in

بين المأساة والشرف: 7 حقائق لم تكن تعرفها من قبل عن حياة طياري الكاميكازي اليابانيين

في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر سنة 1944، خلال معركة خليج (لايت)، استخدم اليابانيون سلاحاً جديداً تماما لم تعرفه الحرب من قبل، هذا السلاح الذي غير إلى الأبد ديناميكية الجيش الياباني وعملياته، وهو سلاح الطيارين الحربيين الانتحاريين، الذين اشتهروا باسم الكاميكازي، أو ”الرياح الإلهية“، والذين اتجهوا بطائراتهم نحو السفن الحرب التابعة للحلفاء حيث اصطدموا بها مباشرة، في مجهود يائس من أجل تغيير اتجاه وسير الحرب لصالح بلدهم.

جاء قرار اتخاذ هذه الطرائق الخارجة عن المألوف مبنياً على فشل التكتيكات البحرية والجوية للجيش الياباني في سبيل إيقاف تقدم وزحف الجيش الأمريكي. ومنه، جرى الاعتماد على طياري الكاميكازي كجزء من «وحدات هجوم خاصة» يابانية في سلك القوات الجوية.

تشكل أول فوج للكاميكازي من 24 طياراً متطوعا في صفوف فوج القوات البحرية رقم 201. كانت مهمة هذه المجموعة مهاجمة حاملات الطائرات الأمريكية، وهي المهمة التي نجحوا فيها وتمكنوا من إغراق السفن الأمريكية بسرعة كبيرة. كان أول هدف لهم هو سفينة (ساينت لو) الأمريكة التي ضربتها طائرة يابانية مقاتلة من طراز A6M Zero وغرقت في أقل من ساعة، فراح ضحية لهذا الهجوم 100 بحار أمريكي.

تم اعتبار هذا التكتيك الحربي الجديد نجاحا كبيرا ومنه قرر الجيش الياباني الاستمرار في هذا النهج.

كانت طائرات الكاميكازي في أساسها عبارة عن مقذوفات محملة بأطنان من المتفجرات التي يقودها طيارون، وقد كان هؤلاء الأخيرون يحاولون الاصطدام بطائراتهم مباشرة بأسطح سفن العدو الحربية.

كانت طائرات الكاميكازي محملة، إلى جانب المتفجرات، بالطوربيدات والكثير من صفائح الوقود سريع الالتهاب والقنابل. وتبين لاحقاً أن دقة هذه الهجمات كانت أفضل من الهجمات الاعتيادية، حيث ارتفعت بنسبة 19 في المائة، وبالإضافة إلى تحسن دقة الهجمات، كانت هجمات الكاميكازي تسبب أضراراً أكبر، كما كانت تحقق أهدافها بشكل أفضل.

هجوم كاميكازي على سفينة حربية أمريكية في المحيط الهادي سنة 1944.
هجوم كاميكازي على سفينة حربية أمريكية في المحيط الهادي سنة 1944.

قال النقيب (موتوهارو أوكامورا)، وهو ضابط في البحرية اليابانية: ”أنا متيقن من أن الطريقة الوحيدة لترجيح كفة الحرب لصالحنا هي اللجوء إلى هجمات الانقضاضات الرأسية بواسطة طائراتنا… سيكون هنالك من المتطوعين أكثر من العدد الكافي لهذه الفرصة السانحة أمامنا لإنقاذ بلدنا“.

لقي أكثر من 5000 طيار كاميكازي حتفه في معركة الخليج، وقد نجحوا في إغراق 34 سفينة من السفن المستهدفة. مع نهاية الحرب، استخدمت أكثر من 1321 طائرة عسكرية يابانية في هجمات الكاميكازي وتحطمت على سفن حربية تابعة للحلفاء خلال الحرب، مما تسبب في هلاك أكثر من 3000 جندي بين أمريكي وبريطاني.

بينما قد تبدو عمليات التضحية الخارجة عن المألوف هذه غريبة جدا بالنسبة للبعض، فإن خطر الهزيمة يبدو وكأنه دفع بالإمبراطورية اليابانية لاتخاذ تدابير يائسة، معتقدة بأن التضحية بالطيارين والطائرات كان أكثر من مبرر.

