تاريخ

10 شخصيات تاريخية دفنت جثامينهم في أماكن، وقلوبهم في أماكن أخرى

موقع دفن الملك (ذو بروس)

على الرغم من أن هذه الممارسة قد تبدو أمرا في غاية الغرابة اليوم، إلا أن فصل القلب عن الجثة ودفنه في مكان منفصل كان أمرا عاديا وشائعا جدا بين المنتمين للطبقة الأرستقراطية في أوروبا في العصور الوسطى وما بعدها، ويعود سبب ظهور هذه الممارسة في المقام الأول إلى فترة اشتداد الحروب الصليبية، عندما كان المحاربون من النخبة يموتون في المعارك في أماكن كان يتم اعتبارها ”وثنية“، و”أرض كفار“، و”غير طاهرة“ فلم تكن تعتبر أماكن دفن لائقة بأشخاص بمقام هؤلاء المحاربين ورفعتهم وتدينهم الشديد.

غير أن نقل الجثة من أماكن بعيدة، على غرار الشرق الأوسط، وتوصيلها إلى أوروبا ليتم دفنها حيث أوصى الميت كان أمرا مستحيلا، لأنها كانت لتتعفن قبل وصولها وقد تتسبب لناقليها حتى بالعدوى أو الأمراض، ومنه اعتمد هؤلاء طريقة أخرى في نقل الجثة ألا وهي بفصل اللحم عن العظم ونقل سوى الهيكل العظمي ليتم دفنه في أماكن الدفن الموصى بها، وكانت بعض الأعضاء الداخلية كالقلب تصاحب أحيانا الهياكل العظمية في رحتلها تلك وتدفن معها في نهاية المطاف لما كانت تحمله من قيمة رمزية.

بحلول القرن الثاني عشر، تبنى أفراد من الطبقة الأرستقراطية في فرنسا وإنجلترا هذه الممارسة وأصبحوا يوصون بدفن قلوبهم بشكل خاص في أماكن منفصلة عن مواقع دفن باقي جثثهم.

تحولت ممارسة دفن القلوب منفصلة من ممارسة عملية بداعي الضرورة إلى ممارسة أكثر رمزية بحلول القرن السابع عشر، وكانت في معظم الأحيان جزءا من ممارسة تنبع من معتقدات دينية كانت تتصف بها طوائف على غرار ”اليسوعيين“ أو طوائف ”الرهبنة اليسوعية“، ويعتقد بعض الباحثين أن رمزية القلب القوية أصبحت مهمة للغاية عندما كانت الكنيسة الكاثوليكية تعاني من أزمة خانقة في القرن السابع عشر.

في أوروبا الغربية، أصبح شائعا بالنسبة للشخصيات النافذة كالعائلات الملكية أن توصي بدفن قلوبها منفصلة عن بقية جثثها، وغالبا في أماكن كانت محببة إليها خلال فترة حياتها، وفي أوقات أكثر حداثة تبنى الشعراء الرومنسيون والعديد من نخبة الفنانين الآخرين هذه الممارسة وصاروا هم الآخرون يوصون بدفن قلوبهم بشكل منفصل عن جثامينهم.

في مقالنا هذا على موقع ”دخلك بتعرف“، جمعنا لك عزيزي القارئ لائحة بأشهر عشرة شخصيات ممن دفنت قلوبهم منفصلة عن أجسادهم في التاريخ:

1. (ريتشارد الأول) -قلب الأسد-:

(ريتشارد الأول) -قلب الأسد-

(ريتشارد الأول) – صورة: Hulton Archive/Getty Images

كان (ريتشارد الأول) الذي عرف كذلك باسم (ريشارد قلب الأسد) ملكا لإنجلترا في الفترة التي امتدت بين 1189 إلى 1199، غير أنه أمضى معظم فترة حياته يحارب خارج الديار، وكان ذلك السبب الذي جعل صيته يذيع كمحارب محنك وباسل.

