أقصوصة

النقود المزيفة

النقود المزيفة
mm

كنت أقود سيّارتي عائداً من العمل في ساعة متأخرة، في الحقيقة، لم أكن واثقاً من ذلك؛ لأن ساعة يدي لم تكن تعمل منذ الصباح بسبب سكتة أصابت قلب عقاربها، أو بكل بساطة بسبب موت البطاريات.

وصلت إلى عتبة المنزل أتصبب عرقاً عندما أيقنت أنني كنت أهرول ممسكاً مقود سيّارة فقط، وذلك لأنني لا أملك سيّارة أصلاً. دخلت إلى المنزل وسلمت كالعادة على سامي، سامي هو عصفور الكناري الذي يعيش في قفص داخل مطبخ منزلي، اقتربت من سلة الفاكهة الموضوعة على الطاولة في المطبخ فلم أجد سوى حبّة موز واحدة، التقطها ثم أعدتها مرّة اخرى إلى السلة حيث فقدت شهيتي فجأة.

جلست على كنبة غرفة المعيشة أدخّن سيجارة مع أنني لا أذكر أنني مُدخّن، أخذت أقلّب محطّات التلفاز فلم أجد سوى محطة واحدة تعرض امرأة خمسينية من أولئك الذين يطلقون على أنفسهم اسم ”خبير بالتنمية البشرية“، بغض النظر عن الملل الشديد من التنظير المقزز الذي كانت تمارسه تلك المرأة، إلا أن الأشد قرفاً أنني كنت أعرفها شخصياً وأعرف أنها مطلقة ثلاث مرات ولديها ابن مدمن على تعاطي المخدرات!

سمعت صوتاً غريباً في حديقة المنزل، أي حديقة؟ أذكر أن ليس لمنزلي حديقة، لكنني وجدت فيها حصاناً أصيلاً يتلفّت يميناً ويساراً ليتأكّد أن لا أحد يراه ثم ينقض على ضفدع كان يجلس عند النافورة، مع أن ليس لحديقة منزلي نافورة! وضعه الحصان في فمه وأكله، قبل ذلك بقليل كان الضفدع يطارد ذبابة، لم يكن الحصان المسكين يعلم أن الضفدع كان قاتلاً مأجوراً فاستطاع تحطيم الحصان من الداخل وقتل كل أحشائه، خرج الضفدع وتلفت ليرى الشهود على ما حدث، وبحركة سريعة وخفيفة قضى على الذبابة، الشاهد الأول، فاحتميت بجدار مثلث الشكل قرب حديقة منزلي التي ليس لها نافورة وعندما ظننت أن الأمر قد نجح وأنني أفلتّ من قبضة الضفدع، اقترب مني سامي وقال ”اهرب يا هذا، فالضفدع يترصد لك، اركض بسرعة واهرب“، وفعلاً بدأت بالركض والضفدع يجري خلفي.

وضعت يدي في جيبي كي أتأكد إذا ما كان فيها شيء يمكنني استخدامه للدفاع عن النفس، أخرجت يدي من جيبي فإذ بها قوس قزح، فنصبته سريعاً وطرت.. حلّقت وحلّقت بعيداً.. بعيداً جداً، حتى وصلت الأرجنتين.

عندما وصلت هناك، شعرت بالأمان، أعدت قوس القزح إلى جيبي فربما احتاجه مرة أخرى إذا ما ظهر ضفدع قاتل مأجور آخر… أخرجت يدي من جيبي فإذ بها قلم تخطيط أصفر، لا أعلم من أين جاء فجعلته في يدي ومشيت حتى سمعت صوت هاتف محمول يرن في جيب قميصي، ومع أن هذا القميص الذي ألبسه ليس لي، وأتذكر جيداً أن ليس لي هاتفاً محمولا إلا أنني أخرجته من جيبي وأجبت على المكالمة.

– من المتحدث؟

– أنا موزة..

– أهلاً وسهلاً يا شيخة تفضلي

– شيخة بعينك يا معفّن! أنا الموزة التي في سلة الفاكهة في مطبخ منزلك. لقد أخذت قلم التخطيط خاصتي وأصبحت الآن بلا لون! سوف أقتلك.

اغلقت الهاتف عندما اقتربت مني غيمة وقالت ”هيا اركب“

– اركب إلى أين يا غيمة؟

– لقد طلب سامي العصفور تكسي ليعيدك إلى المنزل فهو يشعر بالجوع وطلب بيتزا للغداء وموظف التوصيل يقف على عتبة المنزل وسامي ليس لديه نقود. وأنا غيمة.. سيارات الأجرة في الأرجنتين عبارة عن غيوم.

تفهمت الأمر وركبت الغيمة، في منتصف الطريق عبرنا منطقة مشمسة للغاية فتبخّرت الغيمة وسقطت.. كنت أسقط إلى المحيط… فاستيقظت، ”كان حلماً!“

رد سامي العصفور؛ وهو يحمل بيده قطعة بيتزا: ”لا ليس حلماً، لا تتهرب، أنت مدينٌ لي بسعر البيتزا.“

الأحلام كالنقود المزيّفة، يمكنها أن تملأ جيبك دون أن تستطيع استخدامها.

مقال من إعداد

mm

حسين خويرة

كاتب وروائي وشاعر فلسطيني من مواليد عام 1987.

عدد القراءات: 1٬854