قد يتساءل البعض: كيف هي حياة طياري الكاميكازي يا ترى؟

من المؤكد أن التكتيكات الحربية، في مسعى لتبرير نفسها، تنزع الطابع الإنساني عن فقدان الأرواح، لذا لا يتسنى لنا أحياناً الحصول على رؤية واضحة عن هؤلاء الرجال الذين تطوعوا وضحوا بحياتهم وساروا نحو الموت المحتوم في سبيل النصر والمجد.

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف»، ستتعرف عزيزي القارئ على معلومات مفاجئة لم تكن تعرفها من قبل عن الحياة اليومية لطيار الكاميكازي:

كان الجنود اليابانيون يلقَنون وضع حد لحياتهم لتجنب الأسر على يد العدو:

جندي ياباني في الجيش الإمبراطوري.
جندي ياباني في الجيش الإمبراطوري.

عندما كان الجندي الياباني ينخرط في صفوف الجيش من أجل تلقي التدريب اللازم، كان من أوائل الأمور التي يتعلمها هو وضع حد لحياته بواسطة بندقيته الخاصة.

كيف يجعل هذا منه جنديا جيداً؟ يعتقد البعض أن هذا التقليد له جذور ضاربة في فكرة Seppuku اليابانية، وهي شكل من أشكال الانتحار الشعائري في ثقافة الساموراي الياباني. كانت هذه الطريقة تخول مقاتل الساموراي من الموت بشرف على أن يسقط في أيدي العدو أو يهان.

بينما كانت فكرة الـ(سيبوكو) حكراً على مقاتل الساموراي التقليدي، فإنها تستظهر أن الانتحار هو الخيار الأفضل عند بعض الثقافات على التعرض للأسر والمخاطرة بإلحاق العار ببلدانهم.

في السنوات الأخيرة للحرب، عندما أنشئت أفواج طياري الكاميكازي، كان الطلبة العسكريون على دراية بأن بلدهم يخوض حربا خاسرة، ومنه تعين عليهم جعل معنى لموتهم في سبيل ذلك، لذلك اعتقدوا أن التضحية بحياتهم من أجل وطنهم واستمراره لم تكن خسارة كاملة. حتى أن البعض منهم أقنع نفسه بأن القتال حتى الموت قد ينقذ الشعب الياباني ويجبر قوات الحلفاء على التراجع لتفادي المزيد من الضحايا في صفوفهم.

كان جميع طياري الكاميكازي متطوعين.. أم لا؟

طيارون يابانيون يؤدون التحية العسكرية قبيل الشروع في هجماتهم الانتحارية في قاعدة (تشيران) العسكرية في أبريل 1945
طيارون يابانيون يؤدون التحية العسكرية قبيل الشروع في هجماتهم الانتحارية في قاعدة (تشيران) العسكرية في أبريل 1945

من الآمن الجزم بأن الكثير من طياري الكاميكازي اليابانيين تطوعوا بدون تحفظ لأداء هذه المهمات الانتحارية، حيث كانوا يؤمنون بشدة بأن حياتهم لم تكن إلا ثمناً بخسا يجب دفعه في سبيل مجد الوطن. غير أن هذه التضحية بالنفس الحماسية لم تكن دائماً في نفوس الجنود اليابانيين جميعاً، حيث أن عملية اختيار الطيارين الانتحاريين المحتملين لم تكن تترك لهم أي خيار في الواقع.

كان الطيارون يمنحون أوراقاً تحمل أسماءهم ومدون عليها ثلاثة اختيارات: أولا التطوع بحماس، ثانيا التطوع ببساطة، ثالثا عدم التطوع، وبما أن هذه الأوراق كانت تحمل أسماء الطيارين، فإن الرفض كان يعني أن الجميع سيعلم بذلك وأن وصمة العار ستلاحق كل من رفض.

كانت طريقة أخرى في تجنيد طياري الكاميكازي الانتحاريين تتجلى في جمع كل الجنود في غرفة واحدة ثم توجيه السؤال التالي: ”من لا يرغب في التطوع؟“، فقد كان أصعب بكثير أن تبرز بين الجماعة كشخص يرفض التطوع في سبيل وطنه، عن أن تبرز بين الجماعة على أنك الشخص الذي يرغب في التطوع. وكان كل من قال في مثل هذه الاجتماعات بأنه لا يرغب في التطوع قد عانى الأمرّين، حيث كانت حياة هؤلاء تتحول إلى جحيم على يد رؤسائهم وزملائهم.

