علوم

هل يجب استخدام التجارب على الحيوانات في الأبحاث الطبية؟

التجارب العلمية على الحيوانات

مع التطور الطبي الكبير واستمرار ظهور أمراض جديدة مقاومة للأدوية في العقود الأخيرة، فالبحث الطبي أمر أساسي في الحياة البشرية الحديثة خصوصاً مع استمرار أمراض مثل نقص المناعة المكتسب، وأمراض السرطان المتعددة بالفتك بالبشرية دون حلول فعالة تماماً لها.

هذه الحاجة المستمرة للبحث الطبي تجعلنا اليوم معتمدين بشكل كبير على التجارب على الحيوانات على أمل تحقيق تقدمات علمية جديدة، لكن مع استخدام ملايين الحيوانات كل عام في هذا المجال (الولايات المتحدة منفردة تستخدم 26 مليون حيوانٍ للتجارب الطبية سنوياً) فالأمر يصبح مثيراً للجدل بشكل متزايد، مع انتقادات واسعة لهذه التجارب من طرف؛ وتأكيد على أهميتها من الطرف الآخر.

في هذا المقال سنقوم بتلخيص الحجج الأساسية المؤيدة والرافضة للتجارب على الحيوانات بهدف توضيح الأمر بشكل أكبر.

الحجج المؤيدة للتجارب الطبية على الحيوانات

1. التجارب على الحيوانات تسهم في الكثير من العلاجات التي تنقذ حياة البشر:

خلال الـ100 عام الأخيرة، اعتمدت جميع الاكتشافات الطبية الكبيرة تقريباً على التجارب على الحيوانات في مرحلة من مراحلها على الأقل، فاكتشاف الأنسولين الذي أنقذ حياة مرضى السكري لم يكن ممكناً لولا التجارب التي تضمنت استئصال البنكرياس من الكلاب، كما أن تجارب لقاح شلل الأطفال على الحيوانات ساهم في تخفيض عدد الإصابات السنوية من 350,000 عام 1988 إلى 223 فقط بحلول عام 2012.

2. لا يوجد بديل حقيقي للتجريب على أنظمة حية بأجساد مكتملة:

الأنظمة الحيوية كما للبشر والحيوانات هي أنظمة شديدة التعقيد، ومع أننا قطعنا شوطاً كبيراً في فهم آلية عملها، فنحن ما نزال بعيدين جداً عن الإدراك الكامل لكيفية عملها وتفاعلها مع المتغيرات المتعددة.

هذا الأمر يجعل التجارب المخبرية على خلايا معزولة في مختبرات (مع كونه مفيداً للغاية) غير كافٍ لتحقيق التقدم العلمي المرجو في مجال الطب، حيث لا يمكننا محاكاة طريقة تصرف أنظمة الجسم المتعددة؛ مثل الأنظمة الهضمية والعصبية والحركية، حيال المتغيرات أو طريقة تفاعلها مع الأدوية كأجساد كاملة لا كخلايا معزولة فقط.

3. نحن نجرب على الحيوانات لأنها مشابهة لنا إلى حد بعيد في مجالات متعددة:

الشمبانزي (أقرب أقرباء البشر) يتشارك بـ99% من حمضه النووي مع البشر، بينما تتشابه الفئران معنا جينياً بنسبة 98%، هذا التشابه الكبير بيننا وبين هذه الحيوانات يجعل تأثير العقاقير والأمراض علينا متشابهاً إلى حد بعيد.

فجميع الثدييات (ونحن منها بالطبع) تتشارك بسلف مشترك واحد وتمتلك نفس الأنظمة الحيوية مع أعضاء متطابقة تقريباً، مما يجعل معظم الأمراض مثل السكري والسرطانات وأمراض القلب تؤثر علينا بشكل متشابه للغاية.

4. في بعض الحالات التي تمنع التجارب البشرية، لا حل سوى استخدام الحيوانات:

عند إجراء التجارب الأولية على العقارات الجديدة فهناك احتمال دائم بأن تكون سامة أو تتسبب بأعراض جانبية خطيرة للغاية، مما يجعل إجراء التجارب مباشرة على البشر أمراً غير أخلاقي وغير ممكن، نظراً لكون معظم المشاركين في التجارب الدوائية سيرفضون تعاطي أدوية قد تقتلهم أو تتسبب بأضرار كارثية عليهم، وهنا لا سبيل آخر سوى استخدام الحيوانات لهذه الغاية.

5. الحيوانات نفسها تستفيد أحياناً من التجارب الطبية المجراة عليها:

في حال لم يتم اختبار اللقاحات على الحيوانات أصلاً، فهي أيضاً من الممكن أن تصاب بأمراض خطيرة مثل الكلب واللوكيميا والتهابات الكبد الفيروسية والجمرة الخبيثة.