توفي الملك (ريتشارد) بعد أن تعرض لسهم اخترق جسمه بينما كان مخيما في (شالو) بفرنسا، وبينما دفنت جثته في دير (فونتيفرو)، فُصل عنها القلب ووضع في علبة مصنوعة من الرصاص وأرسل إلى كاتدرائية (نوتردام) الشهيرة في (روان) بفرنسا ليدفن هناك.

أعيد اكتشاف القلب خلال عملية تنقيب أجريت في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ومرة أخرى في سنة 2012، وخلالها تفحص علماء الطب الشرعي هذا العضو الذي تحول مع مرور الزمن إلى غبار بلون بني مائل للرمادي، من أجل اكتشاف المزيد حول السبب الفعلي في موت (ريتشارد) قلب الأسد، حيث اعتقد الكثيرون أن السبب الفعلي في وفاته هو أن السهم الذي اخترق جسمه كان مسموما.

غير أن القلب كان متحللا جدا ومنه لم يستطيعوا معرفة شيء عنه أو عن سبب وفاة صاحبه، لكنهم تمكنوا بفضله من معرفة الكثير حول شعائر الدفن في العصور الوسطى، التي نوّهوا أنه كانت تُستعمل خلالها الخضر والتوابل ”التي استُلهم استعمالها مباشرة من تلك التي استعملت على جثة المسيح“.

2. الملك (روبرت ذو بروس):

الملك (روبرت ذو بروس)

الملك (روبرت ذو بروس)

كان (روبرت ذو بروس) Robert the Bruce ملكا لإسكتلندا في الفترة بين 1306 و1329، وكان قد أوصى بأن يدفن قلبه في مدينة القدس، لكن ذلك لم يحصل لأن الفارس الذي اؤتمن على القلب وعملية نقله إلى القدس، وهو السير (جايمس دوغلاس)، قُتل في معركة ضد بعض المنتمين لقبائل المغرب العربي، وكان حينها يضع قلب الملك في قلادة لبسها في عنقه، استعاد فرسان آخرون القلب من ساحة المعركة وأعادوه إلى دير (ميلروز) في إسكتلندا من أجل أن يدفن هناك.

اكتشف علماء الآثار ما يعتقد أنه قلب الملك (ذو بروس) في عملية تنقيب في سنة 1920، وأعادوا دفنه في حاوية حديثة. أُعيد إخراجه من مدفنه مرة أخرى في سنة 1996، ودفن مجددا تحت حديقة الدير في سنة 1998.

3. القديس (لورنس أوتول):

موقع دفن قلب (لورنس أوتول) المحفوظ في كنيسة السلام في (دبلن)

موقع دفن قلب (لورنس أوتول) المحفوظ في كنيسة السلام في (دبلن) – صورة: Bkwillwm/Wikimedia

كان القديس (لورنس أوتول) ثاني رؤساء أساقفة كنيسة (دبلن)، وكان واحدا من زعماء القديسين في المدينة، توفي في سنة 1180 في فرنسا وأعيد إرسال قلبه إلى كاتدرائية المسيح في (دبلن)، حيث دفن في علبة خشبية على شكل قلب داخل قفص حديدي، وبقي القلب مدفونا هناك إلى غاية سنة 2012 حيث تمت سرقته.

صرح عميد الكاتدرائية بأن من سرقوه كانوا عصابة من المتعصبين الدينيين المسيحيين، ذلك أنه كانت للقلب قيمة معنوية أكثر منها مادية، كما أن اللصوص تركوا الكثير من الكنوز من الذهب والفضة ولم يأخذوها، بل أنهم أشعلوا بعض الشموع في المذبح ورحلوا.