ورد في إحدى الروايات كيف أن أحد الجنود انتهى به الأمر على لائحة المتطوعين على الرغم من أنه رفض ذلك، وقد كان (إيميكو أونوكي تيرني) جنديا في سلاح الجو الياباني هو من سرد هذه القصة الواقعية في كتابه الذي نشره بعنوان: ”يوميات كاميكازي“، فقال: ”قرر (كورودا كينجيرو) عدم التطوع، فقط ليتفاجأ برؤية اسمه على لائحة المتطوعين، وقد كان الضابط المسؤول عنه قد ظل يكرر كيف أن جميع أفراد فوجه العسكري قد تطوعوا بفخر“.

كان هذا الضغط الذي دفع بالجنود اليابانيين للتطوع لمثل هكذا مهمات انتحارية راجعاً لشعار الجيش الياباني نفسه، الذي كان آنذاك يعني ”الموت قبل الاستسلام“. كانت هذه الفكرة تزرع في عقول الجنود قبل أن يتلقوا طلبات التطوع في صفوف أفواج طياري الكاميكازي.

في الواقع، كانت هذه الفكرة سائدة كثيرا لدرجة أن العديد من الجنود اليابانيين شاركوا كذلك في حملات (بانزاي) الانتحارية عندما كانوا يجدون أنفسهم في وضعية هزيمة، كما كان المدنيون أيضاً يفضلون الانتحار على الاستسلام أو الخضوع للأعداء في بعض الأحيان، مثلما حدث في (سايبان) عندما قفز 1000 مدني أسير من على جرف عالٍ مفضلين الموت على الأسر.

كان معظم طياري الكاميكازي مجندين جدد:

سرب (شينبو) رقم 72، سنة 1945.
سرب (شينبو) رقم 72، سنة 1945.

جعل التاريخ طياري الكاميكازي ”الموقّرين“ يبدون كطيارين متمرسين ذوي خبرة طويلة في القتال، الذين قرروا في مرحلة ما من حياتهم الانقضاض بطائراتهم نحو موت محتوم لكن مجيد. بينما قد يكون جزء من هذا السيناريو حقيقياً، فإن الطيارين لم يكونوا متمرسين أبدًا.

من بين طياري الكاميكازي الـ4000، كان 3000 منهم يشار إليهم على أنهم ”الطيارون الأطفال“، وقد كان هؤلاء من المجندين الجدد الذين كان مصدرهم برنامج خاص بتدريب الأولاد حديثي السن للخدمة في الجيش.

بسبب الطبيعة القاسية التي تمليها هذه المهمات، لم يأت الطيارون المتمرسون والمخضرمون في مقدمة الطيارين الذين كان الجيش الياباني مستعدا للتخلي عنهم، وكان معظم طياري الكاميكازي على إثر ذلك من طلبة الجامعات أو المتخرجين حديثاً.

كان إجمالي طياري الكاميكازي من الضباط التابعين للبحرية اليابانية والذين هلكوا أثناء مهامهم الانتحارية هو 782 ضابطاً، وكان من بينهم 685 خريجاً جديدا من الجامعة، ومنه لم يشكل الطيارون المحترفون من نسبة القتلى سوى 12 في المائة.

في معركة (أوكيناوا)، كانت نسبة وفيات الطلبة السابقين 82 في المائة، وتقترح بعض الدراسات أن الفرع الذي ضحى بأكبر عدد من الطلبة السابقين كان القوات البحرية. على وجه المقارنة، فقدت القوات البرية حوالي 58 في المائة من مجنديها من الطلبة السابقين في المهمات الانتحارية.

كان ثلث هؤلاء ”الطيارين الأطفال“ من الجنود الطلبة الذين تخرجوا في وقت مبكر من أجل الانضمام للجيش، وعندما تشكلت القوات الهجومية الخاصة في سنة 1944 المسؤولة عن تجنيد الطيارين الانتحاريين الكاميكازي، لم يتطوع ولا واحد من الطيارين المتمرسين من خريجي الأكاديمية العسكرية للانضمام إليها.

لم يكن معظم طياري الكاميكازي يفكرون كثيراً في أعدائهم:

فتيات ثانوية (تشيران) وهن يودعن بالأزهار طياري الكاميكازي المقلعين في إحدى المهمات.
فتيات ثانوية (تشيران) وهن يودعن بالأزهار طياري الكاميكازي المقلعين في إحدى المهمات.

