in

8 شخصيات تاريخية ماتت مفلسة على الرغم من النجاحات الباهرة التي حققتها

لم يتركوا وراءهم غير أعمالهم الخالدة.

نيكولا تيسلا وموزارت

على مر التاريخ، كانت بعض أكثر الشخصيات شهرة قد حصّلت ثروات كبيرة، وسلطة، وشهرة واسعة، فقط لتترك خلفها بعد مغادرتها لعالم الأحياء القليل فقط –حتى لا شيء في بعض الحالات–، وكان البعض قد خسر ثروته بسبب استثمارات سيئة، والبعض الآخر بسبب الإسراف والتبذير ببساطة، بينما كان البعض الآخر ببساطة لم يحصّل الكثير من المال ليبقى بعده لورثته في المقام الأول.

بالنسبة للعديد من العباقرة، فإن فقدان الثروة كان أسهل من تحقيقها، ثم لدينا أولئك الذين خسروا ثرواتهم لأكثر من مرة خلال فترة حياتهم، وهناك تلك الفئة التي ثبت أن قيمة أعمالها عظمت وصارت أكبر بعد وفات أصحابها فقط.

مؤخرا، ترك بعض المشاهير –على الرغم من أنهم لم يموتوا فقراء– بعد وفاتهم ملكيات عقارية بيعت مقابل ثروات أكبر بكثير مما تمكنوا من تحصيله وهم على قيد الحياة. على سبيل المثال نجد (جون لينون)، و(جيمي هيندريكس)، و(ستيغ لارسون)، و(إلفيس بريسلي)، و(إرنست هيمنغواي)، والكثير غيرهم ممن تستمر ملكياتهم السابقة وأعمالهم في تحصيل الثروات حتى يومنا هذا لفائدة ورثتهم، ثروات فاقت بكثير ما كانوا قادرين على تجميعه خلال فترات حياتهم كلها، غير أن الشهرة والعبقرية قد لا تعنيان الثراء السريع، فهي تثمر بنتائجها أحيانا مع مرور الوقت.

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف» جمعنا لكم ثمانية من المشاهير الذين عرفهم التاريخ من ميادين مختلفة، والذين ماتوا وهم مفلسون تماماً:

1. (موزارت):

موزارت
صورة: British Museum

اشتهر (وولفغانغ أمادوس موزارت) في البادئ على أنه ذلك الطفل النابغة، صبي مبدع كان يتقن العزف على عدة أدوات موسيقية، سافر عبر القارة الأوروبية بصحبة والده يعزف نغماته الموسيقية للأثرياء والنبلاء. سهر والده الملحّن على تلقينه الموسيقى تلقينا ممتازا وكذا تدريبه على العمل على عدة أدوات موسيقية، ومن جهته أثبت (موزارت) كونه تلميذا مجتهدا وكفؤاً.

ببلوغه سن الثامنة، كان (موزارت) قد ألف أول سنفونياته، على الرغم من أن احتمال أن يكون والده هو من نقلها إلى الورق احتمال وارد جداً.

أمضى (موزارت) جزءا كبيرا من شبابه كموسيقار جوال، زار خلال جولاته الموسيقية العديدة أفخر الأماكن والقصور الأوروبية، راح فيها يأسر جماهيره من الأثرياء والنبلاء والملكيين بمهاراته الفريدة كموسيقار وكذا بشخصيته التي تتجاوز سنه بكثير. في نهاية المطاف، وظّفه أمير (سالزبيرغ) في بلاطه في النمسا، واتفق معه على تأليف وإنتاج باسم رئيسه كل أنواع الموسيقى، بما فيها السوناتات، والكونشيرتو، والسمفونيات، وبعض مقاطع الأوبيرا الصغيرة.

بعد ذلك حظي (موزارت) باهتمام إمبراطور النمسا (جوزيف الثاني) نفسه، الذي أراده أن يعمل لصالحه، وهو الأمر الذي عارضه بشدة كل من والده والأمير، رئيسه السابق، وهكذا جعل (موزارت) لنفسه أصدقاء وأعداء في نفس البلاط النمساوي بسرعة كبيرة.

