معلومات عامة

من الذي يزن أكثر، البشر أم الحشرات؟

الحشرات

ليست الأسئلة التي يطرحها الأطفال بشكل مستمر عن العلم دائماً سهلة الإجابة، ففي بعض الأحيان يمكن لأدمغتهم الصغيرة أن تقودنا إلى أماكن كبيرة ينسى حتى الكبار استكشافها. هذا ما ألهم مقالنا عن طريق طرح أسئلة علمية من قبل الأطفال، والتي تستخدم فضول الأطفال كنقطة انطلاق للتحقق من العجائب العلمية التي نسي الكبار أن يفكروا بها. الإجابات هي للكبار، ولكن بالتأكيد لن تكون ممكنة بدون فضول الأطفال وشغفهم للحصول على الإجابة.

يتساءل الطفل س. كارسون، ذو الأربع سنوات: ”من الذي يزن أكثر، البشر أم الحشرات؟“ 

في عام 2012، قدر العلماء الكتلة الحيوية البشرية (أي الوزن الاجمالي للبشر) بحوالي 287 مليون طن. وبعد خمس سنوات، كُلّفت مجموعة مختلفة من العلماء بتقدير حجم الطعام التي تتناوله العناكب، وقد جاؤوا برقم مرعب (إذا كان غير دقيق إلى حد ما) يتراوح بين 400 مليون و800 مليون طن من الفرائس كل عام، وبعبارة أخرى، يفوق وزن ما تتغذى عليه العناكب في العام الواحد وزن جميع البشر مجتمعين.

من المؤكد أن كل الحشرات مجتمعة تزن أكثر من البشر مجتمعين، ولكن عندما تضم ركبتيك إلى صدرك وتترنح بلطف محاولاً ألّا تلمس أيّاً من السطوح القذرة المغطاة بالحشرات والمحيطة بك في جميع الأوقات، فعليك أن تعلم أنّ هذا النصر الظاهري لجنس الحشرات يخفي وراءه مشاكل جدية لهم، وبالتالي لنا نحن البشر.

لقد تبيّن أن عدد الحشرات الآن أقل من ذي قبل، سواء من ناحية الوزن الكلي أو تعدد الأنواع، ويقع اللوم في ذلك علينا نحن البشر!

لكن، أولاً، دعونا نتوقف ونتحدث عن السبب وراء كون عدد الحشرات يفوق عدد البشر.

إنه لمن الصعب قليلا حساب العدد الهائل من الحشرات في العالم. يقول جولي بيترسون، أستاذ علم الحشرات في جامعة نبراسكا لينكولن: ”هناك ما يقدر بنحو 10 كينتليون حشرة في العالم، وهذا يعادل رقم 10 مع 18 صفر على يمينه، وذلك دون احتساب المفصليات الأخرى مثل العناكب والعث“.

ربما تمثّل الحشرات؛ بما في ذلك من قراد، وأركان السن، وعناكب، وجميع الزواحف الأخرى التي تعيش في الأرض والتي نسميها ”الحشرات“، ما يصل إلى 80 في المئة من الأنواع على هذا كوكب، وفي المقابل، يمثل الإنسان نوعا واحدا من أصل 7،386،922،190 فصيلة.

ولتبسيط استيعاب هذه الارقام الضخمة، دعونا ننتقل إلى حكاية إليزابيث بورر، أستاذة البيولوجيا في جامعة مينيسوتا، قالت عن دراسة أُجريت عام 1982 ذهب فيها عالم حشرات يدعى تيري إروين إلى ”بنما“، وبدأ في أخذ عينات من الخنافس الموجودة في نوع واحد من الأشجار عن طريق رشَّ الأشجار بالمبيدات الحشرية، ومن ثم إحصاء وتصنيف ما يسقط من حشرات.

وجد إروين أكثر من 955 نوعاً من الخنافس في 19 شجرة فقط، واستناداً إلى ما عرفه عن انتشار هذا النوع من الأشجار في الغابات البانامية وانتشار الخنافس مقارنة مع أنواع أخرى من الحشرات، خمّن إروين على أقل تقدير بأن كل هكتار من الغابات البانامية يمكن أن يكون موطناً لـ41،000 نوع من الحشرات، الملايين، وربما مئات الملايين من الأنواع التي تعيش في منطقة مساحتها لا تتعدى مساحة ملعبي كرة قدم!