لعبت بروباغندا الحلفاء دورا كبيرا في الطريقة التي كان العالم ينظر بها إلى طياري الكاميكازي، ولعل هذا الأمر مازال يؤثر على الطريقة التي يفكر فيها الكثيرون حتى يومنا هذا في هؤلاء الرجال. كان الحلفاء بشكل نموذجي يصورون طياري الكاميكازي على أنهم آلات قتل بدون رحمة عازمة على القضاء على جميع من لا ينتمي إليهم.

غير أن الأمر ليس بهذه الحال، حيث يجادل المؤلّف (يوكي تاناكا) من معاهد السلام في هيروشيما أن الكثير من هؤلاء الطيارين كانوا بالكاد يفكرون في أعدائهم على الإطلاق، فهو يقول بأن ”الجنود الأطفال“ في الجيش الياباني كانوا غالبا ما يراسلون أهاليهم، وكانت رسائلهم تعطي مفهوما مخالفا تماما للمفهوم السائد عنهم.

يقول السيد (تاناكا): ”في يومياتهم والرسائل التي كتبوها لأهاليهم، لم تكن هناك بالكاد إشارة لخصومهم وأعدائهم. العدو لا يتواجد في أذهانهم. بشكل أخص، لا يمكن العثور على أي نوع من الكراهية تجاه أعدائهم في رسائلهم وكتاباتهم. ربما كان هذا عائداً لواقع أنهم كانوا في معظمهم مجندين جدداً ولم يخوضوا أي قتال من قبل…بالنسبة لهؤلاء الشباب، لم يكن هناك من أي تصور ملموس عن فكرة العدو. بدل ذلك، كانوا منشغلين بالأفكار الفلسفية، على شاكلة كيفية العثور على قيمة روحية في حياتهم الموجزة، وكيف يقضون ما تبقى لهم من وقت في هذه الحياة، وكيف يبررون فلسفيا الانتحار الذي سيقدمون عليه“.

أنقذت الأعطال الميكانيكية حياة الكثير من طياري الكاميكازي اليابانيين:

طائرة يابانية عسكرية مهجورة، ربما هبطت اضطراريا بعد حدوث عطل ميكانيكي فيها.
طائرة يابانية عسكرية مهجورة، ربما هبطت اضطراريا بعد حدوث عطل ميكانيكي فيها.

في تحول غير مسبوق للأحداث، كانت بعض مهمات الكاميكازي تنتهي قبل أن تتحول إلى حكم بالإعدام. كان طيارو الكاميكازي يؤمرون بالالتفاف والعودة إلى قواعدهم في حالة حدوث عطل على مستوى الطائرة، وبينما تطورت الحرب، أصبحت الطائرات الحربية اليابانية عديمة الكفاءة يوماً بعد يوم، مما أدى إلى حاجة الكثير من الطيارين إلى إجهاض مهماتهم والعودة بطائراتهم إلى القواعد أو الهبوط بها هبوطا اضطراريا في أي مكان.

كان من بين الطيارين المحظوظين الذين نجوا من هذه المهمات الانتحارية في عدة مناسبات طيار يدعى (تاكيهيكو إينا)، الذي كان فردا من طاقم يتكون من ثلاثة أفراد في قيادة قاذفة قنابل خلال عملية (كيكوسوي)، وهي عملية انتحارية اندرجت ضمن معركة (أوكيناوا).

كان حظه مضاعفاً ثلاثة مرات: في مهمته الأولى، فشل في الإقلاع بالطائرة، وفي مهمته الثانية، أجبرته أعطال على مستوى المحرك في الهبوط بشكل اضطراري، وفي مهمته الثالثة تحطمت طائرته قبل الوصول إلى الهدف في البحر بسبب مشكلة في المحرك.

بينما قد يعتبر التاريخ هذه الحوادث الميكانيكية لصالح الطيارين الذين قد يعتبرهم كذلك محظوظين، فإن هؤلاء الأخيرين كانوا يشعرون بالكثير من الندم جراء ذلك وكانوا غالبا ما يقسون على أنفسهم.

كان الكثير من طياري الكاميكازي الناجين بفعل هذه الأعطال يشعرون وكأنهم ألحقوا العار بعائلاتهم وزملائهم من الطيارين الآخرين، وأنهم تخلوا عن وطنهم ورفاقهم في السلاح الذين ماتوا في نفس المهمات التي فشلوا فيها هم.