كردّ على أعدائه الذين كانوا يشكلون مصدر تهديد دائم له، راح (موزارت) يعمل بدون كلل في تأليف الموسيقى، وهو الأمر الذي مكّنه من تحصيل مداخيل محترمة جدا، التي كان يتعين عليه أن يدفع بعضا منها لصالح رؤسائه كجزء من الاتفاق.

غير أنه سُمح لـ(موزارت) بالإبقاء على الأموال التي كان يجنيها من أدائه في الحفلات الموسيقية، وسرعان ما أسس لنفسه سمعة كبيرة، واشتهر بكونه أفضل عازف بيانو في أوروبا كلها. نمت سمعته كملحّن وموسيقار كذلك، واشتهر بشكل أخص في (فيينا) عاصمة الإمبراطورية النمساوية، وكذا في (براغ).

حظي (موزارت) وزوجته (كونستانز) بستة أطفال، لم ينج إلا اثنان منهم من مرحلة الطفولة، وهو الأمر الذي لم يكن غريبا في تلك الحقبة، وخلال فترة حياته القصيرة، أنتج (موزارت) ما ينوف عن 600 قطعة موسيقية ظلت مميزة على مر العصور، وأدى العروض الموسيقية في الحفلات بوتيرة رهيبة، وهو الأمر الذي أتى بثماره وجعله يحقق ثروة لا بأس بها.

خلال فترة حياته، عانى (موزارت) كثيرا من المشاكل الصحية، وهو الأمر الذي زاد من تفاقمه جدول عمله الحافل والمضني وكذا عاداته الحياتية السيئة، وفي نهاية المطاف، لم يتمكن (موزارت) من الحفاظ على الأموال التي حصّلها، وذلك بسبب محاولته مجاراة أسلوب حياة الأثرياء والنبلاء الذين ظل يحتك بهم ويعزف لصالحهم، وزاد من وخامة ذلك حبه للمقامرة، ومعاقرة الكحول، وكذا حبه لحياة البذخ.

حين وفاته، في شهر ديسمبر سنة 1791، كان (موزارت) المتعب جدا، يعاني من ديون متراكمة، وكان حرفيا لا يملك أي مال معه، على الرغم من نجاحاته المبهرة التي لم تكن إلا في الماضي القريب.

دُفن في قبر مجهول وفقا لما كانت تقاليد (فيينا) تمليه آنذاك، غير أنه من خلال الصعوبات التي واجهتها أرملته في حياتها لاحقاً، يمكننا القول أن ذلك القبر لم يكن خياراً أيضا، ولم يكن يملك من المال لدى وفاته ليسمح له بأن يدفن في قبر أفضل.

2. (طوماس جيفرسون):

طوماس جيفرسون
صورة: White House Historical Association/Wikimedia Commons

ينبهر غالبا زوار ملكية (طوماس جيفرسون) الخلابة في ولاية (فيرجينيا) التي تُدعى (مونتيشيلو)، وذلك لواقع كون مصممها ومالكها [طوماس جيفرسون نفسه] كان قد غادر هذا العالم في سنة 1826 ولم يترك خلفه شيئا سواها وديون متراكمة.

بعد مرور فترة قصيرة على وفاة (جيفرسون)، بيعت كل من ملكيتيه (مونتيشيلو) وملكية أخرى قليلة الشهرة تعرف باسم (بوبلار فوريست) من أجل تسديد ديون الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية السابقة. كان (جيفرسون)، الذي خدم كذلك حاكما لولاية (فيرجينيا) وكان في نفس الوقت مؤلفا لبعض أكثر الوثائق الأمريكية قيمة، يملك آلاف الفدانات من خيرة أراضي ولاية (فيرجينيا)، التي كانت كلها متخلفة عن سداد أقساط ضرائبها لفائدة هيئة الولاية، وقد كان مصدره الآخر من المداخيل المحتملة —وهو ما كان واقعا مريرا وعاديا في تلك الأيام— هو ملكيته لعدة مئات من العبيد.

