليوم، باتت الطباعة والتوزيع امراً من الماضي.

بالنسبة للكثير من وسائل الإعلام اليوم، باتت الطباعة والتوزيع امراً من الماضي.

بالمقارنة مع الوسائل التقليدية، فالإعلام الإلكتروني أرخص بشكل ملحوظ، ومع أنه ليس رخيصاً تماماً فهو أقل تكلفة بشكل كبير من مقابلاته الأخرى، كما أن غياب الحاجة للبث على مدار الساعة كما في الإذاعة والتلفاز يجعل التكاليف أقل بشكل كبير.

عموماً؛ إظهار المحتوى عبر الإنترنت يتطلب طاقم عمل وأدوات عمل تتراوح من وصول للإنترنت وخبرات بالكتابة وحواسيب بالنسبة للمواقع ذات المحتوى المقروء، إلى تجهيزات تصوير ومونتاج وغيرها بالنسبة للمحتوى المرئي، وعلى الرغم من أن الكثير من الإعلام الرقمي يتم على منصات موجودة مسبقاً ولعل أهمها موقع YouTube، فمن غير الممكن أن تصبح أي مؤسسة إعلامية مستقلة كفاية دون موقعها الخاص بها.

الكلفة الأقل للإعلام الرقمي تعني أن الإعلام ليس حصرياً بعد الآن، فالمؤسسات الإعلامية بات من الممكن أن تبدأ من حجم صغير للغاية وتجهيزات محدودة دون الحاجة لمستثمرين أثرياء أو شركات أم تتحكم بالمحتوى أو تؤثر عليه. كما أن أهمية وجود الإعلام المتنوع تظهر بالدرجة الأولى ضمن الدول التي تعيش تحت وطأة أنظمة قمعية أو سلطوية، فبدلاً من الخيارات المحدودة بالإذاعات والقنوات التلفزيونية المجبرة على الموافقة على وجهات النظر الحكومية، من الممكن الوصول لمصادر مستقلة ومتنوعة أخرى، أو حتى البدء بإنتاج محتوى مختلف عما هو متاح مسبقاً.

هل دمرت الإنترنت الصحافة؟

الحجج السابقة تظهر دوراً إيجابياً بشكل كبير للإنترنت حتى الآن، فبالنظر لما سبق وحده يصبغ الحالة بألوان مشرقة تظهر أن التقنية جلبت معها التأثير الإيجابي فقط، لكن الواقع اليوم ليس بهذا الإشراق حقاً، ومع أن الإعلام يبدو بأفضل حالاته (بالمظهر الخارجي على الأقل) فالكثيرون يرون الوضع الحالي نهاية الصحاف بشكلها الحقيقي ونهاية الإعلام التقليدي.

هذه النظرة السلبية بدورها تمتلك وقائع تؤيدها بشكل كبير وتشير إلى كونها الأقرب للواقع اليوم. أهم هذه المظاهر هي:

– الأخبار المزورة وتساوي قيمة المعلومات الظاهرية:

عند وجود مصادر محددة للمعلومات فقط، غالباً ما تجد المؤسسات الإعلامية نفسها مجبرة على التأكد أكثر من نوع الأخبار والمعلومات التي تقوم بنشرها، فهي معروفة كمؤسسة ونشر الأخبار الكاذبة يؤدي على تلطيخ سمعتها وبالتالي يؤثر سلباً على عدد المتابعين ومدى متابعتهم كذلك.

هذا الأمر لا يعني أن الجميع كان ملتزماً بذلك، فالصحافة الصفراء كانت موجودة دائماً، لكن بالنسبة لمؤسسات الإعلامية الكبرى كان من الضروري التأكد بشكل أكبر ومتكرر من صحة المعلومات، وحتى الاعتذار في حال نشر معلومات خاطئة.

الوصول الواسع للعناوين الجذابة اليوم يعني أن الأخبار الكاذبة والمحتوى المزور تعيش عصرها الذهبي.

الوصول الواسع للعناوين الجذابة اليوم يعني أن الأخبار الكاذبة والمحتوى المزور تعيش عصرها الذهبي.