4. الأساقفة الأمراء في (وورزبيرغ):

وورزبيرغ

وورزبيرغ – صورة: Wikimedia

كان الأسافقة الأمراء في (وورزبيرغ)، التي أصبحت جزءا من ألمانيا الحديثة، يمارسون عملية دفن تجري وفقا لثلاثة مراحل: كانت جثثهم ترسل عادة إلى كاتدرائية (وورزبيرغ) لتدفن هناك، بينما ترسل أمعاؤهم إلى كنيسة القلعة في (ماريانبيرغ)، وكانت قلوبهم توضع في جرار زجاجية وترسل لتدفن فيما يعرف الآن بدير (إبراتش).

كانت الممارسة شائعة بشكل خاص خلال القرن الخامس عشر على الرغم من أن أصولها تعود إلى القرن الثاني عشر، وتضمنت كذلك مراسيم الدفن التي كانت تجرى في كنيسة قلعة (ماريانبيرغ) واحدة من أسوأ الوظائف في التاريخ: كان يتعين على أحدهم أن يمسك برؤوس الجثث ليبقيها منتصبة طوال مراسيم عملية الدفن التي كانت تستمر أحيانا لأيام عديدة.

عرفت هذه المنطقة في تاريخها حوالي أكثر من ثمانين أسقفا أميرا، وكان أحد العلماء الألمان الذين قاموا بدراسات خاصة على موضوع دفن القلب قد صرح بأنه على الأقل عثر على ثلاثين قلبا من قلوب هؤلاء الأمراء في أماكن دفنها في الدير السابق ذكره.

5. (آن بولين):

(آن بولين)

(آن بولين)

وفقا للأساطير، أعدمت الملكة (آن بولين) بفصل رأس عن جسدها في سنة 1536، ثم فصل قلبها عن جثتها ونقل إلى كنيسة تقع في منطقة ريفية في ضواحي (إرواتون) في (سوفولك)، حيث يشاع أنها أمضت أوقاتا سعيدة هناك عندما كانت شابة يافعة.

في سنة 1837، اكتشفت أعمال تنقيب جرت في المنطقة علبة صغيرة على شكل قلب مصنوعة من مادة الرصاص مدفونة داخل جدار في الكنيسة المحلية، وكانت لا تحتوي سوى على حفنة من الغبار، ولم يكن واضحا ما إذا كان ذلك الغبار في الواقع هو قلب الملكة أم لا، لكن على الرغم من ذلك أعيد دفن العلبة في خزنة تحت الكنيسة حيث وضعت عليها علامة اليوم للدلالة على نقطة الدفن.

6. الكثير من بابوات الكنيسة الكاثوليكية:

البابا (بونيفاس الثامن)

صورة: DEA/A. Dagli Orti/Getty Images

يوجد في جرار رخامية في (سانتي فينسنزو أناستازيو أتريفي) في روما حوالي 22 قلبا يعود كل واحد منها لأحد من البابوات السابقين في التاريخ: من (سيكستوس الخامس) في سنة 1583 إلى (ليو الثالث عشر) في سنة 1903.

عادة يتم استخراج القلوب إلى جانب بقية الأحشاء كجزء من عملية التحنيط وتحضير الجثة للدفن، لكن في هذه الحالة كان يتم الاحتفاظ بها في حالة ما إذا أصبح البابا قديسا.

7. المؤلف (فريديريك تشوبين):

توفي الشاعر والمؤلف الرومنسي (فريديريك تشوبين) في باريس في سنة 1849، ودفنت جثته في مقبرة (بير لاشيز) في نفس المدينة، غير أنه أوصى بأن يدفن قلبه في بلده الأم (بولندا).

التزمت شقيقته بنقل القلب إلى بلدهما الأم (بولندا) حيث تم حفظه في محلول كحولي (يقول البعض أنه شراب الكونياك الفاخر) داخل جرة من البلّور ودفن داخل أحد أعمدة كنيسة الصليب المقدس في (وارسو).