خلال مسيرته المهنية كدبلوماسي في أوروبا، تطور لدى (جيفرسون) حب كبير للنبيذ الفاخر، والسجادات المطرّزة الباهضة، والهندسة والديكور، وكان قد امتلك كل ما سبق من أجل عرضه واستخدامه في منزله، غير أنه كان قد اقتناها جميعها بالاستدانة.

كان المنتوج الرسمي الذي تنتجه مزارعه هو التبغ، وخلال فترة حياته كلها، فشل انخفاض المحاصيل الزراعية المستمر في مجاراة تكاليفه السنوية، ناهيك عن توفير احتياطي من المال يوفره لمستقبله.

بعد أن أحرق البريطانيون العاصمة واشنطن في سنة 1814، باع (جيفرسون) مجموعة كتبه التي تضمنت تقريبا 6500 كتاب للحكومة الأمريكية من أجل إعادة تأسيس مكتبة الكونغرس، وهو الأمر الذي مدّه بمدخول مالي كان في أمس الحاجة إليه. بدأ بعد ذلك على الفور جمع مجموعة كتب أخرى، وذلك كان على نفقة باهضة، كما كانت مجموعة النبيذ خاصته التي كان يحتفظ بها في أقبية (مونتيشيلو) تعتبر الأكثر قيمة وتكلفة في أمريكا كلها آنذاك.

قبل وقت قصير من وفاته؛ التمس (جيفرسون) إلى هيئة ولاية (فيرجينيا) أن تسمح له بإجراء مسابقة يانصيب حتى يجمع بعض المال لكي يدفع بعضا من ديونه العالقة، التي كانت تنوف عن 100 ألف دولار آنذاك —2,5 مليون دولار بقيمة أموال اليوم—.

بعد وفاته؛ دُفن (جيفرسون) في (مونتيشيلو)، وقام ورثته بعرض ممتلكاته، وملكياته العقارية، وعبيده للبيع في المزاد العلني من أجل تسديد ديونه، وعلى نقيض المظاهر التي كانت توحي بامتلاكه لثروة عظيمة، توفي (جيفرسون) ولم يترك خلفه لورثته سوى بعض الذكريات وديوناً عظيمة.

3- (ستيفن فوستر):

ستيفن فوستر
صورة: Library of Congress/Wikimedia Commons

اشتهر (ستيفن فوستر) خلال فترة حياته كلها ككاتب ومؤلف عدة أغاني شهيرة، في نهاية المطاف تمكن من تأليف أكثر من مائتي أغنية مشهورة ذائعة الصيت، ومازالت الكثير من أغانيه مشهورة حتى يومنا هذا، بما فيها أغنية Camptown Races، وأغنية Old Susannah، وJeannie with the Light Brown Hair، والكثير غيرها. مازالت أغنيته التي ألفها بعنوان My Old Kentucky Home تُذاع كل عام قبل لحظات من بدء ديربي (كينتاكي).

يتم ربطه دائما بـ(كينتاكي)، غير أنه كان قد أمضى معظم سنوات حياته في (أوهايو) و(بينسيلفانيا)، وفي نهاية المطاف أمضى آخر سنوات حياته في مدينة نيويورك، بعيدا بمئات الكيلومترات عن نهر (سواني) الذي ظل يحتفي به في أغانيه.

حدث في نيويورك سنة 1864 أن انهار هذا المؤلف المشهور بعد عمر كامل من عادات التبديد والإسراف في الشرب ومعاشرة النساء، عُثر عليه من طرف أصدقاء له مغمى عليه بعد أن سقط ثملاً وارتطم رأسه بحافة حوض الاستحمام مما خلف لديه جرحا بليغا. تجدر الإشارة إلى أن بعض الروايات تفيد بأنه كان يعاني من نوع من الحمى، وهو المصطلح الذي كان يستخدم بشكل متكرر لوصف بعض الأمراض الشائعة والمجهولة آنذاك.