الأمر لم يعد كذلك في العصر الحالي، فسهولة الوصول للمنصات الرقمية اليوم وإمكانية صنع المواقع بسهولة يعني أن المزيد والمزيد من المزورين أو الأشخاص المهتمين بالشهرة فقط دون أي اكتراث للحقائق باتوا قادرين على النشر.

وبينما كان الاختلاف بين الصحف الموثوقة وتلك الصفراء، أو حتى بين القوات التلفزيونية ذات المصداقية وتلك الناشرة للأخبار الكاذبة، فالهامش بات صغيراً للغاية وأحياناً غير ملحوظ حتى، فأي شخص قادر على النشر اليوم، وبالنسبة للمحتوى النصي من الممكن تقديم أي نص بشكل يبدو منطقياً ببعض التلاعب اللفظي والصياغة الأدبية فقط.

الأمر لا يتوقف على المواقع الأخبارية فقط، فمنصات التواصل الاجتماعي باتت مكاناً يعج بالروابط المزيفة والأخبار، وبمجرد امتلاك شخص ما لقاعدة كبيرة نسبياً من المتابعين، يمكن أن يقوم بنشر الأخبار التي يريدها دون أدنى اهتمام بالمصداقية وبالنتيجة تنتشر الإشاعات والاخبار الكاذبة.

واحد من الأمثلة الأوضح للأمر ربما هي انتشار صورة ميركل مع الشعر المغطى والمأخوذة في الواقع من صفحة خسة الساخرة، وكذلك انتشار خبر المفتي السعودي الذي أبطل صيام القطريين من موقع الحدود الساخر. فمع وجود حد أدنى من البحث والتدقيق وقبل النشر، ما كانت هكذا أخبار لتصل للصحافة الجدية، لكن مع العديد من الراغبين بالحصول على الأرباح بأي شكل كان ولو عبر النسخ واللصق فهذا النوع من الأخبار ينتشر كالنار في الهشيم.

– العناوين المضللة والجذابة لفتح الروابط:

بالنسبة لمختلف البشر، فالاهتمام بالأخبار والمستجدات يتفاوت بشكل كبير، فبينما أنا أتابع أخبار السياسة والاقتصاد والعلم والتقنية بشكل متواصل، قد يجد الكثيرون أنفسهم لا يتابعون أية أخبار أبداً، أو يتابعون موضوعاً واحداً فقط كالرياضة أو الألعاب أو الفن مثلاً.

هذا التفاوت الكبير يعني أن معظم الأخبار محصورة بفئات معينة، وبالنسبة للأخبار الحقيقية، فهي محصورة بفئات أصغر حتى، فالغالبية من المهتمين حتى لا تتابع الاخبار المعتادة بل تنجذب للأخبار الكبرى فقط. لكن هذا التوزع من الممكن تجاوزه عادة بالأخبار المفاجأة للغاية مثلاً، ومع كون الأخبار المفاجأة نادرة بالتعريف (لو كانت كثيرة لفقدت عنصر المفاجأة أصلاً)، تتكاثر العناوين الجذابة بشكل كبير.

كيف تصل إلى المريخ دون روت أو برامج إضافية.

كيف تصل إلى المريخ دون روت أو برامج إضافية.

عادة ما تصمم العناوين المضللة بشكل يجعلها جذابة لفئات معينة من المتابعين، أو أنها تكون مصممة لجذب أكبر عدد ممكن من القراء بغض النظر عن تفضيلاتهم، فعنوان مثل ”رونالدو يكشف أسراراً هامة“ سيجذب محبي الرياضة مثلاً، ومن الممكن أنه سيتضمن محتوىً مختلفاً تماماً عن العنوان، أو أن يكون مبالغة كبيرة للعنوان كأن يكون لفيديو يتحدث فيه اللاعب الشهير عن موقف عادي مر به.

بالمقابل فهناك عشرات العناوين الأخرى التي تتناول مواضيع من مختلف المجالات مع محتوى مخالف لها او أنه لا يستحق العنوان المضلل المستخدم له، وفي النهاية غالباً ما تأتي نتائج هذه العناوين تماماً كما سقوط فستان هيفاء وهبي – شاهد قبل الحذف.

