علوم

دخلك بتعرف الحصان العربي ”هانز“، الحصان الذكي الذي أتقن الرياضيات؟

الحصان الذكي الذي أتقن الرياضيات

كان يقوم معلم الرياضيات الألماني ”ويلهلم فون أوستن“ في المرحلة الثانوية بإرسال بعض الرسائل العلمية من منزله في برلين، من ضمنها ما يسمى ”فرينولوجي“، فرضية تم نقضها تدّعي أن ذكاء الفرد وشخصيته وصفاته يمكن اشتقاقها من شكل رأسه، لكن ما جلب له الشهرة في نهاية المطاف هو اهتمامه بذكاء الحيوانات.

اعتقد فون اوستن دائما أنّ البشرية تستخف كثيرًا بذكاء وقدرة الحيوانات التحليلية، ولاختبار فرضيته كرس نفسه لتعليم قطّة، وحصان، ودب، علوم الرياضيات.

كما يتوقع كل من عنده قطة تقريبًا، لم تبال القطة بجهود فون أوستن، بينما كان الدب عدائيًا بشكل قاطع، أما الحصان العربي المسمّى ”هانز“ فأبدى إمكانيات واعدة، فبعد المزيد من التدريس تعلم هانز أن يطرق بحافره الأرقام الموجودة على لوح الطباشير أمامه، ويا لفرحة فون أوستن حينما طرق الحصان بحافره ثلاث مرات بعد رؤيته للرقم 3 على اللوح، استطاع الحصان الذكي تكرار هذا مع جميع الأرقام دون العشرة.

الحصان الذكي الذي أتقن الرياضيات

قام فون أوستن بالضغط على تلميذه أكثر متحفزًا بنجاحه، فرسم بعض المسائل الرياضياتيّة الأساسية على لوحه وحاول تعليم هانز معاني الرموز، ولم يواجه الحصان هانز مشكلة في متابعة المنهاج الجديد، وصار قادرًا على أن يقدّم الجواب الصحيح للعديد من مسائل الرياضيات بما فيها الجذور التربيعية والكسور، أثبت هانز أنه حصان ذكي فعلًا.

حان وقت التفاخر:

الحصان الذكي الذي أتقن الرياضيات

بدأ فون أوستن عام 1891 بعرض هانز الذكي في كل أنحاء ألمانيا ليبرز مهاراته الرياضياتية، ومع انتشار أخبار هانز الذكي؛ ازدادت أعداد الجماهير.

كان فون أوستن يسأل هانز ”إن كان أول يوم من الشهر الأربعاء فما تاريخ يوم الاثنين؟“، وكان هانز الذي تعلم الإجابة على المسائل الكلامية يجيب بست طرقات من حافره، كما يجيب على الجذر التربيعي لستة عشر بطٙرقات أربعة، كما كان هانز يستطيع تهجئة الكلمات بربط حروفها بالأرقام، حيث الحرف الأول من الأبجدية طرقة، والثاني طرقتان، وهكذا دواليك …إلخ

وكان هانز يستعرض مهارته هذه بتهجئة أسماء أفراد يعرفهم، كما ويجيب على الأسئلة البسيطة، إضافة إلى مقدرته على معرفة الساعة من اليوم، وكانت دقّته تصل لحوالي 89%، مهارة مراهق في الرابعة عشر من عمره وفق بعض التقديرات.

كان يوجد وقتها الكثير من المشككين كما هو متوقّع، خصوصًا بعد عرض جريدة ”النيويورك تايمز“ لهذا الحصان البارع على صفحتها الأولى، وطلب مجلس ألمانيا التعليمي السماح بالقيام بتجارب مستقلة للتحقق من صحة قدرات هانز، فوافق فون أوستن لأنه رجل علم، ويعرف تمامًا عدم وجود خدعة يمكن كشفها، ليقوم المجلس بلمّ عدد من العقول العلمية في لجنة هانز، منهم عالما حيوانات، وعالم نفس، ومدرب أحصنة، وبضع معلمي مدرسة، ومدير سيرك، وقررت اللجنة بعد بحث مستقل مكثّف عام 1904 عدم وجود خداع متعلق بردود فعل هانز، وأن موهبة هانز حقيقية على حد علمهم.

ثم مررت لجنة هانز التحقيق إلى ”أوسكار فنغست“، عالم نفس يحمل فكرة عبقرية لحلّ اللغز.