توفي (فوستر) في مستشفى (بيلفي) المحلي بعد عدة أيام من سقوطه في حمامه، مع 40 سنتاً في جيبه لا غير، فقد كان ذلك المبلغ الزهيد كل ما تركه لورثته.

على الرغم من النجاح الباهر الذي حققته العديد من أغانيه، لم يحقق (فوستر) إلا القليل من المال من ورائها، فقد كان يفضل بيع حقوق نشر أغانيه كل على حدى في زمن تأليفها قبل بثها ونشرها، ولم يكن ينتظر حتى تذاع وتنجح ويجني منها الأموال الطائلة، وهو الأمر الذي كان ناشروه يقومون به مما عاد عليهم بثروات طائلة.

فضل (فوستر) الدفع الآني مقابل أغانيه حتى يمول تكاليف حياته الباهضة الآنية هي الأخرى، والتي كان من بينها عشق غير مسبوق للمشروبات الكحولية. مازالت الكثير من أغاني (فوستر) تثري الثقافة الشعبية الأمريكية غير أنها لم تقم بالكثير لإثراء صاحبها عندما كان حيا يرزق.

4. (نيكولا تيسلا):

نيكولا تيسلا

كان (نيكولا تيسلا) عالما وعبقريا مازال تصميمه واختراعه للتيار الكهربائي المتناوب يغذي الحضارة البشرية حول العالم كله إلى يومنا هذا. خلال فترة حياته كلها، سجل (تيسلا) أكثر من 300 براءة اختراع من مناطق مختلفة في العالم، كما قادت أفكاره ونظرياته وتجاربه فيما يتعلق بالنقل اللاسلكي للتيار الكهربائي إلى اختراعه للبرق البشري، مما ساعد على تكوين تلك الصورة عنه عن كونه ذلك ”العالم المجنون“.

كان (نيكولا تيسلا) دائما يتأنق مرتديا أفخر الملابس وأكثرها تميزاً، كما كان دقيقا جدا في عاداته ومواعيده، حيث خلال سنوات حياته الأخيرة، كان دائما يتناول وجبة العشاء في مطعم (ديلمونيكو) أو (والدورف-أستوريا) في نيويورك على تمام الساعة الثامنة.

كان (تيسلا) كذلك يؤمن باللياقة البدنية، فكان يتمشى حوالي 12 كيلومتر يوميا، هذا على الرغم من أن نومه ليلا لم يكن يتعدى ساعتين فقط، وكان يشحن طاقته خلال اليوم الموالي بواسطة فترات قيلولة قصيرة جدا.

كان من المفترض من اختراعه وعمله على التيار المتناوب وتوزيعه بالشراكة مع (ويستينهاوس) لوحده أن يجعل منه رجلا ثرياً إلى الأبد، غير أن هذا لم يحدث لأن رسوم الامتياز التي كانت شركة (ويستينهاوس) تدين بها لـ(تيسلا) كانت باهضة جدا، وهو ما شرحه (جورج ويستينهاوس) له بقساوة عندما أخبره أنه إن دفع له مستحقاته فستفلس الشركة، وفي هذه الحالة قام (تيسلا) بنقل براءة اختراعه لـ(ويستينهاوس) مقابل مبلغ زهيد لا يتعدى ربع مليون دولار سرعان ما بدده في تجاربه ومشاريعه، ومحاولاته الفاشلة في التسويق لمنتوجات أخرى كان قد صممها، التي كان معظمها سابقاً لأوانه.