العناوين المضللة ضارة للغاية من حيث كونها تضيع الوقت وتحقق قراءات كبيرة على عكس محتواها المزيف أو المضخم، لكن مشكلة أخرى تنتج منها وهي ميل الناس لعدم قراءة الأخبار التي يشاركونها، فالعديد من الأشخاص لا يفضلون قراءة النصوص الطويلة (إن كنت قد وصلت إلى هذا الحد بقراءتك للمقال فلا أظنك أحدهم) وبالتالي يقومون بالمشاركة دون فتح الرابط حتى ويكتفون بالعناوين فقط.

هذه العناوين سريعة الانتشار أحياناً ما تؤثر بشكل كبير في أمور مهمة للغاية، فحتى الانتخابات الأمريكية يعتقد بأنها تأثرت بشكل كبير بالمشاركة العشوائية والمكثفة لعناوين مضللة، وهو ما دعا موقع فيسبوك الشهير لتشديد سياسته حيال العناوين المضللة، ولو أن ذلك لم يأتي بفائدة حقيقية (حتى الآن على الأقل).

– الاختلاف بين ما هو مهم وما هو محبوب:

بالنظر لوسائل الإعلام التقليدية، فعلى الرغم من وجود العديد من العناوين الجذابة أو المسلية، فهناك دائماً نوع من العناوين المملة نوعاً ما، أو أن هذه العناوين ومحتواها لا تتضمن محتوى مسلٍ أو مضحك مثلاً بقدر الأخرى.

في الصحف مثلاً عادة ما تغط الصفحة الأخيرة وحتى تلك الأولى بأمور ذات شعبية عالية، عناوين من المعروف أنها ستجذب القراء حتى ولو لم تحمل أي أهمية حقيقية، فتصريح مثير الجدل لفنان هو أمر غير مهم مثلاً، لكنه ذو شعبية كبيرة جداً. بالمقابل فالفساد الإداري وقضايا الرشاوي وغيرها مواضيع مهمة للغاية، لكنها ليست مثيرة للاهتمام حقاً.

حتى فترة قريبة كان من الممكن الحصول على انتباه واهتمام المتابعين ببعض العناوين الشعبية كأخبار الفن او مواضيع الجنس حتى أو أي موضوع مثير للجدل في الواقع، مقابل إبقاء اهتمامهم متركزاً أثناء عرض المحتوى المهم حقاً حتى ولو كانت أهميته قليلة.

هذا الأسلوب متبع حتى اليوم، فبرنامج Last Week Tonight المقدم من الفنان الكوميدي John Oliver مثلاً يتطرق للمواضيع المهمة ولو كانت غير شعبية حقاً (مع كون انحدار الصحافة أحد هذه المواضيع، ومصدر إيحاء أساسي لكتابة هذا المقال) لكنه يقوم بتغليفها بطابع كوميدي ومسلي حيث تفيد النكات بإبقاء الجمهور مهتماً أثناء متابعتهم لموضوع ذي أهمية كبرى لكنه يعد مملاً لدى الكثيرين.

المشكلة الحالية هي أن الإعلام لم يعد يستهلك ككل معاً، بل أنه مقسم بشكل كبير. فالأسلوب السابق الذي كان يغلف الأخبار المهمة بأخبار مثيرة للاهتمام ودون قيمة واقعية لم يعد ناجحاً مع كون الأخبار تنشر بشكل فردي اليوم، ومواضيع الفضائح الجنسية مثلاً ستتفوق في كل مرة على قضية فساد محلي بالمشاهدات. وفي الواقع فحتى مقالي هذا يعد دون شك من المواضيع الأقل اهتماماً لدى القراء، ومع أنه يناقش تغير الإعلام وتأثير ذلك على حياتنا بالكامل، فهو سيبقى أسوأ أداءً من أي محتوى يتحدث عن طلاق أحد الفنانين أو حتى أنواع العقارات المساعدة في الحياة الجنسية.

– انتشار العلوم الزائفة ونظريات المؤامرة:

عند الحديث عن إيجابيات الإنترنت بالنسبة للإعلام، فنقطة كون الإنترنت تتيح منصة قابلة للاستخدام من قبل عدد أكبر وشرائح أوسع من الأشخاص هي واحدة من أهم النقاط الإيجابية كونها تتيح التعددية، لكن هذه النقطة الإيجابية بحد ذاتها تتضمن تأثيراً سلبياً للغاية، وهو كون العديد من الأشخاص الذين ما كان من الممكن لهم الوصول لمنصات إعلامية قادرين على نشر أفكارهم بشكل فعال باستخدام الإنترنت.

