علوم

لماذا يميل الإنسان لمص إصبعه بعد إصابته مباشرةً؟

رجل يصيب إصبعه بالمطرقة لدى قيامه بأعمال يدوية ويبدو عليه أنه يشعر بألم شديد

إن قُمت فيما مضى بإغلاق باب المنزل أو السيارة على إصبعك أو ضربت كوعك بزاوية الحائط ستجد أن أول ردة فعل تقوم بها عادةً هي مص إصبعك أو فرك مرفقك المصاب، وهذا الأمر ليس تصرفاً غريزياً تقوم به للتهدئة من روعك فحسب، بل إنها تقنية فعالة بالواقع، إذ إنك تقوم وفقاً لهذه الطريقة بإيقاف وصول الإشارات العصبية الناقلة للألم إلى الدماغ بشكل مؤقت.

لكن كيف يمكن لذلك أن يحصل؟ تابع معنا عزيزي القارئ لتدرك كل ما تريد معرفته حول آلية حدوث الألم وكيف تتم عملية التواصل بين الجسد ومستقبلات الألم المنتشرة في الجسم.

في القرن السابع عشر، اقترح العالم والفيلسوف الفرنسي (رينيه ديكارت) وجود مستقبلات مسؤولة عن الألم على منتشرة في الجسم، تقوم هذه المستقبلات بإيصال إشارات للدماغ عندما يتنبه الجسم بمنبهٍ مثير لشعور بالألم، لكن وفقاً لما رواه بروفيسور علم الأعصاب والسلوك البشري (لورن مينديل) من جامعة (ستوني بروك)، لم تتمكن الدراسات الحالية من تحديد وجود مستقبلات لا تستجيب إلا للشعور بالألم في الجسم، فيقول: ”بإمكانك تحفيز بعض الألياف العصبية في الجسم بطريقة تؤدي إلى الإحساس بالألم، لكن نفس الألياف في ظروف أخرى قد لا تثير نفس الشعور بالألم، وبعبارة أخرى يمكن للليف العصبي الذي ينقل حس الألم أن ينقل أحاسيس أخرى“.

في عام 1965، قام باحثان من معهد (ماساتشوستس) للتكنولوجيا هما (باتريك وال) و(رونالد ميلزاك) بطرح نظرية جديدة تدعى ”نظرية التحكم ببوابة الألم“ التي مازالت معمولا بمعظمها إلى يومنا هذا.

وبفضل خبرة (مينديل) في علم بيولوجيا الجهاز العصبي وعمله مع الباحثين السابقين أصبحت لديه فكرة واضحة عن النظرية المطروحة، وبيّن لنا أن الشعور بالألم يقوم على الموازنة بين مختلف الألياف العصبية الموجودة في الجسم، فيوضح ذلك قائلاً: ”يوجد لدينا نوعان من الألياف العصبية في الجسم، النوع الأول يزيد المدخلات والتنبيهات فيقوم بفتح البوابة، أما الثاني فيقلل المدخلات ويؤدي إلى إغلاقها، ومنه لدينا فكرة هذه البوابة التي تتموضع عند مدخل الحبل الشوكي وتكون مفتوحة عند الشعور بالألم، أو مغلقة عند عدم الشعور به“.

تمت إعادة بلورة نظرية بوابة الألم عام 1996، عندما اكتشف عالم فيزيولوجيا الأعصاب (إدوارد بيرل) أن الخلايا العصبية تحوي مستقبلات للألم خاصة بها، تعطي إشارة عند تنبيه الجسم، أو عند حدوث أذية نيسيجية فعلية. أما هذه الخلايا فهي تحتوي على نوعين رئيسيين من الألياف العصبية -كبيرة وصغيرة- إذ تنقل الألياف الكبيرة التنبيهات العصبية غير المسببة للألم، بينما تنقل الألياف الصغيرة إشارات الألم.

تم إثبات هذه الدراسة من خلال تطبيق تيار كهربائي مختلف الشدة على الخلايا العصبية، فعند تطبيق تيار كهربائي منخفض الشدة تتنبه الألياف الكبيرة أولاً وعند رفع شدة التيار تتنبه الألياف الأصغر فالأصغر، وشرح (مينديل) التطبيق العملي لذلك على جسم الإنسان بقوله: ”عند قيامك بتطبيق تيار كهربائي منخفض الشدة على جسم الإنسان، سيدرك وجود المنبه الكهربائي لكنه لن يشعر بالألم، أما عندما تزيد شدة هذا التيار الكهربائي لتصل إلى حدود عتبة التنبيه المسببة للألم، سيخبرك الشخص على الفور أنه بدأ يشعر بالألم“، وأكمل حديثه قائلاً: ”…وبالتالي أصبحنا نعلم أن الألياف الكبيرة مسؤولة عن عملية إغلاق بوابة الألم، أما تنبيه الألياف الصغيرة فيؤدي لفتحها“.

الآن بعد أن قمنا بشرح آلية حدوث الألم بالتفصيل، أصبحنا قادرين على تفسير سبب مص الإصبع المصاب أو فرك الطرف المصاب بعد حدوث الإصابة مباشرة، فأنت عندما تقوم بذلك عزيزي القارئ فإنك ببساطة تحفز الألياف الكبيرة لتقوم بـ”عكس الألم“، فالتأثير الحاصل كما يرويه (مينديل): ”بتحفيز الألياف الكبيرة، تقل الإشارات العصبية الخاصة بالألم الناتجة عن العضو المصاب التي تحملها الألياف الصغيرة، وبالتالي تقوم بإغلاق بوابة الألم مما يؤدي إلى خفض هذا الشعور“.

أدى هذا الاكتشاف إلى خلق ثورة كبيرة في محاولة معالجة الألم باستخدام التنبيه الكهربائي متوسط الشدة، والهدف المرجو من ذلك هو إثارة الألياف الكبيرة لتغلق بوابة الألم أمام وصول التنبيه الوارد عن طريق الألياف الصغيرة.

في حين نجد أن عملية عكس الألم الفردية هذه غير مجدية في الإصابات الخطيرة، إلا أننا يجب علينا وضعها في الحسبان في المرة القادمة التي نختبر فيها كدمةً رضّية أو إصبعاً مصاباً.

المصادر

عدد القراءات: 6٬407