بحلول القرن العشرين؛ كان (تيسلا) يقيم في عدة فنادق في مدينة نيويورك، وكان قد بدأها بفندق (والدورف-أستوريا) الفاخر، وهناك تكدست ديونه وعظمت، وعندما طولب بالدفع غادر من هناك. كان (تيسلا) في هذه المرحلة قد انتقل من شخص ثري إلى شخص مفلس تماماً، بفعل مشاريع أعمال فاشلة، غير أنه استمر في العيش كما لو كان يملك كل الأموال.

بعد مدة، لم يعد قادرا على تحمل تكاليف إيجار المكاتب ولا أماكن الإقامة، فخلف وراءه أثرا طويلا من الديون عبر مدينة نيويورك كلها تقريباً، وعندما انتقل للإقامة في فندق (نيويوركر) في سنة 1934، كان قد مر عبر عدة من إقامات وفنادق جزيرة (مانهاتن)، وكان في تلك السنة حيث بدأ (ويستينهاوس) يدفع له دينه وأجره السنوي، وهو ما كان (تيسلا) يشير إليه على أنه رسوم استشارة.

توفي في نفس الفندق في سنة 1943، تاركا وراءه ثروة طائلة من المعارف والنظريات، ومالا قليلا جداً.

5. (بينيديكت أرنولد):

بينيديكت أرنولد
صورة: U.S. National Archives/Wikimedia Commons

بعد أن خان وطنه الولايات المتحدة الأمريكية لصالح البريطانيين في سنة 1780، كوفئ (بينيديكت أرنولد) بمنصب في الجيش البريطاني، مع راتب سخي آنذاك، وكذا جائزة 6300 جنيه استرليني التي تعادل بأموال اليوم 1.1 مليون دولار، كما تلقى أجرا سنوياً للتعويض عن ممتلكاته التي خسرها في الولايات المتحدة.

باختصار، كان كل ما ناله يكفيه ليعيش حياة رغيدة لبقية حياته في الإمبراطورية البريطانية التي خدمها، غير أن الأمر لم يسرِ على هذا النحو، حيث جوبه (أرنولد) بإحباط عسكري، وفشل في الكثير من الأعمال التي أسسها، كما تم سجنه بتهمة التجسس، وأخيرا وجد نفسه على شفير الإنهيار.

خدم (أرنولد) في صفوف الجيش البريطاني الذي قاد عدة حملات على رفاقه السابقين في السلاح، غير أنه كان منبوذا من طرف الضباط البريطانيين الذين خدم معهم بسبب كونه خائنا خان وطنه ورفاقه. بعد انتهاء الحرب، قام بعدة محاولات من أجل الحظي بمنصب ضمن «شركة الهند الشرقية» الموقّرة، غير أن موالاته لحزب سياسي أُزيح من السلطة مؤخراً قضت على آماله وحظوظه في نيل مراده.

خاض عدة تجارب أعمال مختلفة في كندا، وهو الأمر الذي قاده إلى أروقة المحاكم تحت عدة قضايا واتهامات اتهمه فيها شركاؤه هناك بمخادعتهم، وهو الأمر الذي دعمه كثيرا كونه خائنا سابقا لوطنه في أعين العامة، وخلال الثورة الفرنسية، عمل (أرنولد) كقرصان مرخّص من طرف الحكومة البريطانية في مياه (غوادالوبي)، مما قاد الفرنسيين إلى سجنه بتهمة التجسس لصالح بريطانيا وحكم عليه بالإعدام الذي كاد ينفذ فيه لولا وصول الأسطول البريطاني الملكي للموقع في الوقت المناسب، مما أنقذ حياته.

بحلول سنة 1801، تدهورت صحة (أرنولد) المنهار كثيراً، كما تسببت له جراح الثورة القديمة في الكثير من المشاكل الصحية أيضاً، كاد يصبح معوزاً كنتيجة لفشله في جميع الأعمال التي قام بها وكذا مقاضاته من طرف شركائه السابقين، بما فيها قضية تعلقت بديون عالقة في الولايات المتحدة الأمريكية على عاتق زوجته قبل زواجهما، ومنه لم يجد (أرنولد) ما يعيل به نفسه في إنجلترا في سنوات حياته الأخيرة.