هؤلاء الأشخاص يتضمنون العديد من الأشخاص المطالبين بالحريات مثلاً أو الساعين للمساواة (وهؤلاء يمثلون الجانب الإيجابي)، لكنهم يتضمنون أيضاً أصحاب العلوم الزائفة ونظريات المؤامرة الذين لطالما كانوا يعاملون كأشخاص معتوهين، وبشكل مفاجئ وجدو أنفسهم امام منصة مفتوحة بدلاً من الصراخ في الشارع.

في عالم الإنترنت من الممكن أن تشاهد محاضرات في الفيزياء النظرية من جامعة MIT أو أن تتعرف على الأرض المسحة والزواحف الفضائية والمؤامرة الكونية.

في عالم الإنترنت من الممكن أن تشاهد محاضرات في الفيزياء النظرية من جامعة MIT أو أن تتعرف على الأرض المسحة والزواحف الفضائية والمؤامرة الكونية.

الأمر قد يبدو خالياً من الضرر بالنسبة للكثيرين، لكن الأضرار حقيقية للغاية وبعضها من الممكن رؤيته بشكل مباشر وواقعي أيضاً. فمع أن خرافات البرمجة اللغوية العصبية، وقانون الجذب، و”الطاقة الإيجابية“، والشاكرا، تتسبب بأضرار غير ملموسة تماماً (ولو أنها حقيقية تماماً)، فمواضيع العلاج بالطاقة واستخدام ”طاقة الهرم“ لشفاء السرطان والأهم: ”الحركات المعادية للقاحات والطب الحديث“؛ تترك أضراراً حقيقية وواضحة حتى في عالمنا اليوم، فعدا عن أن العديد من الأشخاص حول العالم باتوا يرفضون العناية الطبية (لحسن الحظ فنسبتهم قليلة ولو أن أعدادهم لا يستهان بها)، فالأشخاص الرافضون للقاحات يتسببون بالضرر الأكبر كونهم يتيحون عودة أمراض كانت قد انقرضت او اقتربت من الانقراض، أو أنهم يضرون بالجهود الساعية لمحاربة الأمراض والأوبئة الحالية كالملاريا والإيبولا وحتى الحصبة والسعال الديكي وشلل الأطفال.

هذه الخرافات والأساطير والحركات المعادية للطب الحديث كانت موجودة منذ زمن بعيد دون شك، لكنها لطالما كانت معارضة ولو نسبياً من قبل وسائل الإعلام التقليدية بشكل يبقيها في مكانها كخرافات وأساطير لبعض الأشخاص فقط. لكن مع وجود المنصات الإعلامية الداعمة لهم، فالأمر يختلف بشكل كبير مع كون معظم الأشخاص يرفضون الحصول على المعلومات من أي مصادر لا توافقهم الرأي مسبقاً.

النتيجة هي أن هذه المعتقدات الضارة لم تقوى في أوساطها الأصلية فقط، بل باتت تنتشر في كل مكان أيضاً ويمكن رؤية ذلك بشكل واضح في حالة جماعات الأرض المسطحة مثلاً أو حتى جماعات الأرض المجوفة والإسقاط النجمي.

في النهاية، من الصعب أن أكون متحيزاً لجانب واحد فقط من ناحية تأثير التقنية الحديثة والإنترنت على طبيعة الإعلام، إلا أنني أميل إلى رؤية الجانب السلبي للموضوع بالدرجة الأولى، فمع أن الإنترنت هي الطريقة الوحيدة التي كان من الممكن أن تسمح لي بالوصول لمنصة لطرح آرائي وأفكاري أو تحليلاتي، فمن غير الممكن أن أتجاهل حقيقة التأثير السلبي الكبير الذي أحدثته الشبكة العنكبوتية على الإعلام، وبالأخص المساواة الظالمة بين المواضيع الشعبي كصور القطط مثلاً، وتلك المهمة التي تمس حياتنا بشكل مباشر.

عدد القراءات: 110