وهذا هو السبب في تفوق الحشرات على البشر وزنا. قد تكون الحشرات صغيرة الحجم، ولكن الفصائل الأكبر منها مثل ”ويتا نيوزيلندا“ العملاقة، يصل وزنها إلى حوالي 70 غراماً، وقال بيترسون بشأنها: ”هذا تقريباً بحجم بيضة دجاج الجومبو“. على الرغم من كون متوسط أوزانها لا يتعدى 0.05 غرام، إلا أن هذا الرقم يعظم كثيرا اذا ما ضربته بعدد الحشرات المقدر بـ: 10,000,000,000,000,000,000. هذه لعبة أرقام تتفوق فيها الحشرات بأشواط.

كل هذه الأرقام تأتي من الاستقراء والتقدير، وكثيراً ما يقوم العلماء بدراسات مثل التي قام بها إروين، والتنقل إلى منطقة ما لأخذ عيّنات تخبرهم عن عدد الحشرات التي تعيش في شجرة ما، أو على متر مربع واحد من الأرض. يمنحنا الحصول على عدد كاف من العينات فكرة عما هو طبيعي في نظام بيئي ما.

يتمحور الأمر حول معرفة كم من هذا النظام البيئي يغطي الأرض ومن ثم القيام بالحسابات الرياضية. وأضاف بيترسون: ”تفترض التقديرات أيضاً أن هناك الكثير من أنواع الحشرات التي لا نعرفها حتى الآن، حيث تم تسمية مليون نوع من الحشرات وتوثيقها، منها عينات مختومة في الجرار أو موضحة في الكتب، وقد يكون هناك أكثر من 4 ملايين نوع من الحشرات لم يتم تصنيفها بعد“.

إذا لم يبهرك كل ما سبق، فقط فكّر بهذه الآلاف من ملايين الحشرات ودورها في حياتنا، فهي جزء مهم من السلسلة الغذائية، فتعتمد صحة الطيور على وجه الخصوص على صحتها، كما تعتبر الحشرات أيضاً من الملقحات، فالتلقيح ليس حكرا على النحل، فالدبابير والنمل والذباب والخنافس، جميعها تشارك في عملية تلقيح النباتات وإخصابها.

في حين أن كل الطعام الذي نستهلكه لا يعتمد على الملقحات، فإن بعض النباتات مثل اللوز والأفوكادو والعديد من الفواكه والمكسرات والبرسيم تلقّح نفسها بنفسها. بالإضافة لما سبق، توفّر خنافس السماد حوالي 380 مليون دولار سنوياً على مؤسسة المواشي الأميركية، وذلك من خلال تحليل روث الأبقار في التربة، بالاضافة إلى كونها تساعد أيضاً على إعادة النيتروجين إلى التربة، والذي يشكل مصدراً هاماً للتغذية لدى النباتات.

الحشرات مهمة للغاية، وإذا كان باستطاعة العلماء معرفة عددها أو وزنها في المتر المربع، فقد يمنحنا ذلك فكرة عن مدى قدرتها على التأثير في حياتنا، وهذا ما يقصد به العلماء عندما يتحدثون عن ”الكتلة الحيوية“.

إذا تمكنا من معرفة كمية الروث المتحللة من قبل خنفساء واحدة، ثم تمكنا من معرفة عدد الخنافس جميعا، فان هذا سيساعدنا على استيعاب كمية الروث الممكن تحللها. وإذا استطعنا معرفة وزن الحشرات التي يتغذى عليها طائر واحد، عندها بإمكاننا معرفة عدد الطيور التي يمكنها أن تعيش على الحشرات في شجرة بانامية واحدة، والإجابة على هذه الاسئلة على قدر كبير من الأهمية، لأنها تخبرنا بحقائق عملية مفيدة مثلما إذا كان بإمكان الطيور البقاء على قيد الحياة في موطن معين، أو ما إذا كان الروث سيبدأ بالتراكم في مزرعتك.

وهذا يعني أن الكتلة الحيوية هي مقياس لصحة مجتمع الحشرات والطبيعة ككل. وهنا يبدأ علم وزن الحشرات البسيط بالتداخل مع علم النظم البيئية المعقد، والذي أثقله الجلوس بلا حراك ومشاهدة هذه النظم البيئية وهي تنهار.