توفي في سنة 1801 عن عمر 60 سنة ودفن في مقبرة إحدى الكنائس في (باترسي). تفيد الأسطورة بأنه طلب أن يُقتل وأن يدفن في زيه العسكري الأمريكي.

بعد تسوية جميع ديونه السابقة، لم يتبق شيء من المال الذي تركه، والذي خان لأجله بلده الأم، فأُجبرت أرملته على بيع منزلهما، وأثاثه، والكثير من ممتلكاتهما الشخصية حتى تصفي جميع ديونه.

6. (أودي مورفي):

أودي مورفي

تلقى (أودي مورفي) كل جائزة وميدالية ووساما عسكريا كان الجيش الأمريكي قادرا على منحه، إلى جانب ميداليات وأوسمة من عدة بلدان حليفة للولايات المتحدة الأمريكية على شاكلة فرنسا وبلجيكا، وذلك نظير بطولاته الجبارة كجندي مشاة خلال الحرب العالمية الثانية.

ألّف (مورفي) سيرته الذاتية التي تناولت أيام مشاركته في الحرب بعنوان: «إلى الجحيم والعودة منه»، وظهر بنفسه في فيلم تم إعداده من قصة حياته حمل نفس عنوان مذكراته.

دخل (مورفي) عالم السينما الذي نجح فيه كثيرا وأسس لمسيرة فنية دامت عشرين سنة مثّل فيها في أفلام حربية، وأفلام الغرب الأمريكي، وفي نهاية المطاف إنتقل إلى التلفزيون. أصبح (مورفي) كذلك مربي خيول ناجح، وعلى الرغم من أنه لم يكن موسيقيا غير أنه ألف عدة أغاني ناجحة قام بأدائها فنانون مشهورون آنذاك مثل (هاري نيلسون)، و(روي كلارك)، و(بوبي داير)، و(دين مارتين)، وعدة آخرون.

في أواخر شهر مايو 1971، قضى (مورفي) نحبه في حادثة تحطم طائرة خاصة بالقرب من (روانوك) في ولاية (فيرجينيا). دُفن في جنازة عسكرية مهيبة في المقبرة الوطنية في (أرلينغتون)، وبدأت بعد ذلك أرملته مسيرتها كموظفة لدى «إدارة قدماء المحاربين» التي دامت 35 سنة، عاشت خلالها في شقة صغيرة في (لوس أنجلوس).

باعتبار أن بطل الحرب ذلك قد حظي بمسيرة مهنية طويلة وناجحة في عالم الترفيه، مع تأليفه لكتاب أصبح صاحب أفضل مبيعات، وتمثيله في عدة أفلام ناجحة، وكذا نجاحه التلفزيوني والموسيقي، قد يطرأ على ذهن المرء التساؤل التالي: ماذا حدث لثروة وأموال (مورفي)؟

خسر (مورفي) معظم أمواله في استثمارات سيئة في مجال تربية الخيول، فقد قام بعدة قرارات مهنية فيما يتعلق بتربية الخيول واستثماره فيها كانت سيئة جدا أدت لخسارته لأمواله، والتي يعزيها الكثيرون غلى حالة اكتئاب أصابته بسبب اضطراب ما بعد الصدمة بفعل كل تلك السنوات التي قضاها في الخطوط الأمامية في الحرب العالمية الثانية.

كما تطورت لديه عادة قهرية في المقامرة مما وضع ضغطا أكبر على ما تبقى من أمواله. حاول كذلك القيام بعدة تجارب في ميادين عمل لم يكن على خبرة بها مما جعله يخسر المزيد من المال.

في أواخر ستينات القرن الماضي، فشل اتفاق أجراه لصفقة عمل في مجال الزيوت في الجزائر مما كلّفه خسارة حوالي ربع مليون دولار، كما زادت من تفاقم وضعه المالي الكثير من الضرائب التي كان يدين بها لإدارة الضرائب الأمريكية.