فبالإضافة لكون هذه الأمراض تفتك بالبشر فهي تصيب الحيوانات أيضاً على شكل أوبئة تم الحد منها في الكثير من الحالات على شكل لقاحات حيوانية (مثل اللقاحات الخاصة بالحيوانات الأليفة أو الحيوانات المدجنة)، مما يجعل الأمر يحمل منفعة مشتركة للبشر والحيوانات في بعض الأحيان.

6. التجارب على الحيوانات غالباً ما تكون منظمة بصرامة بقوانين تحمي الحيوانات من إساءة التعامل:

تحوي القوانين في معظم البلدان المتقدمة (حيث تجري الغالبية العظمى من التجارب على الحيوانات أصلاً) تشريعات خاصة تنظم التجارب على الحيوانات إلى حد بعيد، بحيث تحميها من إساءة التعامل أو القسوة الغير مبررة وغيرها من التصرفات التي من شأنها جعل الأمر أسوأ على الحيوانات التي يتم إجراء التجارب عليها. هذه القوانين بدأت بالظهور منذ ستينيات القرن الماضي، وهي في تزايد مستمر يجعلها أكثر صرامة وأكثر تنظيماً للتجارب.

7. نتيجة دورات حياتهم القصيرة، الحيوانات غالباً ما تكون مناسبة أكثر للتجارب الدوائية:

مع كون دورة حياة الفئران والجرذان تمتد عادة من عامين إلى ثلاثة فقط، فمن الممكن دراسة تأثير الأدوية والعقاقير أو حتى التلاعب الجيني على دورة حياة كاملة أو حتى على مدار عدة أجيال بشكل غير ممكن عملياً على البشر نتيجة دورة حياتنا الطويلة للغاية مقارنة بمعظم الحيوانات.

فالجرذان بالأخص مناسبة بشدة للدراسات السرطانية طويلة الأمد وذلك عائد نسبياً إلى دورة حياتها القصيرة.

8. حرصاً على موثوقية النتائج، فالباحثون يعاملون الحيوانات بطريقة ”إنسانية“:

لتحقيق موثوقية عالية لنتائج التجارب، فالحيوانات الخاضعة للاختبارات تخضع لزيارات دورية مكثفة من أطباء بيطريين ومختصي تربية وتقنيي صحة حيوانية، للحفاظ على أفضل ظروف ممكنة لهذه الحيوانات بحيث تكون النتائج موثوقة وغير ناتجة عن أخطاء او مؤثرات سلبية خارجية.

9. الحيوانات مجردة من الحقوق، وبالتالي فالتجربة عليها أمر مقبول:

منذ بداية التاريخ دائماً ما تعاملت الحضارات البشرية مع الحيوانات ككائنات أدنى منها بسبب فقدانها للوعي والحس الأخلاقي والقدرات الإدراكية المتقدمة الخاصة بالبشر. لكن ماذا لو أعطينا لحيوانات حقوقاً؟ في حال قمنا بذلك فكل البشر على الأرض سيكونون مرغمين على التحول لحمية خضرية لا تتضمن أي منتجات حيوانية، وهو أمر غير ممكن واقعياً مما يمنع إعطاء الحقوق للحيوانات وبالتالي ستبقى خاضعة للبشر وعرضة للتجارب العلمية.

10. نسبياً، عدد الحيوانات التي تخضع للتجارب الطبية أقل بكثير من الحيوانات التي يقتلها البشر على أي حال

مع كون الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر البلدان إجراءً للتجارب على الحيوانات، فهذه التجارب لا تتضمن سوى 26 مليون حيوان، 95% منها من القوارض والأسماك والطيور مقابل استهلاك البلد نفسه للحوم بما يقدر بـ9 بلايين دجاجة و150 مليون حيوان من الماشية والخنازير. فمقابل كل حيوان تجرى عليه تجربة، هناك 340 دجاجة تموت على أي حال.

الحجج المعارضة للتجارب الطبية على الحيوانات

1. التجارب على الحيوانات قاسية وغير ”إنسانية“:

غالباً ما تتضمن التجارب على الحيوانات العديد من الأشياء القاسية مثل الإطعام القسري والاستنشاق القسري والحرمان من الطعام والماء، والتقييد البدني لفترات ممتدة بالإضافة لاصطناع الحروق والجروح والإصابة بالأمراض لدراسة تأثيرها والتعافي منها. هذه الإجراءات توصف عادة بأنها شديدة القسوة وغير إنسانية بطبيعة الحال.

2. التقدم العلمي أصبح يسمح بأساليب تجارب بديلة لا تتضمن الحيوانات:

مع التطور التقني والطبي، أصبح بالإمكان إجراء التجارب على خلايا معزولة مخبرياً ودراسة تصرفاتها وتأثير الأدوية عليها دون استخدام الحيوانات وتطبيق الأذى عليها في الاختبارات. كما أصبح من الممكن إجراء الاختبارات على البشر بشكل جرعات ميكروي (مصغرة جداً) بشكل يسمح ولو جزئياً بدراسة العقاقير وتأثيرها.