تشير البحوث والدراسات الحديثة إلى أن الحشرات ليست بحالة جيدة، فعلى سبيل المثال، يقوم الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (المجموعة التي تلعب أبحاثها دوراً كبيراً في تحديد الأنواع التي نعتبرها مهددة بالانقراض)، بتتبع 3623 نوعاً فقط من اللافقاريات الأرضية، والتي تتمثل بالحشرات بشكل رئيسي، بالإضافة إلى الديدان وبعض الرخويات، ووجد أن 42٪ منها مهددة بالانقراض، يقول بيترسون: ”من المحتمل أننا نخسر انواعاً بسرعة تفوق سرعتنا في اكتشافها وتصنيفها“.

ويمكنك أن ترى هذه الخسارة في مجموعات محددة من الأنواع، حيث استفادت دراسة في عام 2015 من تاريخ طويل من السجلات التي توثق مجموعات من العث والفراشات في الأراضي العشبية المحمية في ألمانيا، ووجدت انخفاضاً في أعداد الأنواع من 123 عام 1870 إلى 71 في أوائل عام 2010، وخاصة الحشرات ذي الموطن المحدد والتي تعد أكثر عرضة للانقراض.

ففي سبعينيات القرن التاسع عشر، كانت 50% من أنواع العث والفراشات عمومية (الحيوانات التي يمكن أن تعيش في أماكن متعددة). وبحلول عام 2010، أصبح ما يقارب 68% منها عمومية، حيث أنّ الأنواع التي كانت محصورة العيش في تلك المراعي الألمانية تلاشت بشكل أسرع. وقال بيترسون أن هذا النمط يحدث في العديد من الأماكن الأخرى، حيث تنجو الأنواع المتكيفة وتبقى على قيد الحياة، في حين أن الأنواع التي لا يمكنها التكيف بسهولة تكون أكثر عرضة للانقراض، وهذا أمر سيء لنا نحن البشر، لأن أكثر الأنواع العمومية تكيفاً هي الأنواع التي نعتبرها ضارة ومسببة للآفات مثل الصراصير أو البعوض، وأضاف بيترسون ”مع فقداننا لتنوع الحشرات، فنحن نشهد زيادة في الأنواع الضارة منها“.

نحن نفقد الملقّحات، نفقد الطعام الذي تأكله الحيوانات الأخرى

نحن نفقد الحشرات التي تدفن الروث والأشياء الميتة وتساعد على إعادة النفايات إلى التربة، والمسبب الرئيسي هو البشر!

الخطر الأكبر المهدِّد للحشرات هو فقدان موطنها نتيجة الزراعة، وقطع الأشجار وتطوير البنية التحتية، وذلك يجعل الحد من انقراض الحشرات أمراً صعباً، يقول بيترسون بأنه في كثير من الأحيان يحتاج الناس للحشرات وخاصة مزارعي ”نيبراسكا“ الذين يعتمدون عليها، مثل تخصيب الخنافس لأراضيهم الزراعية من خلال تحليلها للضفادع والفئران النافقة.

إلا أن بعض الناس يعتمدون في أسلوب حياتهم على تدمير موطن الحشرات من خلال الزراعة، حيث تعد البراري الموطن الأصلي للخنافس، وكنتيجة حتمية لتقلص مساحة البراري، تقلصت أعداد الخنافس.

تعمل الخنافس على جعل البراري خصبة وغنية بالمواد المتحللة، مما جعل موطنها مقصد رئيسي للمزارعين لتحويلها لأراضي زراعية وبالتالي تدمير هذه المواطن، كما أن اختفاء الخنافس لا يعد مؤشرا جيدا للمزارعين أيضا، ولكنهم لا يستطيعون التوقف عن الزراعة لأن البراري لا يمكنها إطعام الإنسان وتوفير متطلباته ببساطة.

لا توجد حلول سهلة لهذه المعضلة، ففي ولاية نبراسكا، تطالب وكالة حماية البيئة المزارعين الذين يستخدمون المبيدات الحشرية التأكد من عدم وجود خنافس في أراضيهم، فإذا وجدوها فعليهم استعمال مبيدات أكثر تكلفة والتي تقضي على الحشرات الضارة فقط دون المساس بالخنافس. يرى بيترسون هذا الإجراء على أنّه تنازل عن ميزة من أجل الحصول على أخرى، فربما يجب على المزارعين إنفاق المزيد من المال من أجل حماية الخنافس والتي بدورها ستغنيهم عن انفاق الكثير من المال، على الأسمدة، في سبيل تخصيب أراضيهم.

وفي النهاية يجدر القول أنّه من الصعب إرضاء جميع الأطراف، ربما تزن الحشرات أكثر من البشر، ولكن في الوقت الراهن لن نشعر بهذا الوزن إلّا عندما نفقده.

عدد القراءات: 3٬512