ترعرع (مورفي) في زمن الكساد الكبير، ونشأ في عائلة معوزة، وانتهى به المطاف، على الرغم من كل النجاحات التي حققها، ليموت معوزاً.

بعد وفاته؛ قاضت عائلته شركة الطيران التي تحطمت طائرتها وتسببت في مقتله مما أسفر عنه تعويضها ماديا وهو الأمر الذي خفف من فقر العائلة نوعا ما.

7. (جايمس ماديسون):

جايمس ماديسون

تماما مثل جاره ومعلّمه (طوماس جيفرسون)، كانت الثروة الشخصية الخاصة بـ(جايمس ماديسون) مرتبطة بمزرعته المتواجدة في وادي (شيناندواه) في فيرجينيا، وهي ملكية كان يطلق عليها اسم (مونبوليي). خلال عهدته كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، استحوذت مشاكل الشؤون الخارجية على كامل اهتمام (جايمس ماديسون) لدرجة تعدت فيها كل من سبقوه في المكتب البيضاوي، والتي في نهاية المطاف طلب فيها من الكونغرس إعلان الحرب على المملكة المتحدة وهو ما وافق عليه الكونغرس.

أصبح بعد ذلك (ماديسون) أول رئيس أمريكي يترشح لولاية ثانية والبلد في حالة حرب، كما كان أول رئيس ينجح في الفوز في الانتخابات الرئاسية والبلد في حرب أيضا، غير أن هذا الأمر قاده إلى توجيه كامل اهتمامه نحو مجهودات تحقيق السلام مع الإمبراطورية البريطانية مجددا، وهو ما وضع حدا للحرب في النهاية.

ثم شغل باله بعد الحرب عملية إعادة بناء العاصمة واشنطن التي احترقت أثناءها. لم يترك هذا الأمر أمامه متسعا من الوقت ولا المجال الكافي حتى يعير أدنى انتباه واهتمام تجاه إدارة شؤون مزرعته، والتي كانت بحلول نهاية الحرب قد انخفضت قيمتها كثيراً. عاد (جايمس ماديسون) إلى (مونبوليي) وهو أقل ثراء مما كان عليه عندما غادرها، ولبقية حياته، ظلت الخسائر تتراكم عليه.

كانت قيمة محاصيل مزرعته الزراعية، التي تشكلت بشكل رئيسي من التبغ، تنخفض مع كل موسم حصاد، كما وجد نفسه يواجه مشكلة تراكم الضرائب غير المدفوعة على أرضه وكذا نفقات الصيانة، والاعتناء بالعمال، الذين كانوا في الواقع عبارة عن مائة عبد للأسف.

عانت مزرعته كذلك من سوء التسيير بعدما أوعز هذه المهمة لابن زوجته الذي بدا غير كفؤ تماما، فأُجبر (ماديسون) على الدفع من جيوبه المرهقة جزاء أخطاء ابن زوجته في تسيير المزرعة واقتناء بعض المعدات التي كان هو شخصيا يعتبرها غير ضرورية.

كان (جايمس ماديسون) يحب الملابس الأنيقة، وهو الأمر الذي تفوقت عليه فيه زوجته المشهورة عالميا (دولي ماديسون) بعدما تركته يترنح من ديون ثقيلة بسبب عشقها المفرط للموضة والحياة الفارهة.

شغل (ماديسون) منصب ثاني عميد لجامعة (فيرجينيا) بعد (طوماس جيفرسون)، وهو المنصب الذي تطلب بعض التكاليف التي لم يكن مجهزا لتحملها، غير أنه أجبر على ذلك أيضاً.

قبل حوالي سنة من وفاته، بدأ (ماديسون) يبيع عبيده من أجل مجاراة تكاليف معيشته، ثم تراكمت عليه الضغوطات المالية التي اختزلته في وضع ميؤوس. بحلول سنة 1834، راحت صحته تتدهور وتوفي في نفس السنة، تاركا وراءه سوى مزرعته المفلسة.