3. عدم التطابق التام بين البشر والحيوانات يعني أنها ليست مرشحة مثالية للتجارب:

على الرغم من التشابه الجيني والعضوي بين البشر والعديد من الحيوانات (الثدييات ومنها بالأخص الرئيسيات) فهي ليست متطابقة تماماً للبشر، وبالتالي فهناك اختلافات كبيرة سواء على المستوى الخلوي أو حتى على مستوى وظائف الأعضاء والأنظمة الحيوية.

4. العقارات التي تخضع للتجارب على الحيوانات ليست آمنة دائماً:

في العديد من الخالات تكون العقارات التي تتجاوز التجارب على الحيوانية بنجاح غير آمنة للبشر على أي حال، ففي خمسينيات القرن الماضي تسبب أحد العقاقير بحوالي 10,000 حالة ولادة لأطفال مشوهين على الرغم من أنه لم يعط هكذا نتائج على الفئران والجرذان والقطط والهامستر. وفي حالة مشابهة تسبب عقار أظهر نتائج إيجابية على قلوب الحيوانات بما يتعدى 27.000 ألف حالة من الأزمات القلبية واضطرابات القلب الأخرى عند طرحه للاستخدام البشري.

5. التجارب على الحيوانات قد تعطي نتائج مضللة تمنع استخدام أدوية محتملة على البشر:

كما أن هناك عقاقير تؤذي البشر لا الحيوانات، فهناك الكثير منها يمكن للبشر استخدامها بشكل آمن تماماً بينما تتسبب بمشاكل خطيرة للحيوانات الخاضعة للتجارب. هذه العقارات تتضمن بعضاً من أهم العقارات التي تستخدم اليوم كالأسبرين وعقارات منع رفض الأعضاء في عمليات نقل الأعضاء.

6. نسبة 95% من الحيوانات الخاضعة للتجارب غير محمية بأي قوانين:

على الرغم من وجود قوانين مشددة للتجارب على الحيوانات فب البلدان المتقدمة، فـ95% من الحيوانات الخاضعة للتجارب (مثل الفئران والجرذان والأسماك والطيور) ليست محمية بأي تشريعات وبالتالي فهي عرضة لإساءة المعاملة وظروف غير مناسبة وغير أخلاقية للتجارب.

7. التجارب على الحيوانات لا تعطي توقعات دقيقة للنتائج على البشر:

94% من كل العقارات التي تنجح بالاختبارات على الحيوانات تفشل عند تجربتها على البشر، فعبر الأعوام فشل أكثر من 100 عقار للنوبات القلبية و85 لمرض نقص المناعة المكتسب، على الرغم من تحقيقها جميعاً نتائج ممتازة في الاختبارات على الحيوانات، وحتى على الرئيسيات التي تعد الأقرب إلينا جينياً وبنيوياً.

8. التجارب على الحيوانات مكلفة للغاية وتضيع الكثير من الأموال مقابل النتائج:

مع صرف الحكومات حول العالم لبلايين الدولارات على التجارب المخبرية على الحيوانات، فهي مكلفة للغاية وتكاليفها غالباً ما تكون ضعفي تكلفة نظيرتها المجراة على خلايا معزولة أو أكثر. هذا الهدر الكبير في المال يعطي نتائج قليلة للغاية مقابل دفع مبالغ طائلة، كثيراً ما تكون أموالاً حكومية من دافعي الضرائب تخصص لهذه الغايات بدلاً من غايات أخرى أكثر إلحاحاً.

9. معظم الدراسات على الحيوانات مشوبة بالأخطاء مما يجعل نتائجها غير موثوقة:

وفقاً لدراسة (موثقة من قبل الأقران) أجريت عام 2009، تبين أن 87% من التجارب المجراة على الحيوانات في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة كانت تعاني من أخطاء كبرى تتضمن؛ (ولا تقتصر على)، أخطاء في خلق اختيار عشوائي للمشاركين في التجارب وهذا ما يقود إلى تقليل موثوقية هذه التجارب إلى حد بعيد.

10. لا يوجد دليل قاطع على أن الإكتشافات الطبية تحتاج التجارب على الحيوانات:

على الرغم من كون كل الاكتشافات الطبية الكبرى الأخيرة كانت قد تضمنت تجارباً على الحيوانات، فلا يوجد دليل قطعي يثبت أن هذه الاكتشافات غير ممكنة لولا هذه التجارب على الحيوانات.

في النهاية، يبقى موضوع التجارب على الحيوانات من أكثر المواضيع الشائكة والمثيرة للجدل سواء في الأوساط العلمية أو العامة، ومن المهم الإلمام به من جميع جوانبه لتكوين رأي شخصي بالموضوع مبني على الحقائق لا على الإشاعات أو عدم المعرفة.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن

المصادر

عدد القراءات: 993