كان الأولاد البكر يعفون من التجنيد في صفوف الكاميكازي:

(كيتشي كاوانو)، البالغ من العمر 19، في صفوف قوة الهجوم الخاصة اليابانية.
(كيتشي كاوانو)، البالغ من العمر 19، في صفوف قوة الهجوم الخاصة اليابانية.

يحمل الابن البكر في العائلة معاني ودلالات كبيرة بالنسبة للكثير من الثقافات حول العالم، فلطالما كانت له رفعة بين إخوته على مر القرون، وكان يعتبر بمثابة حامل مشعل التقاليد والشخص الأول الذي سيرث هذا الإرث التقليدي والإرث العائلي بمجمله ويمرره إلى جانب اسم العائلة إلى الأجيال اللاحقة، وفي اليابان، كان هذا الدور المهم بالنسبة للابن البكر يؤخذ على محمل أكبر من الجدية.

من الشائع في اليابان بالنسبة للابن البكر أن يعيش مع والديه وأن يأخذ على عاتقه مهمة الاعتناء بشؤون العائلة، والاعتناء بوالديه المتقدمين في السن، وكذا توفير النصح والإرشاد لبقية أفراد العائلة. وعندما يتزوج الابن البكر، يعيش مع زوجته وأولاده في منزل العائلة مع والديه.

لذا في سنة 1944، عندما كان يتم اختيار طياري الكاميكازي، كان كل ابن بكر يعفى من هذا الاختيار، وكان يسمح له المضي قدما في حياته من أجل أداء المهمات العائلية المنوطة به، وهو ما يعتبر معاكسا تماما لفكرة أن الرجال في اليابان جميعهم عليهم التضحية بأرواحهم في سبيل الإمبراطور والوطن.

كانت العقوبات العسكرية منتشرة بشكل واسع ووحشي في الجيش الياباني:

طيارو الكاميكازي يتموضعون لالتقاط صورة في سنة 1945.
طيارو الكاميكازي يتموضعون لالتقاط صورة في سنة 1945.

كتب (إيروكاوا)، وهو طيار كاميكازي خلال الحرب العالمية الثانية، حول واقع الحياة الوحشية الذي كان هو ورفاقه يعيشونه كل يوم، فقال: ”بعد أن اجتزت بوابة قاعدة (تسوشيورا) البحرية، بدأ التدريب على الفور، وكان يتم كل يوم بدون استثناء. لقد تعرضت للضرب على مستوى الوجه بقوة وبكثرة لدرجة أن ملامحي تغيرت ولم تعد مثلما كانت. في الثاني من يناير سنة 1945، ضربني (كانيكو) [الضابط المشرف]، على وجهي عشرين مرة لدرجة أن أسناني أحدثت جروحا غائرة في أماكن مختلفة من باطن فمي. لقد كنت أتطلع شوقاً لتناول طبق (زوني) [طبق خاص يقدم مع كعك الأرز في رأس السنة] لكنني بدل ذلك رحت أبتلع الدم المنبثق من باطن فمي“.

ويتابع (إيروكاوا): ”في الرابع عشر من فبراير، تعرض جميعنا للعقاب لأن الضباط شكوا في أننا تناولنا الطعام لدى عائلات المزارعين المقيمين بالقرب من القاعدة من أجل التخفيف من وطأة الجوع الذي كنا نعاني منه. في وسط الشتاء البارد، أُجبرنا على الجلوس لمدة 7 ساعات على أرضية خرسانية باردة بينما راح الضباط يضربوننا على مؤخراتنا بهراوة. ثم كان كل واحد منا يُستدعى لمكتب الضابط، وعندما حان دوري، بمجرد أن دخلت المكتب، تعرضت للضرب بقوة لدرجة لم يعد بإمكاني الرؤية فوقعت على الأرض.

بمجرد أن استفقت ووقفت على قدمي، تعرضت للضرب مجددا، واستمر الأمر على هذه الحال حتى أعترف. أُلقي بأحد أصدقائي على الأرض فارتطم رأسه أولا وفقد الوعي فتم إرساله إلى المشفى. لم يعد أبدا إلى القاعدة. كانت كل هذه الوحشية من صنع قائد الفيلق الذي يدعى (تسوتسوي). مازلت أبحث عن هذا الرجل إلى يومنا هذا“.