ظهور الحقيقة:

نصب فنغست خيمة كبيرة لتحتوي تجاربه وتعزلها عن التأثيرات الخارجية التي قد تشوب النتائج، وحضّر مجموعة كبيرة جدًا من الأسئلة للحصول على مقدار كاف من البيانات، وحدّد بوضوح المتغيّرات المختلفة التي سيتم النظر فيها، وهكذا بدأ فنغست باستجواب الحصان هانز.

كما كان متوقعًا، أبلى هانز بلاءً حسنًا عندما استجوبه صاحبه فون أوستن، كما في الحالات العادية أيضًا، لكن عندما تطلبت التجربة ابتعاد المستجوب (السائل) عن هانز تراجعت دقّة الحصان بشكل غامض ومثير.

عندما لم يعرف المستجوب الجواب لم يكد يستطع هانز الإجابة أيضًا، ولا عندما أُخفي المستجوب عنه تمامًا، المتغيران الأخيران المذكوران هما اللذان أظهرا الأمل بفهم هانز، حيث تعلّق ذكاء هانز بقدرته على رؤية المستجوب مباشرة وعن قرب، وبمعرفة السائل أيضا لجواب السؤال، كما حصل الباحثون على أدلة تظهر أن مطاردة هانز بأسئلة يعجز عن إجابتها تقود إلى عضّات مؤلمة منه.

تابع فنغست تجاربه مع التركيز على النقاط السابقة، أي العنصر البشري الذي يتفاعل معه، فلاحظ عالم النفس بسرعة أن التنفس، وتعابير الوجه، ووضعية الجسد كلها تتغير لا إراديًا مع كل طرقة من حافره، مظهرة توترًا متزايدًا مع كل طرقة، ليتلاشى عند الوصول إلى الرقم الصحيح، كما لاحظ فنغست غياب هذا التوتر مع جهل السائل بالجواب، تاركًا هانز بدون الاستجابة المطلوبة ليحزر الجواب.

تقترح التجربة بشدّة عجز هانز عن استيعاب الرياضيات وأنّ هانز كان يستغلّ الإشارات اللاواعية التي تظهر في كل السائلين، لا أنّه عبقري رياضيات بل أنه كما الأحصنة بشكل عام يمتلك حساسية زائدة تمكّنه من قراءة لغة الجسد الخفية، لربما أمر أساسي في قدرات الأحصنة الاجتماعية وتفاعلها مع باقي أفراد جنسها.

من المثير أنّ فنغست استطاع منافسة دقّة هانز بلعب دور الحصان، وقيامه بالنقر بدل عنه بنفس الطريقة، وزيادة على هذا لم يستطع السائلون إخفاء تلك الإشارات حتى بعد علمهم بها.

تم اكتشاف نفس القدرة في الكثير من الحيوانات في السنوات اللاحقة، واليوم يطلق على تأثير السائل في من يطرح عليه السؤال وجوابه بـ”تأثير هانز الذكي“، ويتم مكافحته في التجارب اليوم باستخدام طريقة الدراسات مزدوجة الإغفال، حيث لا يعرف الباحث ولا موضوع التجربة الكثير من تفاصيل التجربة إلا بعد انتهائها، كما في تدريب الكلاب البوليسية على شمّ المخدرات، حيث لا يعرف من يفحصهم الكلب إن كانت معهم لكي لا يميّزهم من لغة جسدهم.

لم يرض فون أوستن أبدًا بهذا التفسير، واستمر مع حصانه الذكي في عرض مهاراته بالرياضيات وقراءة لغة الجسد في ألمانيا لفترة من الزمن، حيث استمرّا بجذب الحشود مرة بعد مرة، ورغم عجز هانز عن الرياضيات والألمانيّة، نعتقد أنّ قدرته على خداع تلك الأعداد من الناس لكلّ ذاك الوقت يمنحه إثباتًا لذكائه، كما نعتقد أنه كان ليكون لاعب ورق بارع بتلك القدرات لو أن لديه يدان، لكن هل كان ليخفي لغته الخاصّة في لعبة بوكر؟

مقال من إعداد

mm

فارس المقداد

شاب في العشرينات، طالب طب بشري، وقارئ ومترجم.

المصادر

عدد القراءات: 1٬783