قامت أرملته ببيع المزرعة في سنة 1842، كما قامت بتأجير نصف عبيدها للمالك الجديد مما وفر لها مدخولا صغيرا تعيل به نفسها، وبحلول سنة 1850، كان كل ما تبقى من مزرعة (مونبوليي) لا يتعدى المنزل الرئيسي فقط.

8. (دانييل درو):

دانييل درو

كان (دانييل درو) المثال الحقيقي عن معنى ”البارون اللص“ Robber Baron في القرن التاسع عشر، فقد كان رجلا تمكن من جمع ثروة قدرها 13 مليون دولار آنذاك خلال حقبة لم تكن الضرائب مفروضة فيها.

ارتقى (دانييل) من موقع مجرد قيّم على صالون صغير، وشق دربه نحو الثراء الفاحش أولا عن طريق اقتناء قطعان الماشية واقتيادها إلى مدينة نيويورك لتباع هناك، حيث كانت أسعار لحوم البقر مرتفعة. ثم اقتحم مجال القوارب البخارية، وتنافس مع (كورنيليوس فاندربيلت) على السوق المحلية، وسرعان ما قام بتوظيف المداخيل التي حصّلها في الأسواق المالية، حيث بدأ أولا كشريك في شركة استثمار ثم أصبح المستثمر الوحيد فيها.

مع ارتقاء نفوذه وسمعته، أصبح (درو) عضو مجلس إدارة شركة (إيري) للسكك الحديدية، وقد قاده تلاعبه الصارخ بأسهم الشركة إلى تحقيق ثروة كبيرة من خلال عقد شراكة مع (فاندربيلت) عندما أفلست شركة (إيري).

على الرغم من توحيد صفوفه مع (فاندربيلت) لزمن ما، سرعان ما وجد نفسه في مواجهة معه، وراح الاثنان يتنافسان على السيطرة على شركتي (إيري) و(هارلم) في نيويورك للسكك الحديدية.

كان (درو) حلفيا لـ(جايمس فيسك) و(جاي غولد) طوال حياته، اثنان من البارونات اللصوص، وخلال حربه التجارية مع (فاندربيلت)، قام هذان الاثنان بالتآمر ضد (درو)، واستخدما أسعار الأسهم من أجل القضاء على موارده، وخسر (درو) خسارة فادحة.

بحلول الكساد الاقتصادي لسنة 1873، لم يكن (درو) يملك ما يكفي من الموارد من أجل حماية أسهمه في الشركات وبحلول سنة 1876 كان قد انتقل من رجل تقدر ثروته بـ13 مليون دولار إلى رجل مفلس، مع دين بمليون دولار، ومن دون أية أموال، أو ملكيات عقارية، أو أي غرض آخر ذا قيمة.

سرعان ما اكتشف (درو) كذلك أن واقع أن تكون مفلسا في (وول ستريت) كأن تكون ميتاً فالأمر سيان، فعندما كان رجلا فاحش الثراء كان يُمدح باستمرار على أنه ذلك العبقري، وكانت وسائل الإعلام تلقبه بـ(العم دانييل). وبعد إفلاسه، أصبح هذا المليونير السابق رمزا للجشع البشري في السوق المال، وأصبحت نفس وسائل الإعلام تتهمه بالتضحية بالمستثمرين الصغار، وراحت تتناوب على النكاية فيه وتتكالب عليه بشتى الاتهامات.

عندما كان ثريا؛ كان (درو) رجلا بالغ الكرم، كان دائما ما يتبرع بالمال على الكنائس والمدارس في عدة مدن، غير أنه اكتشف الواقع المر للفقر الذي يجرد المرء من أي صديق أو حليف سابق، عندما توفي في سنة 1879، كان يعتمد بشكل كامل على ابنه لإعالته.

جاري التحميل…

0