عندما صدر الكتاب الذي يروي سيرة الأمير السعودي الوليد بن طلال، بدأت فورا المواقع الالكترونية بالتندر على ما رواه الوليد عن أنه صلّى في ليلة واحدة ما فاته في 90 يوم، فأخرج الجميع آلاتهم الحاسبة وبدأوا بحساب عدد الركعات خلال التسعين يوما وضربها بمعدل دقيقة أو دقيتين للركعة الواحدة، ليصِلوا لنتيجة أن ما رواه الوليد ضرب من الخيال.

لكن ما نسيه هؤلاء—أو تناساه بعضهم—أن كتب المسلمين مليئة بمثل هذه الروايات عن أعمال خارقة تحتاج أيضا لآلات حاسبة، لنكتشف مدى المبالغة في الحديث عن فئة معينة ومدى تضخيم أعمالهم، وكأنهم يعيشون على كوكب آخر يطول فيه اليوم ليصل لمئة ساعة.

الروايات:

ورد في العشرات من الكتب التاريخية عن أن بعضا من الصحابة والتابعين وحتى أئمة المذاهب وغيرهم… كان يصلي ألف ركعة في اليوم الواحد! والبعض الاخر كان يُسبح في اليوم مئة ألف تسبيحة، والبعض كان يختم القرآن الكريم بين الظهر والعصر وآخرين بين المغرب والعشاء ختمتين، ومنهم من كان يختم في الشهر 60 ختمة، ومنهم من كان يختم في الليلة الواحدة ختمتين والبعض في اليوم ثلاث ختمات ومنهم أربعة، ومنهم بين المغرب والعشاء خمس ختمات، ومنهم ثماني ختمات في اليوم الواحد، ومنهم خمسة عشر ختمة في اليوم الواحد!

التحليل:

1. ختم القران:

تذكر بعض الكتب أن الشافعي كان يختم القرآن في رمضان 60 مرة غير ما يقرأ في صلاته، أي مرتان يوميا.

604 صفحة × 2 = 1208 صفحة يوميا.

إذا افترضنا أن الشافعي كان سريع القراءة، واحتاجت كل صفحة لدقيقة واحدة فقط، فإن قراءة المصحف مرتين ستستغرق 1208 دقيقة وهي ما يقارب عشرون ساعة يوميا. وبالتالي يتبقى له أربع ساعات للنوم والصلاة والأكل والشرب والوضوء وقضاء الحاجة والمشي للمسجد والراحة أثناء النهار وغيرها من الأمور.

وبالمثل…

  • الثلاث ختمات تحتاج لـ30 ساعة يوميا.
  • الخمس ختمات تحتاج لـ50 ساعة يوميا.
  • الثمان ختمات تحتاج لـ80 ساعة يوميا.

ولا يخفى على الجميع طبعا أن يومنا على الكرة الارضية 24 ساعة فقط. وبالطبع اذا كانت القراءة متأنية وبتدبر وخشوع فإنها ستحتاج لأضعاف ذلك الوقت.

2. الصلاة:

الصلاة

صورة لـ Fort Meade من فليكر

ورد عن البعض أنهم كانوا يصلون ألف ركعة في اليوم الواحد! لنفترض أن المصلي كان سريع الصلاة وكانت الركعة الواحدة تستغرق معه دقيقه واحدة فقط، وأن الجلوس للتشهد والصلاة الابراهيمية بعد كل ركعتين يستغرق دقيقة واحدة أيضا.

1000 ركعة × 1 دقيقة = 1000 دقيقة.
500 جلوس للتشهد × 1 دقيقة = 500 دقيقة.

فيكون المجموع 1500 دقيقة = 25 ساعة في اليوم الواحد.

أما اذا كانت الصلاة متأنية وبخشوع و تدبر فإنها ستحتاج لأضعاف هذا الوقت.

* * *

ليس الهدف من هذا المقال الدفاع عن أحد أو الهجوم على أحد، بل الهدف محاولة إعادة النظر لما بين يدينا من قصص ومرويات تخالف العقل والمنطق السليم. فبرأيي المتواضع أن يرى المسلمون الصحابة والتابعين والائمة والفقهاء أشخاص بقدرات عادية لا تختلف عن قدراتنا؛ أفضل من أن يعتقدوا أنهم أشخاص خارقون من المستحيل تقليدهم والإقتداء بهم، ومن الافضل أيضا قراءة سيرة حياتهم كقصص واقعية لا كأساطير. وكما قال الأديب حميد زنار:

مثلنة الماضي تؤدي إلى خلق شعور دائم بالدونية.

ختاما

من أطرف ما قرأت في هذا الموضوع ما كانت ترويه زوجة سليم بن عتر التجيبي عن زوجها للرجال عندما مات:

كان يقوم من الليل فيختم القرآن ثم يلم بأهله ثم يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم ثم يلم بأهله ثم يغتسل ثم يعود فيقرأ حتى يختم ثم يلم بأهله ثم يغتسل فيخرج لصلاة الصبح.

كل هذا في ليلة واحدة!!!!

هذا المقال عبارة عن مقال رأي، ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع دخلك بتعرف.

مقال من إعداد

mm

أيمن العقرباوي

مهندس و طالب دراسات، كالكوكب الرحال أدور من دون مركز.