في سنة 2014، أجرى علماء عملية فحص دامت مدة طويلة على القلب من أجل التأكد من أن الكحول في المحلول لم يتبخر، كما يأمل الكثير من العلماء الآخرين أن يكون باستطاعتهم في يوم من الأيام إجراء الفحوصات عليه لمعرفة سبب الموت الفعلي الذي أنهى حياة هذا المؤلف الشهير.

8. (توماس هاردي):

مكان دفن قلب (توماس هاردي) في (دورسيت)

مكان دفن قلب (توماس هاردي) في (دورسيت) – صورة: VisitBritain Images/Flickr

أراد الشاعر والروائي الإنجليزي الشهير (توماس هاردي) أن يدفن في بلدته الأم في (ستينسفورد) بـ(دورسيت)، لكن بعضا من أصدقائه أصروا على أن أفضل مكان لدفن شخص في مقامه العلمي والأدبي لن يكون سوى دير (ويستمينستر)، لكن عندما اكتشف مسؤولون في بلدة (ستنسفورد) بأن جثمان (هاردي) دفن في الدير، أقاموا الدنيا وأقعدوها، ثم توصل الطرفان المتنازعان إلى حل وسيط حيث تم الإبقاء على معظم جثة (هاردي) في دير (ويستمينستر)، لكن قلبه نقل ودفن في كنيسة (ستينفورد) ووضع له شاهد قبر خاص به.

حامت كذلك حول القصة بعض الأقاويل التي تفيد بأنه عندما كان الطبيب المسؤول عن تحضير الجثة للدفن بصدد نزع القلب، شتت انتباهه أمر ما فقفزت قطة إلى الطاولة وأكلت جزءا من القلب، ولم ينته الأمر هنا، بل يزيد بعضهم عن القصة سيناريو آخر أكثر تطرفا يفيد بأن تلك القطة قتلت ودفنت بجانب مكان دفن القلب.

9. (بيرسي شيلي):

بيرسي شيلي

توفي الشاعر (بيرسي شيلي) عندما كان في رحلة إبحار حول البحر الأبيض المتوسط سنة 1822، وكانت قوانين الحجر الصحي المحلية آنذاك تملي بأن الجثة يجب حرقها على الشاطئ، فأخذت جثة الشاعر إلى أحد الشواطئ لحرقها، لكن يزعم أن ألسنة اللهب لم تطل عضو القلب، فقفز أحد أصدقائه وهو المغامر (إدوارد تريلاوني) إلى النار وتلقف القلب من وسط النار.

نشبت بعد ذلك معركة ”حضانة“ بين أصدقاء (شيلبي) حول من سيكون له شرف الاحتفاظ بالقلب، ثم منح في نهاية المطاف إلى أرملته (ماري) التي احتفظت به إلى غاية وفاتها، فعثر عليه أبناؤها في حقيبة حريرية داخل أحد أدراج مكتبها، ويقال أنه مدفون الآن بجانبها في المقبرة الخاصة بالعائلة في (بورنموث) في إنجلترا.

10. (أوتو فون هابسبيرغ):

أوتو فون هابسبيرغ

كانت عائلة (هابسبيرغ) الملكية تمارس عملية دفن القلب بشكل منفصل منذ قرون، وكانت الكثير من القلوب التي تعود إلى أفراد هذه العائلة القوية والنافذة مدفونة داخل جرار نحاسية في كنيسة القديس (أوغسطين) في (فيينا) بالنمسا.

في سنة 2011، أوصى (أوتو فون هابسبيرغ) آخر وريث للإمبراطورية الهنغارية/النمساوية التي انحلت في سنة 1918، بأن يدفن قلبه في دير (بينيديكتين) في (بانونهالما) في (هنغاريا)، بينما دفنت بقية جثته في (فيينا) بالنمسا.

وعبر ولي العهد السابق عن أن رغبته في أن يدفن قلبه في (هنغاريا) كانت التفاتة نابعة عن حبه للبلد الذي كان يشكل في يوم من الأيام نصف امبراطوريته السابقة.

المصادر

عدد القراءات: 8٬914